Define your generation here. Generation What

حبك جنّننا يا شادية! (تدوينة)

عزيزتي شادية:

في البداية، احترت كيف أناديكِ؛ باسمك الحقيقي «فاطمة»، أم أتجرأ، كأني واحد من أحفادك، لأناديكِ «يا فتوش»، الاسم الأحب إليكِ؟

لكني في النهاية أعلم مكاني، أنا واحد ضمن ملايين من المعجبين. قررت في النهاية وببساطة مناداتك بـ «شادية».

تمنيتُ لقاءك من فترة طويلة، حاولتُ وباءت كل محاولاتي بالفشل. ربما لم أجتهد، ولكن كل المؤشرات كانت تشي برفضك التام لأي مقابلة خارج إطار الأسرة، فقررت كتابة هذه الرسالة لك.

من الصعب أن نوفيكِ حقك، بل يستحيل هذا أمام كل ما قدمتيه من خفة مقرونة بالقدرة التمثيلية الرهيبة. هل تعلمين مثلًا أنك سبب مهم في وجود أغلب الفنانات المصريات حتى الآن، بداية من سعاد حسني وحتى دنيا سمير غانم؟ أنت من مهدتِ لهن الطريق.

وقتها، في منتصف الأربعينيات، كانت الساحة الفنية خالية من البطلة الشاملة، بينما كنتِ تملكين كل مقومات الفنانة الشاملة؛ الجمال والخفة والدلع والصوت الجميل ومَلَكَة التمثيل، كنتِ نعم من تمثّل الفتاة المصرية أمام قريناتها اللبنانيات مثل صباح ونور الهدى.

فككتِ قيود الأغنية بشكلها القديم الطربي، خلعتِ عنها عباءة أساطير الغناء، في مهمة نجحتِ فيها باقتدار؛ استدعيتِ الطقاطيق المصرية الخفيفة، كذلك، وفي نفس الوقت، أكدتِ إنك مونولوجست من الدرجة الأولى، قدمتِ الكثير من المونولوجات بصحبة الثنائي الأشهر في هذا الفن؛ إسماعيل يس ومحمود شكوكو، بجانب عزيز عثمان وألياس مؤدب.

غيرتِ شكل الأغنية المصرية؛ أصبحتْ بعدك أجمل وأخف، فكل ما يُغنّى الآن، هو استمرار لدورك في كسر شكل الأغنية الكلثومية، والرجوع لفترة الطقطوقات المصرية الخفيفة. أعدتِ للأغنية مصريتها، وقدمتِ نموذجًا مثاليًا للفتاة المصرية، التي تعمل وتغيّر وتبدع وتنطلق وتتمرد على كل أي قالب يمكن حصرها فيه.

أحب والدك منذ قرأت قصة أخذه إياك لمقابلة أم كلثوم في بيتها، فقط من أجل إسعاد ابنته المُحبة للغناء عامة ولأم كلثوم خاصة.

ولكني أحبك أكثر لأن حبك وتقديرك لها، لم يمنعاك من تقليدها مع حسن فايق وإسماعيل ياسين.

أحبُ غناءك وكأنك فتاة بسيطة تغني في البيت. كلما سمعت أغنية «ألو ألو إحنا هنا»، أو «من بعد طاقية وجلابية»، أدرك إن الغناء لا يلزمه صوت طربي من الدرجة الأول. كانت هذه ثورة في شكل الغناء، ثورة أشعلتيها دون أن تشعري بها.

أو، بشكل أدق، أنا غير واثق إن كنتِ أدركتِ أنك تكسّرين الأصنام والأساطير، تتمردين على ما سبق، مع تأكيد كل الاحترام له. لا أريد تحميلك فلسفات أنت أبسط من كل تعقيداتها.

كنت أرى أنك تشبهين شخصية سلوى في فيلم «شباب امرأة»، تنشر البهجة في أرجاء المكان، و«المكان» هنا ليس حيز غرفتي الكئيبة المظلمة، وإنما هو مصر بأكملها.

أرسل إليكِ تحية خاصة لتطورك وذكائك، لإثباتك أنك لست فقط «دلوعة السينما»، الفتاة البسيطة المرحة المبهجة. عشر سنين من حياتك الفنية، كفت لإثبات هذا. بعدها، بداية من دورَيْ فاطمة وشمس في فيلم «المرأة المجهولة»، بدأتِ في الإعلان، دون كلام: «أنا ممثلة، فليصمت الجميع ويشاهد»، ثم أتت لاحقًا مرحلة نجيب محفوظ، والذي كان يشك في قدراتك التمثيلية.

دعيني أقول بصراحة إن محفوظ لم يكن وحده من شكَّ في قدراتك. أعتقد أنك، أنت نفسك، في مرحلة الخمسينيات، كنتِ تشكّين في قدرتك على أداء أدوار مركبة كالتي قدمتيها.

ردك الدائم على هذه الشكوك والهواجس كان بالعمل. بالتأكيد لم يقدّر النقاد صوتك وجماله؛ في النهاية هي ممثلة تغني. لم يتعامل معك الناس في البداية بوصفك مطربة حقيقة، كان الشبح الكلثومي مسيطرًا على الأهواء والأجواء، لكنك قدمتِ كل الأشكال. أغان مثل «ليالي العمر معدودة»، و«يا شاغلني وقلبك خالي»، أكدت على وجود مطربة حقيقية.

كيف أقنعتِ رياض السنباطي، ملحن أم كلثوم الأول، بالتلحين لكِ عام 1953؟ هل كان ذلك بتأثير ثورة 52، بما تلاها من انقلاب مؤقت على أم كلثوم؟ أذكر أيضًا أنك غنيتِ قصيدة في رثاء جمال عبد الناصر، من ألحان السنباطي وفي شكل كلثومي بحت.

كلما شاهدت فيلمَيْ «شيء من الخوف» و«نحن لا نزرع الشوك»، تساءلت كيف جلبتِ كل هذا الحزن لعينيك، ولصوتك وهو يرن في أذني «يا عيني يا عيني يا عيني عالولا»، أو «والله يا زمن لا بإيدينا زرعنا الشوك ولا روينا يا زمن»؟ ماذا حدث في حياتك كي تتقمصِي شخصيتي فؤادة وسيدة بكل هذه العبقرية والبساطة والصدق؟

أقر أني أحب صلاح ذو الفقار جدًا، لشخصه وتمثيله، ولكني في نفس الوقت أحسده لأنه عاش بجانبك، بل وأنك أحببتيه. يكفي أي رجل في الحياة أن يقول «شادية أحبتني». هذا شرف كبير. بجانب هذا أستغرب قليلًا مدى مرونتك في تقديم أدوار كوميدية بكل لطف مع حبيبك صلاح، في نفس الوقت الذي قدمتِ فيه الأدوار الأخرى الأعقد.

في كل تجربة لكِ، تثبتين أنك فتاة مصرية من الدرجة الأولى، بكل ما تتحمله من ضغوط، ولكن أيضًا بما تثبته من تفرد وقوة وتمرد على أي قوالب يضعها لها الآخرون. كنتِ الأكثر حضورًا في ثورتنا العظيمة في 25 يناير، كان صوتك يحتضن الميدان ومن فيه، بكل حنان وقوة في نفس الوقت.

بداية من ثورة 1952، كنتِ أجمل رمز لمصر. دائمًا ما أضع صورتك من أوبريت «المصري أفندي»، في كادر كأنك تمثال نهضة مصر، كأنك تمثلين مصر.

كما أتذكر صورتك بملابس الفلاحة فؤادة أمام التمثال، الفرق بين الصورتين 13 عامًا، وأنت لا تزالين حتى الآن أجمل رمز لمصر وللفتاة المصرية.

كنتِ معجونة بالأنوثة الودلال. أجلس وعيناي جاحظتان وقلبي في قمة نشوته وأنت تغنين «إيرما لادوس».

أتساءل: كيف تحولتِ من الفتاة الدلوعة الطيبة التي تخجل أن تتحدث أمامها عن الجنس، ولو بشكل غير مباشر، للفتاة اللعوب من الدرجة الأولى في «زقاق المدق»؟

مع كل هذا، يبقى فيلم «الزوجة 13»، مثالًا للأنثى المصرية بكل ما فيها، من دلال وأنوثة وجمال وقوة أيضًا، كان دلالك رائعًا يا صبية، بشكل يثير الحواس والقلب. ليس وحده رشدي أباظة من سقط أمام صوتك في أغنية «وحياة عينيك». جميعنا سقطنا أمام دلالك وأنوثتك، بينما أنت تصنعين كل ذلك بكل هدوء وسلاسة.

كنت أحلى من قدم أغاني الفلكلور، حتى من قبل موجة بليغ حمدي. وأقرب أغنياتك إلى قلبي كان بها طعم الفلكلور. في أغنية «آه يا لموني»، بلحن محمود الشريف، كنت جميلة بشكل مخيف، وجهك كان نموذجًا للجمال الطبيعي.

لم يرزقك الله الأطفال، وكأنك كنتِ أمًا لنا جميعًا، وكأن كل محاولاتك للإنجاب فشلت، مسببة لك الألم، كي لا تتركي الساحة الفنية، وكي لا يأخذ طفلك هذا الحنان والحب لوحده، فتظلين أنت رمز الأمومة الجميلة.

شادية: إن الأمنية التي لم يعرفها عني الناس هي أنني أتمنى أن يكون عندي دستة من الأطفال عندما أبلغ سن الخمسين

لا أحد غيرك يغني أغنية مثل سيد الحبايب، أو أغنية «يا أختي عليك ربي يخليك». أصبحتِ أمًا مثالية لنا كلنا، بعد أن كنت فتاة الأحلام.

بعيدًا عن فكرة الحجاب أو الاعتزال الديني، لكن قرار إنهاء الرحلة وأنت في القمة، أي وأنت بكامل نجوميتك وأنوثتك، كان قرار صائبًا من وجهة نظري.

صحيح أني لم أستوعب القرار قط، وحتى عند كتابتي هذه الرسالة، لا أزال أرى أنه كان ظالمًا لك ولكل محبيك، لكنه كان صائبًا، والأهم منه ابتعادك التام عن الأضواء. كأنك قررتِ أن تظلي شادية الجميلة في أذهان الجميع، والأجمل إنك لم تعلني ندمك على ما قدمتيه من أعمال، كما فعل الآخرون والأخريات. أنت ترين الفن رسالة نجحتِ فيها، وأي نجاح يا شادية!؟

إذا كانت أم كلثوم هي صوت الشعب وهويته الموسيقية منذ عهد يوليو 1952، فأنتِ ظللت أجمل رمز للفتاة المصرية الجميلة، فتاة تحلم وتحلم وتحاكي ثم تبدع وتتفجر طاقة وإبداعًا في شتى دروب الفن، ثم تختفي تمامًا، مترفعة عن كل الأضواء والشهرة، متنازلة، كالأم الزاهدة، عن المجد عن طيب خاطر.

في النهاية حبك جنّننا يا شادية. السلام عليكِ وعلى قلبك وبهجتك ودلعك الجميل، ولكِ كل الحب والتقدير. فنك وأعمالك الغنائية والسينمائية ستبقى إلى الأبد.

اعلان