الفيلم التونسي «الجايدة»: الخروج من بيت الطاعة
 
 

تنويه: قد تحتوي المراجعة على حرق لبعض أحداث الفيلم.

في حقبة الخمسينيات، وفيما كانت تونس تناضل لانتزاع استقلالها من أنياب الاحتلال الفرنسي، كان هناك تقليد بإرسال النساء اللاتي أغضبن أزواجهن، إلى بيت يدعى «بيت الجويد»، لقضاء عقوبة الحبس التي وقّعها عليهن القضاء الشرعي، المعتمِد في أحكامه على المذهبين الحنفي والمالكي.

ومهما كانت درجة الظُلم الواقعة على المرأة، فإنّها تقف أمام القاضي ورجاله محتجبة، وراء زيها المنيع، لا تستطيع أن تتكلم وتشرح شكواها. عليها تقبل العقاب بصمت، والاستسلام للحبس في بيت الجويدة، الذي تشبه فكرته إلى حد كبير مفهوم «بيت الطاعة» في مصر.

في هذا البيت، تكون في استقبال النساء سيدة تدعى بـ«الجايدة»، وهي امرأة عجوز متخصصة في إذلالهن وكسر أنوفهن، كما طلب منها على سبيل المثال «طيّب» زوج «بهجة» إحدى بطلات الفيلم، والتي استيقظت ذات ليلة لتكتشف أن زوجها يعاشر شقيقتها، ولم تسلَم من حينها من تلقي ضرباته المتوالية كعقاب لها على عدم مغفرتها للخيانة.

لكن برغم قسوة الواقع، ستغزل النساء في بيت الجويدة، وكعادتهن دائمًا، من حالة تجمعهن بالسجن ومن دفء قلوبهن رباطًا مقدسًا، ستشعل بعد قليل شرارة الاستقلال الذي لابد وأن يتحقق.

الجايدة هو فيلم تونسي من إخراج سلمى بكار وتأليفها مع وجيهة الجندوبي، إحدى بطلات الفيلم. أما إنتاجه فهو تعاون مشترك بين المخرجة وبين عبد العزيز بن ملوكة، وبدعم من وزارة الشؤون الثقافية والمركز الوطني للسينما والصورة في تونس. ويشارك الفيلم في الدورة التاسعة والثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في قسم آفاق السينما العربية.

هذا النظام البطريركي/ الأبوي في تونس؛ لم يكن إلّا انعكاسًا لظل ظلم آخر؛ وهو العلاقات المختلة مع المُحتل، والتي تشكلت بطريقة تضمن مصالحه واستقراره. وتتجلّى علاقة السيد بالعبد في صور مختلفة بالفيلم. لدينا مثلًا «ليلى» الشابة التي تريد إشباع النيران الموقدة في جسدها، وقد أُجبرت على الزواج من شيخ كبير لا يستطيع إشباعها في علاقتهما الحميمة، وهي سواء قبلت أم رفضت، فهي مُجبرة على الخضوع لهذا السيد الذي بيده المال، والانتقال إلى بيته.

لكن ولأنها أيضًا لا تستطيع تجاهل ندائها الداخلي، نراها في بداية الفيلم تغوي شابًا صغيرًا، سرعان ما سيهجرها، بعد أن ينال مراده، متحججًا ومتبجحًا بأن الزنا هو كل ما كان بينهما.

ليلى التي سينتقم منها الزوج بإرسالها إلى بيت الجويدة؛ ستقابل رفيقة وفية للغاية وغير متوقعة، هي حسيّنة المراهقة التي أحبت شابًا مناضلًا ولم تحمها براءة لقاءاتها معه من بطش العم، الذي يقرر إرسالها وهي في هذه السن الصغيرة إلى بيت الجويدة وحرمانها من المدرسة. ورغم اعتراض عَمَّتها المتفهمة بالفطرة لفكرة الحُب والحرية التي يحلم بها الحبيبان، فإنها تبقى عاملًا غير فاعل أمام انسحاق أم حسينة لإرادة الرجل.

في المحبس ستقرأ حسينة الروايات الفرنسية الكلاسيكية، وستعيرها إلى زميلتها الارستقراطية بهجة، وفوق كل ذلك ستتلاقى نفسيًا مع ليلى، التي بدورها ترى فيها صورة منعكسة لذاتها، منطلقة وخفيفة، بعد أن صارت هي غائبة بالكامل في حضور زوجها العاجز. ومع الوقت سيصبح بيت الجويدة محطة للانطلاق في حياة حسينة.

هناك شخصيات نسائية مهمة أخرى، لا ينتقص منها عدم الحديث عنها في هذه المراجعة السريعة، كـ«فتنة»الشقية خفيفة الظل التي تشاكس الجميع وتتسبب في المشكلات، وتلك الفتاة المحتجزة لفترة مؤقتة لمخالفتها رأي والدة زوجها. هذه الأخيرة، هي أكثرهن هدوءًا وتقبلًا لمكوثها في بيت الجويدة كعقاب، كما أنها الوحيدة التي ستسعد وهي تتزين للقاء الزوج في غرفة قصيّة من البيت.

هناك أيضًا، الخادمة السمراء التي تجسد فكرة العبودية التامة، وقد تناوب عليها سيدان، أحدهما كانت تخدم فراشه والآخر وقعت في حبه ووقع في حبها. ووجودها هنا هو عقاب على تجرؤها على الحُب، فلا ينبغي للخادمة أن تحب السيد أبدًا. هذا بالإضافة إلى  شخصية الجايدة نفسها، الجلادة التي ليس لها حياة سوى بين هؤلاء السجينات. ليس لها زوج ولا أولاد، هي السجينة مثلهن بامتيازات أكثر قليلًا ربما.

رؤى متعددة للجسد

يقوم البناء الجمالي لـ«الجايدة» بالطبع على فكرة «الجسد». فمثلًا يحفُل الشريط بلقطات مقرّبة لأقدام النساء وهن يتحركن. الجسد وهو يقطع خطوات سائرًا في طريق. نشاهد ذلك مثلًا حين تستيقظ بهجة وتكتشف خيانة الزوج. كما نرى حسينة بهذه الطريقة وهي تراسل حبيبها الشاب الثائر من وراء الشباك، وبالطبع ليلى في وجلها المتواصل.

تشترك هذه المشاهد جماليًا على نحو ما مع فيلم آخر، عُرض ضمن القسم نفسه في هذه الدورة ، وهو الفيلم السوري« طريق النحل» لعبد اللطيف عبد الحميد. لكن برغم التشابه السطحي، إلا أن الجايدة يختلف في التناول الفكري عن «طريق النحل»، والذي لا يمكن تجاهل كونه إنتاج المؤسسة العامة للسينما في سوريا، لسان حال النظام السياسي الحاكم.

مشهد من الفيلم

يقدم عبد اللطيف بطلته كأنثى حائرة بين الحب من ثلاث رجال في زمن الحرب الحالية في سوريا. وهي شخصية رومانسية وحالمة بالاستقرار. نشاهدها تسير متزينة بكم مبالغ فيه من المكياج، بينما تلاحق الكاميرا قدماها على الأرض بما يحيل إلى معنى الغواية؛ غواية الأبطال الرجال الذين سيتصارعون عليها معنويًا من جهة، وغواية المشاهد العربي أو السوري،  فيما يمثّل استمرارًا لنمط فكري سينمائي متوارث يُعبر عن علاقة خاملة مع السلطة، ويوظف الجنس بوصفه بهارات للسينما الحريفة.

في «طريق النحل» لا نرى تبرم البطلة من وضع «المفعول به»، ولا حتى نتوقع أي تغير في موقفها من الحياة عدا البكاء والامتنان لتلقي الهدايا الغالية من الرجال الهائمين بجمالها المصنوع. هي مجرّد قناع للإغراء الأنثوي، لا تريد امتلاك مصيرها، وتتركه بين أيدي الرجال. أما سلمى بكار مخرجة فيلم الجايدة فلحُسن حظنا لها رأي مختلف.

تاريخ من القهر حتى الاستقلال

آخر مشهد حزين يمكن أن نشاهده في الجايدة هو انتحار ليلى، الموقف الذي به تضع حدًا لكل ذلك العذاب المجاني، وهو ردها المُرسل إلى زوجها الشيخ الذي يتحسس جسدها هذه المرة وهي نائمة فتعود أصابعه ملونة بالدم.

بعد هذه الفجيعة، في بيت الجويدة الذي يمتلئ سجل تاريخه بالتأكيد بفظائع مشابهة، تقرر سلمى بكار إرضائنا بمشهد مريح: بورقيبة يحصل على استقلال تونس، والنساء في الميناء، كبهجة وحسينة، يقفن ملوحات بسعادة وسرور. ثم يخبرنا الفيلم بالكتابة على الشاشة، أنه لاحقًا سيضمحل دور بيت الجويدة في تونس، إلى أن يزول نهائًيا.  

الجايدة، هو ذلك التاريخ الطويل من القهر الذي أدّى إلى وصول النور أخيرًا. يرتبط «الجايدة» بعلاقة حميمة ليس مع تونس وثورتها فقط، لكن مع روح السينما التونسية التي قدمت حتى قبل ثورة تونس 2010 رائعتها «صمت القصور» لمفيدة التلاتلي، والمتخففة من محاذير الجنس والدين والسياسة التي تشبعت بها السينما المصرية، بما يجعلها لا تخاف من المباشرة في أحيان عديدة إذا رأت إبداء الرأي، كأن تقول المخرجة سلمى على لسان بطلتها بهجة أن الإصرار الدستوري على تأسيس دولة مدنية لا تستند في أحكامها إلى الشريعة الإسلامية؛ يعتبر الضمانة الوحيدة لعدم ظهور بيوت جويدة أخرى، وهو الرأي الذي أثار حفيظة أفراد من الحضور المصري، الخائف باسم الدين.

اعلان