Define your generation here. Generation What
بين اللوم والتوجيه.. رسائل الدولة للإعلام الأجنبي
 
 

عادت وسائل الإعلام الأجنبية لتكون مدانة في نظر الدولة، وذلك مع تجدد الانتقاد الرسمي لتغطيتها في الأسابيع الماضية عقب الهجوم الدامي الذي قام به مسلحون وأسفر عن وقوع 305 قتلى في قرية الروضة بشمال سيناء، والذي وقع يوم 24 نوفمبر الماضي.

وانتقد ممثلون للدولة المصرية؛ وزراء وسفراء، فضلًا عن هيئات رسمية مسؤولة عن الإعلام الأجنبي، جوانب من تغطية الأحداث في عدد من وسائل الإعلام الأجنبية، مع توجيه اتهامات بدعم وتمجيد الجماعات الإرهابية تارة، وعدم التزام الحياد تارة أخرى.

ورغم الانتقادات، التي شملت محاولات إملاء على الصحافة الأجنبية حول ما يجب أن تغطيه، وطُرق تناول الأحداث الجارية في مصر، يصر مراسلون لوسائل إعلام أجنبية على أن المهنية هي المعيار الأساسي الذي ينتهجونه في تغطيتهم.

«الخارجية» ومحاور التغطية

تناول ياسر رضا، سفير مصر بواشنطن، الأسبوع الماضي افتتاحية جريدة «الواشنطن بوست»، وذلك في مقال له نشرته الجريدة نفسها في 4 ديسمبر. واتهم السفير المصري الجريدة الأمريكية بأنها ألقت اللوم وراء الهجوم على تقصير حكومة بلاده أمنيًا،  بدلًا من توجيه الاتهام للفكر المتطرف الذي تنتهجه المجموعات المسلحة.

وفي الأسبوع السابق على نشر مقال رضا، طالت تصريحات لمتحدث وزارة الخارجية أحمد أبو زيد جريدة «الجارديان» وشبكة «سي إن إن الأمريكية»، فقد اتهم مقال رأي نشرته الجريدة البريطانية بأنه «نموذج صارخ للمعايير المزدوجة وانتهاك لقرار مجلس الأمن 2354 الذى يحظر بشكل واضح تمجيد أو تبرير أو التحريض على أعمال الإرهاب»، كما ورد في تغريدة له على موقع «تويتر»؛ وذلك لأن كاتب المقال انتقد الاستراتيجية الأمنية في سيناء.

كما وصف أبو زيد تغطية «سي إن إن» لمذبحة الروضة بالـ «مؤسفة»، قائلًا إن مقدم الأخبار كان أكثر اهتمامًا بوصول الصحفيين إلى سيناء عمَن فقدوا أرواحهم بالقرية الواقعة في محافظة شمال سيناء.

وعندما واجهت مذيعة «سي إن إن» التليفزيونية كريستيان أمانبور وزير الخارجية المصري سامح فهمي بتصريحات متحدث وزارته، وسألته إن كان يؤيد هذه التصريحات ضدهم، رد فهمي قائلًا إن حرية الصحافة مرحب بها، ولكن شبه الجزيرة الحدودية منطقة عسكرية، على حد تعبيره. وأضاف موضحًا: «وقد رأينا كيف يستهدف الإرهابيون الأجانب إلى جانب المصريين».

وقال شكري أيضًا إن مركز الاهتمام كان يجب أن يتمحور حول الضحايا وحرب مصر ضد الإرهاب، بينما ردت أمانبور بأن الشبكة لديها الخبرة الكافية في تغطية هذه الأحداث. كما عبّرت عن تمنيها أن تستطيع القناة تغطيتها في المستقبل، بعدما أشارت إلى تقديم طلبات متكررة إلى الحكومة المصرية بضم أفراد من طواقمهم الإخبارية للقوات الأمنية المصرية حتى يتسنى لهم التغطية، ولم يسمح لهم بذلك.

فيما تقول مراسلة لوسيلة إعلام أجنبية، طلبت عدم ذِكر اسمها فضلًا عن وسيلة الإعلام التي تنتمي إليها، إن الحكومة تسعى لتوجيه الإعلام الأجنبي لتبني وجهة نظرها. وترى أن رد فعل الدولة تجاه تغطية تلك الوسائل يخلق ضجيج إعلامي مؤقّت، لكنها تؤكد على أن ذلك لا يؤثّر على طريقة عملها.

وتقول المراسلة لـ «مدى مصر» : «قال البعض لي قريبًا إننا نقول مسلحون ولا نقول إرهابيون وما نفعله حينها هو شرح السبب المهني وراء ذلك. في آخر الأمر، نحن نقوم بواجبنا.. نتحدث مع كل الأطراف وننقل وجهات نظرهم».

وتضيف المراسلة أن الوضع في تغطية أماكن كسيناء صعب، حيث تمنع الدولة المراسلين من الذهاب إلى هناك والتحدث مع المتأثرين بالأحداث، «فلا نجد سبيلًا غير اللجوء إلى  المعلومات الرسمية»، واصفة شمال سيناء بالثقب الأسود من حيث غياب المعلومات.

كما تؤكد على أن السلطات تريد إرغام المراسلين على الاعتماد على المعلومات الرسمية فقط، وتصعّب عليهم الوصول إلى معلومات بديلة أو تتناقض مع ملعوماتهم، وذلك يؤدّي إلى فقدان الاهتمام بهذه القصص لعدم القدرة على المتابعة الصحفية  أو كتابة تقارير أكثر عمقًا.

مراسل آخر، رفض ذِكر اسمه، قال لـ «مدى مصر» إن الحذر في التغطية الصحفية شيء يتبعه منذ 2013، ولكنه لا يزيد من حذره مع هجوم الدولة على وسائل الإعلام الأجنبية، وهو ما اتفق معه عدد من المراسلين الذين تحدث معهم «مدى مصر».

ويؤكّد المراسل على أن ما يكون متوفّرًا بالنسبة له معلومات الحكومة فقط، ويضرب مثلًا بشبه جزيرة سيناء، ولذلك لا يعتمد إلا على المعلومات الرسمية.

ويضيف أنه، في حادث طريق الواحات، اضطر إلى الاعتماد على وسائل إعلامية أُخرى ذات مصداقية تكلمت مع مصادر ونقلت عنها حين غابت المعلومات الرسمية، حتى لو تبيّن لاحقًا أنها كانت خاطئة.

وأضاف المراسل: «يقولون لنا دائمًا ألا نعتمد على مصادر أخرى، ولكننا دائما سنتبّع المعايير الأساسية في التغطية المهنية، فلا لن نقول إن الشخص إرهابي، سنصفه كما تعلمنا في العمل المحترف.. هو مُسلَّح».

عقب هجوم الروضة؛ عقد ضياء رشوان رئيس «الهيئة العامة للاستعلامات» مؤتمرًا صحفيًا لمراسلي وسائل الإعلام الأجنبية ليقرأ لهم بيانًا «إن هذه الجريمة تحمل رسالة إلى بعض وسائل الإعلام العالمية التي ظلت حتى آخر وقت تمارس المراوغة في وصف هذا الإرهاب باسمه الحقيقي. واليوم لم يعد مكان ولا مبرر لهؤلاء في استخدام تعبيرات ملتبسة، عما يسمى المعارضة المسلحة أو العنف السياسي أو المناضلين أو الصراع مع النظام أو المواجهة مع مسلحين».

وتابع البيان: «فإذا لم يكن هذا البعض في الإعلام الدولي لا يرى حتى الآن فيما يجري إرهابًا وفي هؤلاء المجرمين قتلة معادين لكل الحضارة الإنسانية فإنه سوف يصبح شريكًا بالتشجيع والتمويه والمراوغة مع هذا النوع من الجرائم».

وفي أكتوبر، شنّ رشوان هجومًا على وكالة «رويترز» وشبكة «بي بي سي»، حول ما أعلنتاه عن أرقام الضحايا في هجوم مسلح على قوات الشرطة على «طريق الواحات»، وذلك وسط غياب لأي معلومات رسمية لمدة تزيد عن يوم عن أعداد القتلى والمصابين، وطالب بالاعتذار عن عدم دقة المعلومات ومصادرها.

وتطالب الهيئة الصحفيين أن يلتزموا بالمصادر الرسمة فقط. وبينما تغلق الدولة للمجال أمام وصول المراسلين لأماكن الأحداث، إلا أنها تنتقدهم لعدم الدقة في نقل الأخبار، وذلك مع غياب المعلومات أحيانًا. فيما يؤكد صحفيون يعملون لدى وسائل إعلام أجنبية أن الضغط يقلقهم أحيانًا، ولكنه لا يثنيهم عن اتباع المعايير الإخبارية والمهنية التي مارسوها دومًا.

مصادر أُخرى

أجبر المناخ السياسي المقيد للمجال العام العديد من الصحفيين على اتخاذ الحيطة أثناء عملهم، ومنهم مراسلين لوسائل الإعلام الأجنبي. فقد نشرت جريدة «البوابة» ملفًا تنتقد فيه «الجارديان»، وذلك بعد يوم من تغرّيد أبو زيد على تويتر منتقدًا الجريدة البريطانية. وجاء أبرز العناوين على الصفحة متهما: «الجارديان.. ذراع قطر الإرهابية».

يقول إدموند باور، وهو صحفي مستقل يكتب لـ «لأوبزرفر»، الجريدة الأسبوعية للجارديان، وقد قام بتغطية هجوم الروضة لهم، إن الوضع كما هو منذ مجيئه لمصر منذ 3 سنوات، قائلًا: «ما يحدث أن بعض المسؤولين ووسائل الإعلام توجه سهام انتقادها للإعلام الأجنبي، ثم يمر الأمر بعدها بأيام دون أثر يُذكر».

ويؤكّد باور لـ «مدى مصر» على أنه في كل الأحوال حذِر في تغطيته، ويحرص على أن تعرف مصادره ومَن يحاورهم هويته والجريدة التي يكتب لها، ولكنه لا يشعر بقلق من أن يتمّ القبض عليه أو شئ من هذا القبيل بسبب انتمائه لجريدة أجنبية.

«بالطبع أحاول الحصول على إذن للتغطية في كل وقت، ولكن أهم شئ بالنسبة إلي هو قول الحقيقية وأن أكون دقيقًا» حسبما يقول باور، ويشدد على أن مناشدات الدولة لأخذ المعلومات منها فقط لا يثنيه عن سؤال مصادره.

مراسل لحدث في مكان مغلق

من جانبه يرى الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز أن وسائل الإعلام الأجنبية تلتزم المهنية في تغطية الأخبار، ولكنهم يقعوا أحيانًا في أخطاء ناتجة عن إطارات الانحياز لديهم، أي أنهم يرون الأحداث من منظور منحاز لوجهة نظر مسبقة عن السياق، فبدلًا من رؤيتهم لما يحدث في سيناء على أنه إرهاب، فيصّفونه على أنه تمرّد، بحسب عبد العزيز.

ويقول الخبير الإعلامي إن الدولة طوّرت مؤخرًا اللغة المهنية المناسبة للتعامل مع هذه الأخطاء، مستشهدًا بالتزام المحصلة النهائية الرسمية لضحايا «حادث طريق الواحات»، في  أكتوبر الماضي، بعد أن كانت وكالات وشبكات عالمية نقلت الأرقام الخاطئة.

ويقرّ عبد العزيز بأن مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية يواجهون صعوبات مهنية في الوصول إلى معلومات، لتأخّرها مثلما حدث في هجوم الواحات أو نتيجة لضغط الوقت في ظل إحجام المصادر عن التصريح، ولكنه يصر على أن ضغط الدولة على الإعلام الأجنبي من أجل تصحيح الأخطاء أمر مهم.

في المقابل، ترى رشا عبد الله، أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية في القاهرة، أن أحد أهم الجوانب في سياق حوار الدولة مع المراسلين الأجانب على التغطية هو غياب أحد الشروط الأساسية لقيام الصحفي بدوره في جمع المعلومة، عن طريق حرية الوصول لموقع الحدث.

وتقول أستاذة الإعلام إنه فيما كانت الدولة تحدّث أعداد الضحايا باستمرار في «هجوم الروضة»، وهو تحسّن مقارنة بحادث «طريق الواحات»، فإن التغطية الإخبارية ليست مجرد أرقام ضحايا ومعلومات يأخذها الصحفي من الجهات الرسمية.

وتوضح عبد الله: «إن كانت الحكومة لا تتفق مع وجهة نظر وسائل الإعلام الأجنبية، فلديها متسع المساحة للرد عليها في هذه الوسائل نفسها بالحجة». وهو الأمر الذى قام به كل من وزير الخارجية والسفير المصري بواشنطون، مع كل من «سي إن إن» و«واشنطون بوست»، بدلًا من مهاجمة وسائل الإعلام مباشرة.

ورغم أهمية التصريحات الرسمية في عمل الصحفي، تؤكّد رشا على أن التغطية الصحفية تشمل كذلك السياق والملابسات والأسباب وراء الحادث وتفاصيله، والوصول إلى هذه الحقائق تتطلب الذهاب إلى المكان والتحدّث مع الشهود والسُكّان.

وتفسر رشا عبد الله استمرار الدولة في تنبيه الصحفيين أن يقتصروا على ذكر البيانات الرسمية بأنها تهتم بصورتها أمام العالم، بينما تهمل تصحيح الواقع أو الأوضاع التي تخاف من الكيفية التي يتم نقلها بها، موضحة: «ما على الرسول إلا البلاغ».

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي