عن أصلان، شادية، ومكاوي سعيد: في صعوبة رثاء من نحب و«نعرف»

علامة نجاح وتحقق أي فنان في رأيي، هو أن يبكيه عند رحيله من لم يعرفه ومن لم يقترب منه شخصيًا ، لا أقول «يرثيه» بل «يبكيه». على الأغلب، في هذه الحالة، لا يكون البكاء دموعًا، بل شجنًا، أي ذلك الحزن الذي يلازمه إدراك مؤلم بفداحة الخسارة وصعوبة تعويضها.

إذا ما امتلكنا «المواهب اللازمة»، يمكننا رثاء المستبد، العادي، القبيح أو الكاذب، بأكثر العبارات بلاغة أو رطانة. لكن العادل أو الاستثنائي أو الجميل أو الصادق أعصياء دومًا على الرثاء والبلاغة، مهما أوتينا من موهبة.

يتطلب الحزن والألم، ولا أقول «الرثاء»، معرفة وقربًا وتواصلًا إنسانيًا. فهل يحقق الفن هذه «المعرفة»؟ وإذا كان الفن كافيًا لتحقق المعرفة واكتمال الألم بالتالي، فلماذا لا نتأثر بنفس القدر برحيل فنانين كبار أصحاب أعمال عظيمة؟

 لعل الحضور الإنساني للفنان هو ما يحقق ذلك، بداية من الانطباعات التي نكوّنها عن شخصيته من أعماله الفنية، ثم من أحاديثه الصحفية، ولقاءاته التلفزيونية، وصورته التي نرسمها في مخيلتنا ربما، حضوره في الفضاء العام عندما نصادفه ونحييه في الشارع، ما يُروى عنه من محبيه، خصاله الحسنة، وربما أيضًا بعض عيوبه ونقائصه، فليست كل المثالب والعيوب مكروهة أو منفرة، بل أحيانًا تكون دافعًا للفضول والاهتمام.

ملامحه السينمائية بالتأكيد لعبت دورًا في محبتي له. أصلان بريشة الفنان عادل السيوي

«جبال الكحل تفنيها المراود». كانت المرة الأولى التي أقرأ هذه العبارة، وأعرف بالتالي أنها في الأصل مثلٌ شعبيٌ، في افتتاحية إبراهيم أصلان لكتابه «وردية ليل»، تلك الافتتاحية التي أتذكرها كلما طاف أصلان بخاطري. سأبحث عن أصل هذا المثل على شبكة الإنترنت، وأنا أجهز المادة التي سأستخدمها في كتابة هذا النص، سيقترح عليّ محرك البحث أغنية لعبد الغني السيد تتخذ من نفس المثل عنوانًا لها، رغم أن عنوانها الذي أعرفه هو «كفاية البعد».

سأستمع إلى الأغنية للنهاية، لأقرر إن كانت تصلح للربط بينها وبين افتتاحية أصلان في «وردية ليل» أو كمدخل لأي فكرة في هذا النص. سأقرر أنها لا تصلح، لكني سأستمر في دندنتها رغمًا عني أثناء الكتابة. تقول كلماتها: كفاية البعد شور عقلك وراود/ جبال الكحل تفنيها المراود/ رماني في الهوا عشق الأحبة/ غلّبني يا جميل طبع المحبة/ بإيدي للجمال سلمت روحى/ وقضيت في الظنون ليلي وصباحي/ يا ريت كان لي جناح وأفرد جناحي/ ويحملني النسيم يمّ الأجاود.

أحببت أعمال إبراهيم أصلان بشكل خاص، وفكرت كثيرًا في التعرف إليه. فكرت أيضًا أن أعرض عليه بعضًا من نصوصي. الحقيقة أني لم أكن صادقًا في نيتي هذه، ربما لأني ببساطة لا أجيد ذلك، ربما لنفوري من فكرة الدعاية والإعلان، ومن فكرة أن يبحث كاتب مبتدئ عمن يدعمه من الكبار، رغم أهمية ذلك ومشروعيته، على الأقل في السياق الذي نكتب فيه.

اكتملت محبتي لأصلان بسبب حضوره الإنساني؛ ما يُروى عنه من خصال ومساعدة للآخرين، وابتعاده عن المعارك الشخصية. ملامحه السينمائية بالتأكيد لعبت دورًا في محبتي له. كل ذلك جعلني أتمنى أن يكون لي مثل ذلك الحضور، وبالطبع أن أكتب كتابة صادقة وجميلة مثل كتابته. عندما توفى أصلان شعرت بحاجة ملحة للمشي في جنازته ولتوديع إنسان أعرفه عن قرب.

 لم أتبادل مع أصلان كلمة واحدة، أو لم أقترب منه حتى لتحيته عندما صادفته مرة أو مرتين. لم أكن أعرف أيًا من أفراد أسرته لأقدم له واجب العزاء. أنا فقط أمشي في جنازته لأعبر له عن محبتي وعن امتناني لكونه جعلني أرى العالم جميلًا.

لم أذهب إلى عملي يوم الجنازة. ركبت سيارتي ووصلت إلى مسجد بلال بن رباح في المقطم حيث سيُشيّع أصلان من هناك، كما كنت قرأت.

 على باب المسجد تجمع العديد من الشخصيات العامة، أذكر منهم أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط، وداخل المسجد رأيت محمد المخزنجي الذي وقف ليصلي سنة الظهر فوقفت قليلًا أتأمله وأحدق فيه، وما أن انتهينا من صلاة الجنازة حتى تزاحم الناس لحمل الجثمان ولإخراجه على عجل، في عادة بغيضة للإسراع بإكرام الميت، أو ربما للتخلص من ثقل هذه المهمة ووطأتها.

 بعض الموتى يُدفنون في مصر ليلاً تحت أضواء المصابيح. لا أريد عندما أموت أن أُدفن ليلًا تحت أضواء المصابيح، أريد أن أدفن في ساعة مشمسة شتوية وباردة كهذه، وأن يودعني من لا أعرفهم أو من «عرفوني» من خلال أعمالي، قلت ذلك لنفسي وأنا أقتفي أثر السيارات التي انطلقت خلف السيارة التي لا شك أنها تحمل عبارة «تكريم الإنسان».

ضللت الطريق، لا بسبب الزحام، وإنما بسبب شرودي وخواطر نفسي. اختفى رتل السيارات فجأة من أمامي، ووجدت نفسي محاصرًا بميكروباصات، ولم أجد أي سيارة «ملاكي» أستطيع تتبعها لأقتفي أثر الجنازة. أبطأت من قيادتي للسيارة لعلي أهتدي إلى دليل، فزجرتني أصوات آلات تنبيه السيارات التي تسير خلفي، فانطلقت مسرعًا حتى لا يدركني السباب واللعنات.

 توقفت بعد قليل على جانب الطريق، وأنا أشعر بالحزن لعدم تمكني من وداعه، كما وعدته سرًا عندما قرأت خبر رحيله. قررت العودة إلى المنزل وقد تملكني الغضب واليأس.

ابتعدت عنه، واكتفيت بكوني أعرفه تمام المعرفة من كتبه التي أحببتها، ومن حضوره الإنساني الذي سمعت عنه، وصنعت من كل ذلك أسطورتي الخاصة عنه

في طريق عودتي رأيت الصحفي وائل قنديل عند مخرج المقطم. هل كنت لمحته في الجامع أثناء هرولة الناس بعد الصلاة؟ لا أعرف، ولكن وجوده، وقد كان مدير تحرير الشروق وقتها، لم يكن مصادفة، وإنما بالتأكيد ضل الطريق مثلي. قرأت ذلك من ملامح وجهه، ومن شخص يركب بجانبه، يبدو أنه كان يتواصل بالموبايل مع أفراد أسرة أصلان، أو على الأرجح مع أحد المشيعين الذين لحقوا بالجنازة.

وصلت إلى المقابر، وقد أُغلق المدفن وبدأ المشيعون في الاصطفاف والانتشار في جماعات للدعاء. قدمت واجب العزاء لابنيه هشام وشادي، ثم غادرت مسرعًا حتى لا يتعرف عليّ أحد أو يحاول، مقاومًا تأمل المشهد الذي بدا لي زاخرًا بالتفاصيل الأصلانية، وكأنه مقتطع من أحد أعماله، أو كأن أصلان قد كتبه الآن.

في اليوم التالي، ظهرت صورتي في الصفحة الأولى من جريدة الشروق، بجانب وزير الثقافة وقتها عماد أبو غازي (أو لعله كان قد استقال وقتها). ظهر جزء من وجهي وجسدي. غضبت لأني ظهرت في الكادر رغم أن أحدًا لن يعرفني، حتى لو ظهرت صورتي كاملة.

قبلها، لم أفكر قط في التقاط صورة مع أصلان في حياته كمعجب، أو للدقة كـ«مريد»، عددته شيخي عن بعد واكتفيت بذلك.

ابتعدت عنه، واكتفيت بكوني أعرفه تمام المعرفة من كتبه التي أحببتها، ومن حضوره الإنساني الذي سمعت عنه، وصنعت من كل ذلك أسطورتي الخاصة عنه. بالتأكيد لكل إنسان عيوبه التي لا يعرفها إلا من اقترب بشكل يسمح له بذلك. لكن ليس كل من يرحل، مهمًا كانت فضائله وعيوبه، نستطيع أن ننسج عنه الأساطير، هذا ما أوقن به. لم أرد توثيق هذه اللحظة، لا بالصورة ولا حتى بالكتابة الآن. صحيح أن ظهوري في الكادر لم يكن بإرادتي مثل كتابتي الآن، لكن من قال إن الكتابة تكون دائما بإرادتنا وبأيدينا حقًا؟

«جبال الكحل….

 تفنيها المراود»،

 هكذا كانت تقول،

ولم لا؟

وهي التي امتلكت مكحلة مدورة من زجاج،

داخل مخدة صغيرة مكسوة من الساتان الوردي الباهت

ومشغولة بالخرز الدقيق،

ولها فوهة،

وسدادة مثل حلمة طرية،

معقودة بخيط من حرير،

ومرود نحيل من العاج،

فلم لا؟

رحم الله أمنا (رأفة)،

ماتت،

وضاعت المكحلة،

وظل المثل سائرًا،

كلما ضاقت أو ثقلت الأحزان :

«جبال الكحل …تفنيها المراود»

افتتاحية «وردية ليل» لإبراهيم أصلان

صنعت شادية أسطورتها في قلوب وعقول محبيها بالصدق أولًا وأخيرًا

  • أول حاجة عايزة أسألهالك: أنت صحفي ولا أديب؟
  • طيب وأنا أول حاجة عايز أسألهالك: أنتِ مطربة ولا ممثلة.
  • (تضحك)، دلوقتي أنا بسألك وأنت لازم تجاوب.
  • طيب… أنا أديب مشتغل بالصحافة، وأنتِ؟
  • (تضحك )، وأنا ممثلة مشتغلة بالغناء.

من حوار إذاعي بين شادية وأنيس منصور.

صنعت شادية أسطورتها في قلوب وعقول محبيها بالصدق أولًا وأخيرًا، بموهبتها المتفردة كممثلة ومطربة وبالتأكيد بسبب حضورها الإنساني، وربما أيضًا، كما يعتقد كثيرون، بسبب صدقها في الاعتزال الذي لم يستفز أحدًا، ولم يتنكر لحياتها السابقة أو لمشوارها في الفن والسينما والغناء، ولو أنني أحيانًا أقول إني ما كنت أيضًا لأغضب منها لو تنكرت كغيرها لمشوارها، لسبب واحد هو أنها «شادية»، تلك الفنانة التي ارتبطت بها كغيري، وتشكلت صورتها الإنسانية المكتملة لديّ من أعمالها الفنية في المقام الأول، ثم أتى حضورها في الفضاء العام ليعزّز هذه الصورة ويؤكّدها.

في حلقة من البرنامج الإذاعي «مهرجان النجوم»، الذي كانت تقدمه نجوى الطوبي، تأتي شادية على ذكر طفولتها، تفرد وقتًا لدور والديها في رعايتها: «كانوا بيهتموا بصحتي وبيدوني فيتامينات»، ثم تفرد مساحة لدور والدها في اكتشاف موهبتها وتشجيعها، قبل أن تتوقف لتروى قصة عن «علقة حلوة» نالتها من خالتها.

تشرح شادية سبب هذه العلقة، فتقول إن خالتها سمعتها تحكي لصديقتها عن موقف ما حدث في المنزل: «حتى أفتكر إن يومها قعدت من الضهر لحد المغرب تحت السرير زعلانة وفضلوا يدّوروا عليا، وبعدين خالتي باستني وقالت لي دا لمصلحتك». ثم تختم القصة بأنها من يومها لا تحكي إلا عما يخصها، ولا تروي أبدًا موقفًا يخص شخصًا آخر.

قد تًفهم القصة بوصفها توجيهية وتأتي في إطار الوعظ، أو أنها تقدم «درسًا في الأخلاق» كما وصفتها نجوى الطوبي في سياق مجاملتها. أما أنا ففي الأغلب لن أقبل هذه القصة إن سمعتها من فنان آخر، بل وقد أتهمه أنه يستخدمها لتحسين صورته، لكن تيارًا، أو «ذبذبات» من الصدق، تسري في نبرات صوتها وانفعالها تمس قلبي وهي تحكيها.

قد يكون سبب قبولي للقصة هو اتساقها مع انطباعي عن شادية، أو ربما لأنها تساعدني على تأكيد صورتها الإنسانية لديّ. لعل التلقائية والبساطة اللتين روت بهما هذه القصة هما ما جعلاها لا تمارس الوعظ والدعوة الدينية كغيرها، وكأنها تريد دائمًا القول إنها ليست في مقام الوعظ، لا وهي تمارس عملها كفنانة، ولا في اعتزالها، هكذا أحب أن أفسر الأمر.

في نفس اللقاء، تحكي شادية كيف اصطحبها والدها لزيارة أم كلثوم، وكيف ارتعشت وخافت ولم تستطع الكلام إلا عندما طلب والدها من أم كلثوم أن تنصحها. تقول شادية: «قالت لي أنا شايفة منك إنك بتحبي شغلك. إذا كنت عايزة تستمري اعبدي شغلك بعد ربنا، ربنا فوق، وشغلك، آه، احترميه وحبيه وحافظي عليه وحافظي على صحتك وعلى صوتك».

لعلنا سمعنا النصيحة الكلثومية مرات عديدة على ألسنة العديد من الفنانين، ولعلنا جميعًا نعلمها ضمنًا، لكننا ربما لا نأخذها بالجدية اللازمة، ولا نعجب بها كأننا سمعناها لآلاف المرات، إلا لأننا لمسناها متحققة في أعمال شادية وفي مشوارها الفني، ولأن ذلك أيضًا يساعدنا على تعزيز صورتها الكاملة، ولا أحب أن أقول «صورتها الأسطورية»، أما في مواضع أخرى، ومع فنانين آخرين، فلا نتوقف كثيرًا عند هذه النصيحة، وإنما تمر على آذاننا بسرعة ورتابة أي إكليشيه.

–  مين قال لك إني بخيلة؟! هو أنا عزمتك وأنت جربت!

– (يضحكان ) طيب.. ضميرك ما تعبكيش في حاجة؟

– ما فيش إنسان بيعيش من غير ما ضميره بيأنبه في حاجات.

– السنة دي؟

– لأ مش فاكرة، يمكن ضميري بيأنبني إني قاعدة معاك دلوقتي! ( يضحكان)

من حوار إذاعي لشادية مع كمال الملاخ

عندما كنت في سن الخامسة أو السادسة، ذهبت لزيارة صديق في منزله، كان والده يعزف على بيانو مقطوعات غربية من أغاني الأطفال، على غرار «Twinkle twinkle, Humpty Dumpty». سألني بثقة: «تحب تسمع إيه يا محمد؟» فكرت قليلًا قبل أن أقول: «مكسوفة منك». سألني وكأنه يريد التأكد مما سمع: «بتاعة مين؟» وعندما قلت له إنها «بتاعة شادية»، انفجر في الضحك. حاول تلبية رغبتي، لكنه فشل في عزف الأغنية.

أحسب أن لقائها لم يكن بالأمر الصعب على أي حال، حتى دون وساطة أو إلحاح، ولكن ما فائدة أن ألتقيها وأتلعثم في مجاملات لن تعبر عن أثرها في نفسي منذ كنت طفلًا؟

في عام 2012، تعرضت شادية، فيما أذكر، لوعكة صحية وبقيت لأيام في العناية المركزة. عرفت اسم المستشفى من الصحف. اتصلت بالمستشفى وسألت عنها فأخبرني صوت نسائي، بعد تردد وحذر، أنها لا تزال في العناية المركزة وأن الزيارات ممنوعة.

كنت أنوي إرسال باقة ورد لها، كأي معجب. ولم تكن نيتي صادقة كالعادة. كنت أعرف مسبقًا أنها مجرد فكرة لن أنفذها، فمحبتي لها أكبر من أن تصيغها عبارات قليلة مهما كانت بليغة ومزخرفة مع باقة زهور.

سواء مهرت الكلمات باسمي، أو بعبارة «معجب مجهول»، فالنتيجة واحدة، رغم علمي أن هذا أمر قد يسعدها.

قاومت عروضًا من بعض من يستطيعون التوصل إليها، للقائها. وأحسب أن لقائها لم يكن بالأمر الصعب على أي حال، حتى دون وساطة أو إلحاح، ولكن ما فائدة أن ألتقيها وأتلعثم في مجاملات لن تعبر عن أثرها في نفسي منذ كنت طفلًا؟

في مرضها الأخير، دعوت لها بالشفاء، وكلما لاح احتمال الرحيل، بسبب مرض أو نزلة برد أو شائعة، أقول أني سأسير في وداعها لو قُدّر ذلك. افترضت ضمنيًا أنها سترحل قبلي بحكم سنها، رغم أن الموت لا يعمل وفق نظرية الاحتمالات، ولكني لم أعرف أني سأكون خارج مصر وقتها، وأني لن أتمكن من وداعها بما يليق بها من حب.

كاتب كبير رحل، رغم أنه لم يتكرس، ولم يكرّس نفسه كـ«كاتب كبير»

إلى البرق الدافئ

الذي صادفته وأسَرْته بقلبي ولن أفلته أبدًا..

رحمةً بي اهدأ واسْتكِن..

الإهداء الثاني الذي صدّر به مكاوي سعيد روايتة الثانية «تغريدة البجعة»

استيقظت منذ أيام على خبر رحيل الكاتب الكبير مكاوي سعيد. كاتب كبير رحل، رغم أنه لم يتكرس، ولم يكرّس نفسه كـ«كاتب كبير». أصبح مكاوي سعيد علامة من علامات القاهرة، لا بحضوره الجسدي الدائم فيها، بل بالكتابة عن شخصيات فيها، لو لم يكن هو كاتبها لعُدَّ شخصية من «مقتيات وسط البلد»، أو لعله يعتبر نفسه كذلك.

لم أعِد مكاوي سرًا أني سأمشي في وداعه، مثل ما وعدت شادية بحكم سنها، ومثلما وعدت أصلان عندما سمعت خبر رحيله. فلم أتخيل أبدًا أني سأشهد موته المباغت، أو أنه سيموت قبلي. هناك شعور تسرب لي، ولغيري أيضًا، أنه دائمًا هناك، مثل ميدان التحرير وشارع طلعت حرب ومحمد فريد وصبري أبو علم وهدى شعراوي، أنه أصبح جزءًا من المكان كما أجمع أحباؤه.

فُتنت برواية «تغريدة البجعة» . قرأتها فور نشرها دون أن أعرف من هو مكاوي سعيد، وقبل وصولها للقائمة القصيرة للبوكر العربية في دورتها الأولى. لا أدعي أني قرأت أغلب ما كتب مكاوي، مثلما فعلت مع أصلان، لم أقرأ «فئران السفينة»، ربما لأنها سابقة على «تغريدة البجعة»، ربما خشيت ألا تكون بمثل جمالها، أو لعله محض كسل.

 قرأت كتاب «مقتنيات وسط البلد»، أو فصولًا منه. لست متأكدًا إن كنت قد عبّرت لمكاوي، في الرسالة الوحيدة المتبادلة بيننا على فيسبوك، عن إعجابي بـ«تغريدة البجعة»، لكني أذكر جيدًا أني أثنيت على ما قرأته من فصول من «المقتنيات»، لكني أردفت بنزق وجهل: «بس أنا مستني من حضرتك الرواية الجاية». وأجاب فيما أذكر: «ما أنت تقدر تعتبر المقتنيات رواية برضه يا محمد»، أو شيء من هذا القبيل.

 لم أتبادل مع مكاوي سعيد إلا عبارات التحية والابتسامات والإيماءات. كنت أراه دومًا جالسًا على مقهى زهرة البستان، فأحييه مرة، ولا أحييه مرات، وأجلس بعيدًا عنه، سواء كان يجلس وحده، وقد كان ذلك نادرًا، أو إن كان متوسطًا مجموعة من الأشخاص، وسارقًا منهم الكادر، سواء جلست داخل الكادر مُحبةٌ حسناءٌ، أو كاتب أشهر منه.

عرفت أنه أنشأ حسابًا جديدًا ينشط عليه أكثر من حسابه القديم، فلم أرسل له طلبًا للصداقة. ما فائدة صداقته الافتراضية وقد أصبح ممن أحب و«أعرف»؟

بعد وقت من رسالتي لمكاوي، لاحظت أني لم أعد أرى منشوراته على فيسبوك، فعرفت أنه أنشأ حسابًا جديدًا ينشط عليه أكثر من حسابه القديم، فلم أرسل له طلبًا للصداقة. ما فائدة صداقته الافتراضية وقد أصبح ممن أحب و«أعرف». اقتربت من حضوره الجسدي ورأيته بالطبع أكثر مما رأيت إبراهيم أصلان، بحكم تواجده الدائم.

ربما فضّلت الاحتفاظ بتلك المسافة التي تسمح لي بتأمله وممارسة ألعابي العقلية معه، أو لعلها غرابة أطواري وخجلي في مبادرة الناس بالتعارف هما ما منعاني في المقام الأول، أو ربما لكي أحقق الإكليشيه الذي بمفاده فمن الأفضل الابتعاد عمن تحبهم من الفنانين، خشية ألا يكونوا على نفس القدر من جمال أعمالهم، رغم يقيني أن هذا لا ينطبق، عندي على الأقل، على مكاوي سعيد أو أصلان أو شادية.

تتواتر الأحاديث عن طيبة مكاوي وقلبه الكبير. أشارك بالسؤال والفضول عما إذا كان مكاوي موضوعًا لجلسة نميمة، أو بطلًا لقصة من قصص تأخر النشر في دار النشر التي كان يديرها. شاركت مرة مجموعة من بضعة أشخاص مجالسته على زهرة البستان، لكني لم أتبادل معه كلمة واحدة بعد كلمات الترحيب، رغم أن مكاني في الجلسة لم يكن بعيدًا عنه.

طلبت مشروبي، وظللت أسترق النظر إليه وأستمع إلى حديثه وأنا أدخن الشيشة. كنت أريد أن أقول له مثلًا إن «تغريدة البجعة» أجمل من «واحة الغروب» التي فازت بالبوكر في دورتها الأولى. ولم أخبره أني الشخص الذي راسلته منذ سنوات، أو لعله كان يعرف ذلك. لعله، كجامع لتحف ومقتنيات وسط البلد وكخبير بها، كان يتفهم غرابة الأطوار.

أردت أن أقول له إني أحببت الراوي الرومانسي الحزين الوحيد في «تغريدة البجعة»، ولم أفعل. اكتفيت بمحبتي له ولكتابته. منذ شهور، سألني صديق، لا علاقة له بالوسط الأدبي، إن كنت أعرف مكاوي سعيد، فأجبته أني أعرفه لكنه ربما لا يعرفني إلا كشخص عابر، لا ككاتب، وأني لا أظن أنني وصلت لمرتبة أن يضعني مع «المقتنيات». طلب مني الصديق أن نذهب لنراه في إجازتي القادمة للقاهرة، لكني تكاسلت وتهربت للأسباب التي أسهبت في شرحها، رغم علمي بسهولة لقائه والتعرف إليه والجلوس إليه دون سابق معرفة.

«هل قرأت له؟»، أسأل صديقي، فيجيبني بأنه لم يقرأ، لكنه يريد التعرف إليه. أسأله عن السبب، فيقول إنه سمع أنه «شخص ظريف».

دخلت على حساب مكاوي سعيد اليوم على فيسبوك، لم أكتب كلمة ولم أرثه. قرأت منشورات الرثاء. توقفت عند آخر نشاط له فوجدت شارك مقالًا له عن كتاب عن حياة المكفوفين، وأغنية قال لي الوداع لشادية، وقد كتب بعضًا من كلماتها، وكأنه ينعي نفسه كما كتب أحد أصدقائه: قال لي الوداع.. الوداع قال لي، حط إيده ف إيدي وقال لي الوداع، قال لي. بصيت عليه في الليل ماشي، والدمعة حايرة ما نازلاشي، شايفاه بيبعد بعيد، بالفرحة والمواعيد، بعيد بالذكريات والعيد، مشي حبيبي ما خلاشي، وقال لي الوداع، قال لي.

لا أستطيع إيقاف عقلي عن عقد المقارنات بين سعيد وأصلان؛ كلاهما في رأيي لهما نفس الطلة السينمائية، مثلهما مثل شادية. تجمعهما، بحسب ما تواتر عنهما، صفات شخصية مشتركة تتقاطع مع صفات شادية. أسأل نفسي عما إذا كان لكل منهما نفس خفوت الصوت والإطراق عندما ينصتان. أستعين باليوتيوب للتأكد؛ هل يشتركان في الإيقاع المتمهل في الكتابة والحياة، أفكر قليلًا لأبحث عن الجواب.

إن لم تخني الذاكرة، فقد نشر مكاوي سعيد «تغريدة البجعة» بعد تسع سنوات من روايته الأولى «فئران السفينة»، كما نشر أصلان «مالك الحزين» بعد نفس المدة تقريبًا من نشره لـ«بحيرة المساء».

معروف عن أصلان التمهل، وأنه «الكاتب بالمحو». أفتش عن كلمات قالها من حوار معه: «القضية ليست الكم المكتوب.. الإتقان حالة مزاجية مصرية وعلينا أن نستعيدها لأننا نفتقدها الآن..من جهة أخرى فأنا أنتسب إلى الحرفيين أصحاب المزاج.. وفي الكتابة كلما بذلت المزيد من الجهد كانت النتائج أفضل.»

أقرأ حوارًا لمكاوي نشر منذ شهور، وكأنه يكمل فيه جملة أصلان، متحدثًا عن الأدب في مصر:«أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا»، يُسأل عن سبب ابتعاده تسع سنوات عن الأدب، فيجيب بأنه كان يعمل محاسبًا، ولم يكن يجد وقتًا للأدب الذي يحتاج تفرغًا، ثم في الختام، يقول عن أمنياته: «أنا رجل قدري وما أستحقه سوف يأتي».

قرأت مرة في كتاب مترجم لا أذكره، لعله «الكاتب وكوابيسه» لإرنستو ساباتو، أو «الكاتب وعالمه» لتشارلز مورجان، أو كتاب آخر على شاكلتهما، وأنا هنا أستدعي من الذاكرة، أن على الكاتب عدم الانشغال بمن يعاصرونه من الكتاب، وإنما واجبه الأول هو منافسة الموتى، الكتّاب الذين اكتملت تجربتهم برحيلهم، وحققوا الخلود.

تبدو لي هذه النصيحة «محفوظية»، أو «حقانية»، نسبة ليحيى حقي، ولكني في كل الأحوال أجد أنها متحققة لدى الاثنين، أصلان ومكاوي.

سأعرف أن مكاوي شّيع من جامع السيدة نفيسة، مثل مثل شادية، أي أن جثمانه أُسجى في نفس الموقع الذي أُسجي جثمانها فيه، وبعدها بأيام فحسب. سيقشعر بدني، وسأتغاضى عن هذه التفصيلة أو الصدفة، كي لا أوغل في «الدروشة»، ثم سأسأل نفسي عن الوصفة الإنسانية لامتلاك القلوب.

أفتح قوسًا، وأكتب، كأي مجذوب من مجاذيب دورات التنمية البشرية: «الصدق، الاستغناء، الإخلاص في العمل، التواضع….. وأبقي القوس مفتوحًا لاختبار هذه الصفات عند ثلاثتهم، أو لأفتش عن صفات أخرى على ألسنة من عرفوهم واقتربوا منهم. أدون هذه الصفات وأنا أعرف أن لكل منهم سره الخاص الذي لن أعرفه مهما فتّشت وراءه.

دائمًا ما تمدّنا أعمال من أحببناهم و«عرفناهم» بعبارات ومانشيتات جاهزة لرثائهم، وكأنهم يعرفون مشقة هذه المهمة: «غاب القمر»، «التغريدة الأخيرة للبجعة»، «رحيل معبودة الجماهير»، «أصلان يعود إلى خلوته»، «رحيل حبيبة مصر» «صباح الخير يا عم مجاهد»، «الغلبان في خلوته الأبدية»، و«مكاوي يحزم حقائب البهجة ويغادر».

في رثاء من أحب و«أعرف»، لا أستطيع إلا كتابة عبارات الرحمة والدعاء، كما يمليها عليّ حضورُ الموت الطاغي في ثقافتنا، كمناسبة للتخويف والزجر، لا كنقطة أو محطة تكتمل بهما حياة الإنسان. لا نعتبر الموت فرصة لتأمل سيرة حيوات من كان لرحيلهم معنى عند كثير من المجهولين الذين يبكونهم ويسيرون في جنازتهم.

لا نتأمل سعيهم وصنائعهم في الدنيا وخلائقها، وإنما تشغلنا أكثر مآلاتهم، أو مآلاتنا عندما يحين دورنا.

أدعو لهم بالرحمة، وأنا موقن أننا نحن من نحتاج الرحمة والدعاء، لأنهم سيكفون منذ اليوم عن صنع الجمال الذي أحاطونا به، سواء كان هذا الجمال عملًا فنيًا جديدًا أو حضورًا إنسانيًا متفردًا.

اعلان