Define your generation here. Generation What
محمد رشدي.. المغنواتي بين الثورة والمثقفين
 
 

في طريقي اليومي للمقهي في المهندسين، اعتدتُ الوقوف للحظات أمام الفيلّا التي تحمل اسم «أدهم»، والتي يسكن فيها الفنان محمد رشدي، في شارع الأنصار، لأنها تذكرني بحوار صحفي معه، صُوِّر في هذه الفيلّا وبدأ بمقدمة عنها.

أختلس النظر سريعًا لكن لا أوفَّق في رؤيته. فقط تستطيع عيني التقاط صورة لفرحه معلّقة على حائط في الصالة. تزامنت تلك الفترة من حياتي، مع عودته للغناء بألبوم «دامت لمين» عام 2004، ثم «قطر الحياة»عام 2005، قبل رحيله بفترة وجيزة.

بشكل شخصي، أعتبر رشدي صاحب تجربة من أهم التجارب الغنائية في مصر بعد ثورة 1952.

قدّم لونًا جديدًا من الغناء، واستطاع أن يضع قدمه وسط الكبار، وأن ينافس مطرب الدولة «عبدالحليم حافظ»، بل وتمكّن من الاستمرار مع تقدمه في العمر، طارحًا ألبومين في آخر سنتين من حياته، تربّعا على عرش الألبومات وقت صدورهما، وسط منافسة حامية من مغنيي الأجيال الجديدة. ورغم تعاونه في الألبومين  في الكلمات والألحان مع شباب صغير السن، إلا أنه حافظ على لونه بعد تغليفه بشكل جديد يناسب الألفينات.

بدأ رشدي رحلته الغنائية في الإذاعة بأغنية  «سامع وساكت ليه» من بواقي أغاني محمد عبدالوهاب. وحكى في برنامج «سهرة شريعي» عام 2011، كيف حصل على الأغنية من سلة مهملات مكتب موسيقار الأجيال، حيثُ كتب حينها وصل أمانة لكاتب الأغنية الزجال «حسين طنطاوي». في حواره الأقدم  مع المذيعة المصرية «ليلى رستم »عام 1966 في برنامج «نجوم على الأرض» لا يذكر رشدي هذه القصة، مكتفيًا بالحديث عن أغنيته الشهيرة «قولوا لمأذون البلد».

من خلال قراءتي لهذين الحوارين، اللذين يفصل بينهما 45 سنة، سأحاول رسم بورتريه عن رشدي. كيف تغيّرت شخصيته بين هذين اللقائين، وكيف تحوّل من ابن القرية البسيط لصاحب تاريخ غنائي مميز. كيف بدأ وكيف انتهي، وما التحولات التي طرأت على مسيرته.

ابن الثورة .. والمثقفين

تعتبر أغنية «مأذون البلد» التي صدرت عام 1951 أي قبل قيام ثورة 52 بعام واحد؛ أول الأغاني التي اشتهر بها رشدي. وظل صاحب الأغنية الوحيدة لمدة قاربت العشر سنوات، حتّى قدّم ملحمة «أدهم الشرقاوي». يحكي رشدي هذه الحكاية في اللقاءين، تأكيدًا على فكرة الصبر والبحث عن النفس. وعن أسباب تعثّره، يعترف في اللقاء الأول، أنه شعر بنفسه كاذبًا وغير مؤمن بما يقدمه، وأحس أن عليه تحرّي الصدق في أعماله.

يتحدّث رشدي عن أدائه لأغنية «مأذون البلد» في الإذاعة يوم 23 يوليو عام 1952، أي يوم قيام الثورة بفخر شديد، فبفضلها تساوى أجره هو وزميله عبدالحليم، الابن الأبكر للثورة، مع أجور كبار المطربين كمحمد قنديل وكارم محمود، مستفيدان من التوجُّه العام لإعطاء الأولوية للشباب والتركيز عليهم.

رشدي أحد أبناء الثورة الأبرار، ممن عاشوا واستفادوا من هذا التغيير بشكل كبير. ربما هذا ما دفعه لغناء ملحمة أدهم الشرقاوي، التي قدّمت صورة البطل المقاوِم للإنجليز والإقطاعيين والمدافع عن الخير، والمهموم بإعادة الحق للفقراء، وهي نفسها الصورة التي رسمها الضباط الأحرار لأنفسهم، وخاصة زعيمهم «جمال عبدالناصر». كانت تلك هي الفترة الذهبية لإعادة كتابة التراث بما يناسب الترتيب السياسي الجديد، لهذا ظهر أدهم الشرقاوي بصورة البطل؛ مع أن الروايات التاريخية حكت عنه بوصفه قاطع طريق.

في هذه الأيام وقت اللقاء الأول، كان يجري إعداد رشدي من قبَل مثقفي الستينات، ليكون ممثلهم بعد أحداث الثورة. ربما كان ذلك نابعًا من إيمانهم أنه الصوت الأفضل لتمثيل المصريين، والأنسب للمرحلة وما فيها من شعارات الثورة والمساواة والعدل والأرض. وربما كان عائدًا لرغبة في محاربة عبدالحليم حافظ المطرب الرسمي للدولة.

تماهى رشدي مع رغبة المثقفين، وبدأ يحاول الحديث مثلهم. فنجده يتفوّه في الحوار الأول، بالعديد من المصطلحات والجمل الإنشائية، التي يبدو أنها غُرِزت حديثًا في رأسه، محاولًا التمرُّد على صورة الفلاح البسيط المرتبك الذي ينادي المذيعة بـ«ست ليلى»، لتخرج منه جمل أقرب للاقتباسات المحفوظة من الكتب، كأنها ملّقنة من أحد مثقفي تلك الفترة.

في لقائه الثاني مع عمّار يتحدث عن تلك الفترة بشكل أكثر صراحة، ويذكر أسماء من قاموا بتوجيهه، كإحسان عبدالقدوس ورجاء النقاش، حيثُ أقنعوه أنه مطرب هذه المرحلة، محاججين بأنها جديدة سياسيًا واجتماعيًا وتحتاج لشكل أغنية جديد. حاول رشدي الانسياق لدوره المتخيَّل، وبدأ يقرأ روايات وكتب أدبية وثقافية، كي يواكب هذه المرحلة الجديدة التي لا يعلم عن أبعادها شيئًا، غير محاولته مطاردة النجاح.

ابن القرية.. المغني الشعبي

رشدي هو ابن طبقة الفلاحين البسطاء الفقراء. وظل حتى نهاية الستينات، الفلّاح البسيط المتلجلج في كلامه، الذي ينتهز الفرصة للحديث عن معاناته في الحياة قبل احتراف الغناء، وعن وحدته في المدينة «القاهرة»، وأنه لم يجد من يقف جانبه، مثلما وقف الموجي والطويل بجانب عبدالحليم. كان يشعر أنه وصل دون مساعدة أحد ماعدا جمهوره. لذلك كان يلّحن لنفسه مثلما فعل مع أغنيتي «سامع وساكت ليه» و«قولوا لمأذون البلد».

سجن رشدي نفسه في البدايات في صورة ابن القرية البسيط، لدرجة أنه كان يخاف الناس ويبعد عنهم. لم يدخل بيته ملحّن أو شاعر. وكانت حياته بعيدة عن الحياة الفنية بكل ما فيها. سيحاول فيما بعد التخلّص من تلك الصورة،  وسيظهر في حواره مع الشريعي، كيف يجلس بكل ثقة وهو يحكي عن رحلته الغنائية، وكيف انتصر على كل من حوله ليصبح واحدًا من أهم من قدّموا الأغنية الشعبية في تاريخها.

ولأنه كان مأخوذًا بأحلام أن يصبح مطرب الدولة والمرحلة، اعتاد رشدي مهاجمة عبدالحليم بين السطور. كان يلمّح إلى أنه ليس كل مطرب يصلح للون الغناء الشعبي، فيقول إن هناك صوت يتميّز بالطبعة الإقليمية، وهناك صوت ذكي يستطيع التلون حسب الظروف المحيطة، في إشارة واضحة لعبدالحليم. كما استطرد في حواره مع ليلى رستم، في إثبات أن الكل يقلده، فذكر كيف أنه بعد ما غنّى جملة «وأنا كل ما أقول التوبة» في أغنية حسن المغنواتي، قدّمها عبد الحليم بعده. استطرد طويلًا  لدرجة أن المذيعة نصحته بألا يترك نفسه فريسة عقدة الاضطهاد.

حارب رشدي حليم، لأنه كان مقتنعًا بأحقيّته في لقب مطرب الثورة، فهو يُمثِّلها كما تنادي شعاراتها. هو ابن الفلاح البسيط، صاحب الصوت الشعبي، وصاحب ملحمة أدهم الشرقاوي، البطل الذي أعاد الحقوق للمستضعفين. ولمّا لم ينل مراده، أخذ يشتكي من طبقية سوق الأغنية المصرية، فهناك المطربين الأمراء، والمطربين الشعبيين. هذا غير تصنيف المطرب العاطفي الذي يصفه بـ«المطرب العيّان السهران الضعفان الغلبان». ثم ينهي شكوته، بطرح وجهة نظره بأنه لا يوجد شيء اسمه الأغنية الشعبية، ولكن اسمها الأغنية المصرية الأصلية.

تمسّك رشدي بصورته كأحد أبناء الثورة، فهاجم شكل الأغنية قبلها، في محاولة للتقرُّب من السلطة بإبداء الولاء التام. يصف الأغنية في تلك المرحلة بأنها كانت أغنية صالونات. تُصنع في الصالون وتقدّم للناس في الصالون، متجاهلًا كل محاولات سيد درويش وزكريا أحمد، وشكوكو وعبدالمطلب وقنديل والطقطوقات الخفيفة المبنية على الفلكلور المصري. نسى أو تناسى عن قصد كل هذه المحاولات، حتى يثبت وجهة نظره فقط، وهي أن الثورة أعادت الهوية المصرية المفقودة. يشرح مقصده بجملة إنشائية مبالِغة «فانطلقت الناس تبحث عن ذاتها»، كأن الفلكلور هو الذات المفقودة من وجهة نظره.

المتخبط بين أكثر من اتجاه

يظهر من الحوارين أن رشدي كان متخبطًا، ففي الوقت الذي يطالب بالعودة للأصول، فإنه يمتدح فيروز لأنها تقدم، على حد تعبيره، تجربة «الأغنية العربية العلمية». وبينما يمتدح الفلكلور ويرفض تغيير ألحانه، يعبر عن فرحته بالعمل مع بليغ حمدي، الذي يصفه بالملحن الفيّاض، مشيدًا بكونه مجددًا. ويتحدث عن كونه أهم من الموجي، في محاولة لضرب جبهة عبدالحليم. الطريف أن الموجي كان دائم الخلاف مع بليغ لأن الأخير أدخل تعديلات كثيرة على ألحان الفلكلور.

ورغم أن الصراع بين حليم ورشدي استمر فترة طويلة، إلا أنه وصل لنهايته بعد أن أدرك رشدي أنه لن يكون مطرب الثورة، ولا مطرب مصر الأول، وأنه سيخسر إذا استمر في مهاجمة حليم، أو حتى التصريح بما كان يجري بينهما، فعدل عن محاربته. وحتى بعد رحيل حليم، لم يجرؤ رشدي عن الحديث عنه بشكلٍ صريح، لأنه أيقن أن ذلك سيفقده جزء من شعبيته.

في الحوارين يظهر أيضًا كيف أن رشدي يتحدث بطريقة غير التي يغنّي بها. ربما لو كان أخلص للونه، وخلع عباءة المثقفين التي لم تناسبه، لكان ذلك أفضل كثيرًا لمشواره الغنائي. وربّما لو كان حاول إثبات استحقاقه للقب «مطرب العمّال والفلاحين»، كما لُقّب في تترات فيلم «حارة السقايين» عام 1966، أو حاول الاستمرار على نهج الفترة التي قدّم فيها أغاني من الشعب للشعب، كما فعل في أغنيتي «دلي الشكارة»، و«يا غربة روحي روحي» من تأليف أحمد فؤاد نجم وألحان الشيخ إمام، لكان وصل لمكانة تليق به أكثر من ذلك.

لكن في النهاية؛ ورغم كل ذلك التخبّط والتوهان، تعدُّ رحلة رشدي تجربة لأحد أبناء ثورة 1952، بكل ما حملته من تأثيرات سياسية واجتماعية، فوسط كل هذه الحروب، استطاع رشدي البقاء، وتقديم أعمال فنيّة مكَّنته من الحفاظ على شعبية معقولة لفترة طويلة.

اعلان