حوار بالفيديو | في قضايا حريات الجسد.. كيف تغيّر موقف المجتمع من عنف الدولة؟
استهداف «مجتمع الميم».. المنظمات الحقوقية وتغيّرات «النوع الاجتماعي»
 
 
 

في سبتمبر 2017، تواصلت حملة أمنية للقبض على الأشخاص المشتبه في انتمائهم لـ «مجتمع الميم» (مثلي، مزدوج، متحول، متسائل)، حدث ذلك عقب رفع اثنان من جمهور حفل فرقة «مشروع ليلى» لعلم «قوس قزح»، (المعبر عن التنوع في الميول الجنسية) في 22 سبتمبر الماضي.

وصل عدد المقبوض عليهم لما يزيد عن 75 شخصًا ضمن حملة أمنية من قِبل الشرطة للقبض على مَن يُشتبه في اختلاف ميولهم الجنسية عن المعايير العلنية الغالبة، بحسب «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية». وصدرت أحكام بحق بعضهم، كان آخرها حبس 16 شخصًا لثلاث سنوات في 26 نوفمبر الماضي.

قبل التصعيد الأخير، كانت هناك حالات من الاعتقال الجماعي في 2014، فيما سُمى بقضية «حمّام رمسيس»، وفي 2001 أُلقى القبض على 52 رجلًا في قضية «كوين بوت» وسط سُعار إعلامي. انتهت القضية بإدانة ما يقارب من نصف المتهمين، فصدرت أحكام بالحبس تتراوح بين الخمس والثلاث سنوات والسنتين، وذلك إيذانًا ببدء فترة من القمع. بينما أفضت قضية «حمّام رمسيس» إلى الحكم ببراءة المتهمين، مما أضفى شعورًا بأن الزمن تغيّر.

قبل الحملة الأمنية التي بدأت في أعقاب رفع «قوس قزح»، تحدثنا إلى جاسر عبد الرازق وداليا عبد الحميد، من «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، ونعرض هنا مقاطع فيديو من محادثة طويلة مع جاسر، مدير المبادرة، وداليا، مسؤولة برنامج «النوع الاجتماعي»، حول عمليات القمع والتغيّر الاجتماعي.

أسست «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، في 2002؛ بعد قضية «كوين بوت» وما ترتب عليها من إحباط في أوساط الحركة الحقوقية. وركزت على الحقوق الشخصية الجسدية، والخصوصية.

قبل 16 عامًا: «عدم الارتياح»

حين داهمت قوات الأمن «كوين بوت»، في 2001، أُلقى القبض على 52 رجلًا على مدار الأيام التالية واتُّهِموا بـ«الاعتياد على ممارسة الفجور». وصار هؤلاء الرجال تحت عدسة وسائل الإعلام لعدة أشهر. وقد شهدت السنوات الثلاث اللاحقة حملات من القمع والاعتقالات التي طالت العديد ممَن يشتبه في كونهم مثليين.

في 2001، ترأس جاسر عبد الرازق اجتماعًا، في يوم الأحد التالي على اعتقالات «كوين بوت»، في مركز «هشام مبارك»، الذي ميّز نفسه، آنذاك، بدفاعه عن الإسلاميين على خلفية الإيمان بفكرة أن حقوق الإنسان، بما فيها الحق في عدم التعرض للتعذيب، ليست حكرًا لأحد دون غيره.

كان عبد الرازق مديرًا مؤسسًا للمركز، وقتها، وكانت هناك حالة من «عدم الارتياح»، في الاجتماع، فعزف الكثير من المحامين عن تولي القضية.

ويقول عبد الرازق: «كنا نقول إننا ندافع عن الإسلاميين، أولئك الذين نعرف أنهم في مجموعات تنتهج العنف، لأن لهم حقًا في السلامة الجسدية. لكن هل نحن مع فكرة أن يترك أحدهم قنبلةً في مقهى ويقتل الناس؟ كلا». وفي النهاية تولى المحامون العمل في قضية «كوين بوت».  لكن بالنسبة لمعظم المجتمع الحقوقي، لم يكن هناك اهتمام حقيقي. لم يعمل من الوسط الحقوقي قي القضية  إلا «هشام مبارك» ومركز «النديم لتأهيل ضحايا التعذيب».

يتذكر عبد الرازق أن مديرًا لواحدة من أكبر المنظمات الحقوقية، عندما سُئل عن القضية في «كايرو تايمز»، والتي كانت مجلة أسبوعية مستقلة تصدر باللغة الإنجليزية، «قال بكل أريحية: أنا لا أحب الـ*ولات».

كان الموقف مختلفًا في قضية «حمّام رمسيس»، في ديسمبر 2014. فقد أدت مداهمة حمام عام، زُعِم أنه نقطة التقاء رجال يبحثون عن الجنس مع رجال آخرين، إلى أكبر عملية قبض على أفراد بتهمة «ممارسة الفجور» منذ قضية «كوين بوت».

نُسِّقت حملة المداهمة بواسطة الصحفية منى عراقي التي رافقت الحملة هي وفريقها الذي صوّر القبض على 26 رجلًا. وجاء ذلك في وقت كان الانفتاح العام الذي برز مع ثورة 2011 يقترب من نهايته، في ظل استهداف شرطة الآداب لـ «مجتمع الميم».

تستدعي داليا عبد الحميد المناقشات التي دارت في «المبادرة» مع عودة الحملات الأمنية؛ إذ قرروا التنسيق لإصدار بيان توقع عليه منظمات إقليمية. وقتها قرروا أن الوقت حان لمزيد من الجرأة، فأعلنوا صراحةً، وللمرة الأولى، أن العلاقات الجنسية بالتراضي بين البالغين لا ينبغي تجريمها.

كما كانوا مشغولين بالعمل في القضية. ينسقون مع النشطاء الحقوقيين، وينشرون رسالتهم عبر الشبكات الاجتماعية. وأدركوا أن شيئًا قد تغير، وأن التغيير لا يكمن داخل حدود منظمتهم فحسب.

تجسدت واحدة من علامات التغيير، والتي كان من شأنها أن دفعت «المبادرة المصرية» لتطوير لغتها، في الطريقة التي اشتبك بها مناصرو المنظمة الحقوقية معها على الشبكات الاجتماعية. في قضية «حمّام رمسيس»، جاء عدد متزايد من التعليقات تشدد على أن تدخل الدولة كان خاطئًا، رغم أن المثلية الجنسية تمثل قضيةً إشكالية بالنسبة لهم.

ولاحظت «المبادرة» أن ذلك قد صار اتجاهًا، في ظل تعليقات مماثلة تتعلق بقضية الإجهاض على سبيل المثال.

كما نُشرت مقالات في صحف، مثل «الشروق» و«المصري اليوم»، تدين ما بَدَرَ مِن منى عراقي، الصحفية التي شاركت في حملة المداهمة، علاوة على تولي العديد من المحامين العمل في القضية.

مع استمرار حملات القمع جاءت ملاحظات مماثلة، ويقول عبدالرازق: «رأينا أننا إذا أصدرنا موقفًا واضحًا إلى العلن، سنتلقى الهجمة المتوقعة، لكن أيضًا سنحظى بتأييد أكبر بكثير من ذي قبل».

عقب واقعة رفع العلم، صدر بيان يدين حملة القمع وقعت عليه ثمان منظمات حقوقية، وذلك نتيجة لطلب «المبادرة المصرية» بصياغة بيان مشترك. كما أصدر حزب سياسي بيانًا يندد فيه بالقمع، بينما تناقشت أحزاب أخرى حول ما إذا كانوا سيصدرون بيانات هم أيضًا.

في حال صدور بيانات حزبية أم لا، ترى داليا أن «الناس يُستَهدفون ويُعتَقلون على مدار أربعة أعوام، وللمرة الأولى تسأل المجموعات والأحزاب السياسية المنظمة نفسها ماذا ينبغي أن تفعله». وتقول إن هذه العلامات «غير مسبوقة». وفيما يتعلق بالمناقشات الإلكترونية الدائرة في أوساط النشطاء، فقد وصفت المواقف المستخلصة منها بأنها «أكثر تقدمية».

عداء عميق تجاه المثلية

جاء التغيير نتيجة عملية طويلة من التحوّل الاجتماعي، بحسب جاسر وداليا. وكانت ثورة 25 يناير– جزئيًا – نتاجًا له، وبدورها دفعت هذه العملية بصورة كبيرة.

ويشير كلاهما إلى التحوّل الأوسع في الاتصالات كمفتاح أساسي لتطور الوعي الاجتماعي. ويقول جاسر وداليا إنه لا يمكن التقليل من شأن الانفتاح الذي سمح به هذا التحوّل؛ جيل شاب قادر على الوصول إلى منتجات ثقافية مختلفة وتطوير معارف أكبر بما يحدث حول العالم.

يقول عبد الرازق: «من الخطأ أن نرى أن الثورة (2011) كانت للمطالب السياسية فقط»، ويضيف: «الدعوة للحرية لم تكن فقط من أجل نظام ديمقراطي، وانتخابات دورية، والحق في تشكيل اتحادات وأحزاب. إذا قبلت بأن 25 يناير كانت تعبيرًا عن عملية تقدمية في الطابع الغالب لها جرت عبر سنوات عديدة، فسيبدو رد الفعل تجاه قضية حمام رمسيس مختلفًا عما كان عليه في قضية كوين بوت».

فيما ترجع داليا الفضل في بلورة المواقف التقدمية إزاء الحقوق الجنسية والإنجابية، بشكل جزئي، إلى العمل المنظم فيما يخص الحقوق النوع الاجتماعي، وذلك من خلال «المبادرة» على سبيل المثال، ومركز «نظرة» للدراسات النسوية الذي تأسس قبل الثورة، وتولي العمل على الجنسانية كقضية للمنظمات النسوية.

فيما تشير داليا إلى السنوات المضطربة التي تلت الثورة، فوقع الكثير من أحداث العنف الجنسي المفرط والمفجع من كشوف العذرية على يد قوات الأمن ضد المتظاهرات في 2011، إلى الاعتداءات الواسعة وحالات الاغتصاب في ميدان التحرير في فترات لاحقة. وتوضح: «خلال كل ذلك، تطور مسار حقوقي حول هذه القضايا، علاوة على نقد العنف الجنسي للدولة». وتضيف: «على هذا النحو، ليس من المستغرب أن نجد المحامين الذين عملوا في قضايا (كشوف العذرية) في2011 يعملون في قضية (حمّام رمسيس) في 2014».

وفي هذا السياق، تعتقد داليا أن كل من مركزي «هشام مبارك» و«النديم»، مارسا دورًا خاصًا في الحفاظ على تقدم الحركة الحقوقية للأمام. تهتم المنظمتان بالنسوية، مما يمكنهما من اللعب «في المساحة المتقاطعة بين القضايا النسوية والجنسانية وحقوق الإنسان»، بحسب داليا.

بينما يعتبر عبد الرازق أن تطور الحركة الحقوقية يحدث بصورة حتمية بصراع الأجيال، فيقول: «حين يكبر الناس تقل قدرتهم على تقبل الأفكار الجديدة». لكن النساء الأربع المؤسسات لمركز «النديم» تحتفظن بالمرونة الشبابية في التفكير، ويقول: «لا يزال بعض الناس مستعدين للتغيير، وتوسيع فهمهم للأمور، وقبول أفكار جديدة، وتقبل أمور جديدة عبر النقاش».

ويؤكد كل من جاسر عبد الرازق وداليا عبد الحميد على أن عمل المحامين على هذه القضايا «الأخلاقية» أدى إلى تعزيز التمثيل والحماية القانونية لضحايا عنف الدولة، علاوة على تعزيز المجال الحقوقي في مصر.

ويقول جاسر: «أعتقد أن أبطال القصة في (كوين بوت) كانوا المحامين، ناهيكم عن الناس الذي أُلقى القبض عليهم بالفعل». ويضيف: «لقد قاموا بشيء يتناقض مع قناعاتهم الشخصية، من أجل حقوق الإنسان. وواجه كثير منهم، رغم عدم ارتياحهم للمثلية الجنسية، إهانات مثل وصفهم بـ (محامي الـ*ولات)». كما يعتقد أن قرارهم بالعمل في القضية، هو ما «أتاح للجيل الناشئ الجديد بألا يكون ملزمًا بالخوض في نفس المناقشة التي أجريناها في الاجتماع الذي عقد في أعقاب اعتقالات (كوين بوت)».

فيما تحكي داليا عبد الحميد موقفًا تعرض له محام من «المبادرة» في نيابة العجوزة في قضية «فجور». كان ذلك في رأس سنة 2017، وكان هناك العديد من الناس الذين أُلقى القبض عليهم بتهم «الدعارة».

أشار سكرتير النيابة، الذي كان يسجّل المحضر، إلى نساء يرتدين ملابس خفيفة، قائلًا: «كان بإمكانك أن تختار واحدةً منهن للدفاع عنها، وهي ستدفع لك مقابل هذا بخدمة جنسية، أم أنك لست مهتمًا إلا بهؤلاء؟»، مشيرًا إلى الرجال الذي جاء المحامي لتمثيلهم أمام النيابة.

حالة ذعر ..وقمع جديد

مثلت قضية «حمّام رمسيس» جزءًا من حملة بدأت مع نهاية العام 2013، ولا تزال مستمرة. وقد استهدفت الأفراد المنتمين لـ «مجتمع الميم» من خلال إنشاء حسابات مزيفة على تطبيقات المواعدة الإلكترونية، وترتيب مواعيد، ثم الإيقاع بهم، والقبض عليهم بتهم «اعتياد ممارسة الفجور».

أما أولئك الذين يُلقى القبض عليهم، فيتلقون معاملةً مهينةً في أقسام الشرطة، من رفض حق الزيارة، إلى التهديد بالعنف الجنسي أو ممارسته ضدهم. وغالبًا ما تحرض الشرطة مسجونين آخرين على الاعتداء الجنسي على المتهمين في هذه القضايا.

تقول داليا: «هناك حملة واضحة ومفتوحة من جانب شرطة الآداب، وهم لا ينكرون ذلك».وتوضح أن هناك اختلاقًا لحالة من الذعر الأخلاقي، كما هو الحال في قضية «كوين بوت» وما تلاها من قمع، حيث يُصوَّر أفراد «مجتمع الميم» باعتبارهم تهديدًا لأخلاق المجتمع وشبابه. وتشير إلى شيوع استخدام«آيات قرآنية» وتصريحات أخلاقية في أحكام المحكمة، رغم كون هذه الأحكام مدنية، ولا علاقة لها بمراجع الشرعية.

من جانبها، تطرح داليا عبد الحميد فرضية أن حملة القمع الأخيرة يمكن أن تكون  جزءًا من محاولة السلطات لتقديم نفسها باعتبارها حامية للأخلاق، وذلك مع اختلاق حالة من الذعر الأخلاقي. وتقول داليا إن السلطات «ضربت عصفورين بحجر واحد؛ فمن ناحية تقدم نفسها باعتبارها حاميةً لأخلاق المجتمع، ومن ناحية أخرى دائمًا ما تأتي هذه الحالات من الذعر الأخلاقي في أوقات الأزمة الحقيقية. والآن نحن بصدد أزمة اقتصادية، لذا فهي أيضًا استراتيجية للتشتيت».

ينزعج عبد الرازق من عدم معرفة الأسباب وراء القمع، لكنه لا يعتبر أن فكرة التشتيت مقنعة تمامًا. ويعتبر أن ما يحدث يعكس «موقفًا أساسيًا» من جانب السلطات الحالية، على عكس النظام السابق للرئيس المخلوع حسني مبارك. ويقول إن هذا النوع من الحملات غالبًا ما يكون بغرض التشتيت، ومبارك كان يقوم بذلك. لكنه يعتقد أن الموقف مختلف مع الرئيس عبدالفتاح السيسي وحكومته، فلديهم العديد من المواقف المحافظة في الكثير من القضايا.

وتأتي حملة القمع هذه كجزء من قمع أوسع على الحقوق والحريات في مصر، فيقول عبدالرازق: «نحن نعتبر أن الأزمة الأعمق هي أزمة الحريات المدنية»، وزيادة قضايا «التجديف ضد الأقباط والشيعة»، فضلًا عن الحملة على «مجتمع الميم»، مما يعبر «عن اتجاه حقيقي للدولة».

ومن ناحية أخرى، يتطلب فهم حملة القمع اعترافًا بدور الثورة؛ فتقول داليا عبدالحميد إن النخب الحاكمة الجديدة تقوم برد فعل على الخطاب الأوضح والأكثر تماسكًا للحرية الذي رافق الثورة. وتوضح: «بإمكاننا رؤية ذلك في الإعلام مع تغطية بدايات حملة القمع، حيث وصف مجتمع الميم كظاهرة نشأت مع 25 يناير، لذا فالحملة أيضًا جزء من الشيطنة الأوسع للشباب».

فيما يعتبر جاسر عبدالرازق أن الشرطة كانت أحد الأذرع القليلة للدولة التي يُستثمر فيها الآن بصورة كثيفة، بعدما تعرضت لضربة كبرى مع الثورة. ويقول: «هذا شيء علينا فهمه في تعاطينا مع مؤسسات الدولة. إذا منحت أي أدوات لأي من هذه المؤسسات، فستقوم باستخدامها».

لكن الموجة الأخيرة من الاعتقالات غير مسبوقة، بحسب عبدالرازق. شملت أعداد كبيرة من المقبوض عليهم، واتسع نطاق الاعتقالات عبر محافظات مختلفة؛ وفي تصعيد ملحوظ، أُحيل بعض المتهمين إلى محكمة «أمن الدولة» بتهم الانضمام إلى جماعة محظورة، وهي التهمة التي عادةً ما تُوجَّه للإسلاميين.

ويعتقد جاسر عبد الرازق وداليا عبد الحميد أن الإعلام حفز لموجة قمع، فيربطا بين الشراسة التي برزت بشكل خاص في تناول الإعلاميين لحادث «قوس قزح» بالطريقة التي يُرى بها رفع العلم، الذي يعبر عن التنوع في الميول الجنسية كفعل علني واستفزازي كذلك.

كما يشير جاسر إلى أن «الدولة استجابت للحدث منذ الأيام الأولى، ثم اتخذت قرارها بوضوح، وكانت منهجيةً للغاية فيه. وجاءت استجابتها بهذه الطريقة لأنها تلائم معتقدات مسؤولي الدولة، ولكي لا تضيع الفرصة التي سيستفيد منها الخصوم».

المضي بالنضال قُدمًا

لم تكن استراتيجية الدفاع من أجل حقوق «مجتمع الميم» فحسب، بل اتسعت لتشمل ما هو  أوسع مثل الحق في السلامة الجسدية، والحق في الخصوصية، فضلًا عن التحرر من تدخل الدولة، والأخيرة كانت واحدة من القضايا التي طرحت بعد قضية «حمّام رمسيس».

ويعتقد كل من عبد الرازق وعبد الحميد أن خطاب الخصوصية لم يعد كافيًا، بل صار يمثل إشكالية، وتوضح عبد الحميد: «سمح ذلك بمساحة لقبول أشكال معينة من رهاب المثلية؛ فكرة أنهم أحرار في فعل ما يريدون طالما أنني لست مضطرًا لرؤية ذلك». ويعني اختيار هذه الطريقة، في مجتمع محافظ أخلاقيًا، بدلًا من لغة حقوق «مجتمع الميم»، «أن تكون حساسًا تجاه جمهورك وأن تتحرك إلى الأمام تدريجيًا»، حسب تعبير داليا. وهو ما يتشابه مع مأزق العمل على قضية تعتبر «حساسة»، مثل الحق في الحصول على إجهاض آمن.

وترى داليا أن «المبادرة» اتخذت مواقف «ليست تقدمية بما فيه الكفاية» بالنسبة للعاملين بها، وذلك من خلال اختيار نهج تدريجي في العمل على قضية الإجهاض أو حقوق «مجتمع الميم»، وتضيف: «لكننا إذا ظللنا محدودين بفكرة أننا في مصر، وأن الناس محافظون، سينتهي بنا الأمر خلف الجمهور».

لا يتنصل جاسر ولا داليا من التركيز على الحق في الخصوصية، والتحرر من تدخل الدولة كأسلوب عمل، لكنهما يعتقدان أن «وقت هذا التكتيك في مصر قد ولّى».

وتوضح داليا أن النقاشات الأخيرة في «المبادرة» كانت تدور حول الانتقال من التركيز على الحق في الخصوصية إلى قضية التراضي كمبدأ. وتقول: «إنه منطق رئيسي يجعل العمل على العنف ممكنًا، حيث تغيير القوانين الإشكالية المبنية على مواقف أخلاقية وليس حماية الناس». ويعتقد كلاهما أن الجمهور صار مستعدًا لذلك.

ورغم أن مساحة الحركة الآن أضيق مما كانت عليه من ذي قبل، وتهديد «المبادرة المصرية» من قِبل الدولة بقضية «منظمات المجتمع المدني»، فضلًا عن قانون مُرِّر حديثًا يقيد بشدة عمل المجتمع المدني، إلا أن المنظمة لا تريد أن تكتفي بهذا القدر.

توضح داليا عبد الحميد أن «تصورنا عن ماهية عملنا تغيّر كثيرًا بسبب الثورة، بالأخص حين تتعلق الأمور بالقضايا النسوية». وحتى إذ انحصر عملهم الرئيسي، مرة أخرى، في نطاق القانون؛ نظرًا لأنه لم تعد هناك حركة في الشارع، لن يكون ذلك حسب المنوال القديم من خلال تقديم مشروع قانون أو تعبئة 17 منظمة لتمثيله. وتقول داليا: «لدينا طموح، ولا أدري إن كنا سنبلغه أم لا، إن كنا نريد تقديم مشروع قانون حول الإجهاض الآمن، سيحظى ذلك بدعم الآلاف من النساء». ومع أن الدولة تعمل جاهدةً لقلب التغيير الاجتماعي التقدمي الذي حدث إلى العكس، بكل التزامها وقوتها.

فيما يعتقد عبد الرازق أن «دفع الأمور إلى الوراء أمر صعب للغاية»، ويقول: «رغم ن ميل المجتمع المحافظ ظاهر في الكثير من القضايا، أعتقد أن ذلك فقط من السطح». ويضيف: « لا يُسمح بالتعبير عن هذا، لكننا سنرى في لحظة مستقبلية إلى أي عمق سار هذا التغيير التقدمي.. وإلى أي مدى لا يزال موجودًا وفاعلًا على نحو جيد».

لكن داليا تبدو أكثر تفاؤلًا، فتقول: «نعم، لقد أنجزنا انتصارًا كبيرًا، ومن الصعب العودة لما كانت عليه الأمور من قبل، لكن هذا يخضع أيضًا لقدرتنا على العمل في الفترة المقبلة».

وإذا لم تدمج هذه التغيرات، التي وصفتها داليا بـ «النقلة النوعية»، في المناهج الدراسية والممارسات الإعلامية، «سيكون من الصعب للغاية الحفاظ على هذه الانتصارات». وتقول: «..نحن ننتمي إلى الهوامش ونعود الآن إليها مجددًا». وتضيف: «لكن من المهم أن نميز أن الهوامش التي نعود إليها أوسع كثيرًا من تلك التي خرجنا منها. لذا فإننا حتى وإن كنا نعمل في الهوامش، فنحن نتحدث إلى مزيد من الناس. وهذا شيء علينا ألا نقلل من قيمته».

اعلان
 
 
نايرة أنطون