هل يسوس النجاشي النيلا، مع آخرين؟

كما هو معروف، يعود الصراع على النيل بين مصر وإثيوبيا إلى ستينيات القرن الماضي، ولكنه ظل صراعًا كلاميًا، أي مجرد جدل يثور أحيانًا، ويخبو أحيانًا أخرى، حتى السنوات الأخيرة من القرن الماضي، حين دخل البنك الدولي بكامل ثقله، ليضع ما سمّاه بـ«أزمة المياه العالمية» في مقدمة قضايا التنمية والعلاقات الدولية، وليشكل لها اللجان، ويعقد حولها المؤتمرات، ويتبنى، حلًا لها، استراتيجية تحويل المياه لسلعة مثل أي سلعة أخرى، ويروجّ فكرة إسناد ضبطها وتوزيعها إلى القطاع الخاص، بوصفه أكفأ من الأجهزة الحكومية ومن شركات القطاع العام في مختلف دول العالم.

في هذه الأثناء، أي في عقد التسعينيات من القرن العشرين، وفيما لا يمكن أن يكون مصادفة، انهمكت الأمم المتحدة نفسها، ولأول مرة في التاريخ، في وضع نظام قانوني للأنهار الدولية، ولكنها غيرت مسمى «النهر الدولي»، إلى مسمى «النهر العابر للحدود»، وأقامت نظامها القانوني الجديد هذا على مبدأين؛ الاستخدام المنصف لمياه النهر «الدولي» قديمًا، و«العابر للحدود» حديثًا، والحقوق المكتسبة للدول الواقعة في حوض هذا النهر، في تعريف جديد أقل صرامة من سابقه، الذي قام على صيغة «الحقوق التاريخية».

كانت إسرائيل هي مروّجة نظرية «عشوائية الجغرافيا في توزيع المياه في الشرق الأوسط»، ومن أركان هذه النظرية أن أزمة المياه العالمية، والتقدم الصناعي والتكنولوجي، والإرادة السياسية، توفر الفرصة المناسبة لتصحيح تلك العشوائية

نبادر هنا إلى التنبيه إلى أن السطور السابقة لا تعني أن هذه الجهود الدولية المكثفة كان المقصود منها مجرد التآمر على مصر وفقط، فقد وقعت بالفعل سلسلة من الأزمات الكبيرة حول المياه، حيث اشتعلت حرب صغيرة بين موريتانيا والسنغال بسبب محاولة الأخيرة حجز مياه النهر المسمى باسمها، بما يمنع تدفقها إلى الأرض الموريتانية، وكادت الحرب تشتعل بين سوريا وتركيا بسبب إنشاء الأخيرة سد أتاتورك الذي كان سيؤدي، وقد أدى بالفعل، إلى انخفاض كبير في كميات مياه نهر الفرات المتجهة إلى كل من سوريا والعراق، وفي الوقت نفسه ضرب الجفاف عددًا كبيرًا من الدول في عقدي السبعينيات والثمانينيات، خاصة في غرب أفريقيا وشرقها، وكانت صور ضحايا المجاعة تُنقل إلى كل مكان في العالم عبر الصحف ومحطات التليفزيون.

لكن هذا التحفظ لا يعني أيضًا استبعاد تركيز جهات بعينها على نهر النيل، وسط هذا الاهتمام العالمي بأزمة المياه ومخططات التعامل معها، بسبب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لتلك الجهات، وهنا يأتي الدور الإسرائيلي النافذ في المؤسسات الدولية وفي التخطيط الاستراتيجي الأمريكي على وجه الخصوص، والنافذ أيضًا في إثيوبيا، وهي الطرف الرئيسي في «الصراع» مع مصر على مياه النيل.

كانت إسرائيل هي مروّجة نظرية «عشوائية الجغرافيا في توزيع المياه في الشرق الأوسط»، ومن أركان هذه النظرية أن أزمة المياه العالمية، والتقدم الصناعي والتكنولوجي، والإرادة السياسية، توفر الفرصة المناسبة لتصحيح تلك العشوائية.

كذلك كانت إسرائيل طرفًا فاعلًا في كل الدراسات والمسوح الأمريكية في إثيوبيا في ستينيات القرن الماضي، لوضع خطط بناء سدود تحدّ من تدفق مياه النيل من الهضبة الإثيوبية إلى مصر في موسم الفيضان، رغم أنه كان مفهومًا وقتها أن تلك الخطط هدفت للضغط على مصر الناصرية، المعادية لاسرائيل والمناهضة للسياسة الأمريكية في المنطقة.

وعلى أي حال، فلم يكن متاحًا وضعها موضع التنفيذ بسبب ارتفاع التكلفة الاقتصادية من ناحية، وبسبب عجز التكنولوجيا وقتها عن تذليل العقبات الجيولوجية أمام التنفيذ.

ولا ينفي صحة افتراض – بل حقيقة – تركيز إسرائيل وحلفائها الدوليين على النيل، أو بالأحرى على النصيب المصري من مياهه، أن البنك الدولي كان اختار الدكتور إسماعيل سراج الدين، مصري الجنسية، ونائب رئيس البنك في تلك الفترة، مقررًا للجنة المياه الدولية، التي أوصت المؤتمر العالمي للمياه باقرار مبدأ تحويل الماء من حق طبيعي للبشر إلى سلعة تُباع وتشترى.

الرحلة إلى الجيزة عن طريق النيل، 1849، لوس هاج ودافيد روبرتس

وقد أقر المؤتمر، الذي انعقد في لاهاي بهولندا عام 2000، هذا المبدأ، فقد كانت اللجنة تعمل في سياق شامل، محكوم بالفلسفة الجديدة للبنك، في حين كان لدى إسرائيل وإثيوبيا ما يشغلهما بصورة خاصة، وهو ما كان يجب أن يشغل مصر أيضًا، وقد شغلها بالفعل، لكن الإدارة المصرية للأزمة وقعت في سلسلة متلاحقة من الأخطاء، أوصلتها حيث تقف الآن شبه عاجزة أمام تنفيذ إثيوبيا المتسارع لمشروع سد النهضة على النيل الأزرق، بمواصفات وسعة تخزين تضر بحقوق مصر ومصالحها ضررًا بالغًا.

لكن كل ما سبق لا يعني، كما لا ينبغي أن يفهم منه أن إثيوبيا لا يحدوها في مشروع سد النهضة سوى الإضرار بمصر، فهذه طريقة تفكير شعبوية سخيفة، لأن الإثيوبيين يحتاجون فعلًا إلى التوسع الزراعي عن طريق الري النهري، كما أنهم في حاجة ماسة للطاقة الكهربائية للتنمية الحضرية والصناعية، وهذه كلها أغراض يحققها مشروع سد النهضة، ومع ذلك فهذا شيء، واستهتار الإثيوبيين بحقوق ومصالح مصر شيء آخر، عندما يتعلق الأمر بسعة خزان السد، والسنوات المحددة لملئه، خصمًا من حصة مصر السنوية من الفيضان.

فيما يلي نستعرض هذه السلسلة من الأخطاء، «أو الخطايا»، التي قد تنقل زمام سياسة النيل من فرعون إلى النجاشي، في تحول تاريخي جذري، لأول مرة منذ كان التاريخ في المهد صبيًا، ذلك التاريخ الذي جعل أباه المؤرخ الأغريقي هيردوت يصف مصر بـ«هبة النيل»، ودفع الشاعر حافظ إبراهيم، ثاني اثنين في عصر الإحياء الأدبي المصري، والملقب بـ«شاعر النيل»، ليبكت اللورد كرومر ممثل الاحتلال البريطاني لمصر، على إعدام فلاحي دنشواي بسؤاله: «أم أنت فرعون يسوس النيلا؟»، وهو كذلك التاريخ الذي أوحى للعبقري الراحل جمال حمدان بنظرية «الدولة المركزية والطغيان الفرعوني»، باعتبار أنهما من إملاءات جغرافيا نهر النيل على الدولة المصرية.

نعود إلى الأخطاء:

أولًا: منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، كانت مصر السادات هي المبادرة بإعلان العداء ضد إثيوبيا، حين قام في الأخيرة نظام حكم شيوعي بزعامة منجستو هيلا مريام، وإمعانا من السادات في مطاردة النفوذ السوفيتي في أفريقيا، فقد تحالف مع رئيس الصومال، محمد سياد بري، ضد إثيوبيا، وزوّده بأسلحة شجعته على غزو إقليم أوجادين الإثيوبي ذي الأغلبية الصومالية، من أجل إحياء دولة الصومال الكبير.

ولكن لأن دوافع السادات كانت انتقامية من السوفيت وحسب، فقد فوجئ بأن الأمريكيين يرفضون خطط سياد بري، الذي سرعان ما انهزم مخلفًا صدعًا عميقًا في العلاقات المصرية الإثيوبية.

ثانيًا: حسب المرحوم الدكتور رشدي سعيد، الجيولوجي المصري الذي كرس معظم حياته لنهر النيل، فقد كان من الخطأ المشاركة في مؤتمر لاهاي المشار إليه أعلاه بوفد حكومي يرأسه وزير الري، وكما يقول رشدي سعيد: «كانت مصر من أكثر الدول حماسًا وتأييدًا لتقرير المؤتمر، وكان وزيرها للري الدكتور محمود أبو زيد، أحد أهم من شاركوا في إعداد التقرير وفي تنظيم المؤتمر ورئاسة جلساته، على الرغم من أن التقرير يتعارض مع ما فتئت مصر تردده طوال تاريخها من أنها ضد تسعير المياه بأي شكل من الأشكال، ومن أنها ترفض إسناد توزيع الماء احتكاريًا لشركات القطاع الخاص.»

قبل أن يشغل منصب وزير الري، كان أبو زيد من المطالبين بالتشدد في الحفاظ على حقوق ومصالح مصر في النيل، وفي أحد كتبه نوّه إلى عدم استبعاد اللجوء إلى القوة المسلحة، كحل أخير للحفاظ على تلك الحقوق والمصالح

لم يكن محمود أبو زيد يمثل نفسه بالقطع، وإنما كانت هذه سياسة دولة، فقبل أن يشغل منصب وزير الري، كان أبو زيد من المطالبين بالتشدد في الحفاظ على حقوق ومصالح مصر في النيل، وفي أحد كتبه نوّه إلى عدم استبعاد اللجوء إلى القوة المسلحة، كحل أخير للحفاظ على تلك الحقوق والمصالح. وعندما واجهه كاتب هذه السطور بذلك في أحد المؤتمرات بالقاهرة، بعد أن أصبح وزيرًا، قال: «لم يعد من المفيد الآن توتير العلاقات مع إثيوبيا، لأننا نتبنى حاليًا منهج الاعتماد المتبادل، حيث سنعاون إثيوبيا وبقية دول الحوض لتنمية مواردها المائية، بما لا يؤثر على حصة مصر.»

وكشهادة حق، فقد قطع الرجل شوطًا لا بأس به في هذا المنهج، في أوغندا ورواندا وبوروندي وكينيا، لكنه فشل في إثيوبيا، لأسباب خارجة عن إرادته، كما سيظهر فيما يلي.

ثالثًا: حسب الدكتور رشدي سعيد أيضًا، كان انضمام مصر الى مبادرة دول حوض النيل لعام 1999 خطأ كبيرًا بدوره، وهي المبادرة التي تحولت إلى ما يسمى بـ«اتفاقية عنتيبى»، والمتحفَظ على بعض بنودها من الجانب المصرى، لأن مصر، بقبولها المشاركة في هذه المبادرة، تكون قد حادت عن موقفها التاريخي بعدم فتح ملف إعادة توزيع مياه النيل، ووافقت على ما درجت دول أعالي الحوض على المطالبة به، لاعتبارات سياسية كانت تؤججها بيوت الخبرة الأجنبية وشركات المقاولات والمياه العالمية، بسبب أن مصر تحصل على النصيب الأكبر من مياه النهر، ولا تترك إلا القليل لغيرها من دول الحوض.

رابعًا: اعترف الدكتور مصطفى الفقي، سكرتير الرئيس الأسبق حسني مبارك للمعلومات لفترة طويلة، أن مصر رفضت اقتراحًا إثيوبيًا بالمشاركة في بناء سد النهضة، ومن ثم المشاركة في اقتسام عوائده من المياه والطاقة، وهكذا كانت مصر هي بنفسها من هزمت سياستها في «الاعتماد المتبادل».

خامسًا: ظلت المنهج الحاكم للرئاسة المصرية حول الخطط الاثيوبية لبناء السد هو الاستخفاف بهذه الخطط، والاطمئنان لكونها غير قابلة للتنفيذ.

شلالات النيل الأزرق، إثيوبيا

الشاهد الأوثق على ذلك هو تصريح المرحوم عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة، بأنه لاداعي للقلق من هذه المزاعم الإثيوبية، فهي كلام في كلام، ولن ينفذوا منه شيئًا، لأنهم لا يستطيعون، ولأن ذلك غير ممكن عمليًا وفنيًا واقتصاديًا، مدلّلًا على صحة هذا الاستنتاج بالقول إنه في العام الماضى، زادت مياه الأمطار إلى حد هدّد بإغراق جزيرة في بحيرة تانا، تقوم عليها كنيسة ذات قداسة خاصة عند الإثيوبيين، الذين لم يجدوا بدًا من الاستنجاد بمصر لتطهير مخارج البحيرة إلى النيل الأزرق حتى ينحسر الفيضان عن الجزيرة وينقذوا الكنيسة. وقتها أضاف سليمان بلهجة سخرية واضحة، إنهم «كلفونا 12 مليون دولار».

كان عمر سليمان يدلي بهذا التصريح للصحفيين في بهو الفندق الذي أقام فيه الرئيس مبارك، في آخر زيارة له للعاصمة الأمريكية واشنطن في شهر أغسطس عام 2009، وكان سليمان وقتها عمليًا هو الرجل الثاني في الدولة، حيث يرأس الجهاز الحكومي المصري الأكثر اهتمامًا بالملفين السوداني والأثيوبى، كما كان معروفًا وقتها.

لا تفسير لهذا الجمود عند الأفكار القديمة سوى الترهل والشلل وسوء ترتيب الأولويات، وانسداد قنوات الحصول على المعلومات وتحليلها وتبادلها وإبلاغ مستويات صنع القرار بها

وبالنظر إلى الخلف، يبدو أن جهاز الدولة المصرية كان ثابتًا في تقويمه للخطط الإثيوبية في ستينيات القرن العشرين، عندما هدأت زوبعة المشروعات الأمريكية لبناء سدود على منابع النيل في الهضبة الاثيوبية، بسبب الصعوبات الجيولوجية والتكلفة المالية الباهظة.

ولا تفسير لهذا الجمود عند الأفكار القديمة سوى الترهل والشلل وسوء ترتيب الأولويات، وانسداد قنوات الحصول على المعلومات وتحليلها وتبادلها وإبلاغ مستويات صنع القرار بها. ألم يكن معروفًا أن رئيس ديوان مبارك كان يطلب من الوزراء وغيرهم من المسؤولين عدم إبلاغ الرئيس بأخبار أو معلومات تضايقه، خوفًا على صحته وعلى مزاجه!؟

سادسًا: كان للمؤتمر الهزلي الذي أذيع على الهواء برئاسة الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسى، بما تضمنه من استخفاف وصل حد ازدراء إثيوبيا، فضلًا عن تهديدها، أسوأ الأثر في زيادة مشاعر العداء لدى الإثيوبيين تجاه مصر.

سابعًا: ثبت الآن أن مسارعة الرئيس عبد الفتاح السيسي، عقب انتخابه، لتوقيع ما سُمي بـ«اتفاق الخرطوم الثلاثي للمبادئ» مع رئيس وزراء إثيوبيا ورئيس جمهورية السودان، كانت كارثية هي الأخرى، فقد أنهى هذا الاتفاق الطابع السياسي والقانوني للأزمة، وأخذها إلى المسار الفني الصرف العقيم، وهو ما أوصلنا إلى النقطة التي نقف فيها الآن، عاجزين ومسلّمين للنجاشي بأن يسوس هو النيلا، تاركًا لنا البحث عن بدائل في مياه البحر والصرف الصحي.

صيادون سودانيون على حافة نهر النيل

قد تكون زيارة رئيس وزراء إثيوبيا الوشيكة للقاهرة، وحديثه أمام مجلس نوابها، مناسبة لإحياء المسار السياسي لحل الأزمة، وفرصة أخيرة لهذا.

لكن بعد إنجاز نحو 60% من المشروع، فقد ترسخ مبدأ أن النجاشي هو من سيسوس النيل، وليته يبقى وحده، فهناك البنك الدولى، وهناك إسرائيل، وهناك الزبائن المتلهفون للشراء من بنك المياه وبنك الطاقة الإثيوبيين في السعودية وبقية دول الخليج، وربما الأردن أيضًا عبر إسرائيل نفسها.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد