«مذبحة مسجد الروضة».. ارتباك أنصار «داعش».. واستنساخ لتاريخ «قاعدة العراق»
 
 

رغم مرور ثلاثة أيام كاملة على هجوم مسجد الروضة، لم يعلن أي من التنظيمات المسلحة الناشطة في سيناء مسؤوليته عن العملية حتى اﻵن، ما يفتح الباب أمام أسئلة حول مَن قام بها، فضلًا عن أسئلة أخرى حول علاقات تلك التنظيمات ببعضها، والخلافات الداخلية بين المنتمين لها ومناصريها. كما تثير العملية، وعدم تبنيها، أسئلة أخرى تخص طبيعة التنظيمات الموجودة على اﻷرض في سيناء وانتماءاتها.

كان مسجد بلال بقرية الروضة التابعة إداريًا لمدينة بئر العبد في شمال سيناء تعرض لهجوم يوم الجمعة الماضي، استهدف خلاله عدد من المسلحين المصلين أثناء صلاة الجمعة داخل المسجد وفي محيطه، ما أسفر عن وفاة 305 شخص، وإصابة 128 آخرين.

بعد ساعات من الهجوم توالت البيانات من تنظيمات مسلحة تستنكر العملية، بداية من تنظيم «حسم»، الخارج من عباءة جماعة «الإخوان المسلمين»، والذي لا يعرف عنه الوجود في سيناء. وصولًا إلي بيان مماثل من «أنصار الإسلام»، التنظيم المعلن عنه حديثًا، الذي يربطه محللون بتنظيم القاعدة، والذي كان ظهوره اﻷول مطلع الشهر الجاري حين تبنى هجوم طريق الواحات الذي راح ضحيته 16 من أفراد الشرطة.

البيان الاستنكاري الثالث لهجوم الروضة أتى من تنظيم «جند الإسلام»، المحسوب بدوره على تنظيم «القاعدة»، والذي اشتبك أفراده أكثر من مرة، كان آخرها خلال الشهر الجاري، مع أفراد من تنظيم «ولاية سيناء».

يُعد «ولاية سيناء»، أحد فروع تنظيم داعش، المتهم اﻷول، إن لم يكن اﻷوحد، في هجوم الروضة. ففي حين لم يصدر التنظيم أي بيانات استنكار للعملية أو تبرؤ منها، هناك عدة عوامل ترجح اضطلاعه بالهجوم.

يقول الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أحمد كامل البحيري إن «كل الشواهد تشير إلى حقيقة واحدة هي أن داعش هم منفذو هذه العملية. الحوار مع قيادي التنظيم في سيناء الذي هدد فيه الصوفيين، وتهديد المجتمع الصوفي، والاعتداء على الأضرحة، واستهداف شيوخ الطرق الصوفية، والتهديد الذي وجهه التنظيم لصوفيي القرية أنفسهم قبل العملية بأيام، وتوعدوهم فيه حال أقاموا الحضرة الصوفية. كل ذلك لا يشير إلا لحقيقة أن التنظيم هو من فعلها».

كان مسلحو «ولاية سيناء» وجّهوا الكثير من التهديدات والضربات للمجتمع الصوفي في شمال سيناء خلال الشهور الماضية.

بدأ الأمر في مدينة الشيخ زويد، أكتوبر من العام الماضي، عندما اقتحم عناصر من الولاية زاوية جنوب المدينة أثناء إقامة حلقة ذكر صوفي ومنعوا المشاركين من ممارسة طقوسهم واختطفوا سبعة منهم. وبعد ذلك استتاب عناصر «الولاية» المختطفين، الذين أعلنوا تراجعهم عن طقوس زيارة الأضرحة وإقامة حلقات الذكر فأفرجوا عنهم وطلبوا منهم توصيل الرسالة، إما التوبة أو الجزاء.

وبعد شهر من تلك الحادثة، اختطف مسلحو التنظيم الشيخين سليمان أبو حراز وقطيفان منصور، اللذين يعدا من شيوخ الطرق الصوفية في شمال سيناء. وصوّر المسلحون مقطعًا يظهر عملية قتلهما بالسيف بدعوى «السّحر والشرك».

الرصد الدقيق لسيرة التنظيمات الموالية لـ «داعش» خارج مصر أو داخلها، سواء «ولاية سيناء» في سيناء أو«جنود الخلافة» في وادي ودلتا النيل. يؤكد على أن التنظيمات المنتسبة له اعتادت على تبني كل العمليات التي تنفذها، بما في ذلك العمليات التي يتبعها صدمات اجتماعية شديدة، غير أن ذلك لم يحدث حتى اللحظة.

ارتباك تنظيمي

الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد مولانا، يقول لـ«مدى مصر» إن «التنظيم يخشى تبعات الحدث على نفسه، مع أن بعض عناصره يتحدثون عن العملية بتفاخر شديد. هناك حالة تنظيمية من المهم النظر إليها عندما نتحدث عن داعش مصر تحديدًا. كثير ممَن عملوا مع الدواعش انضموا لهم انبهارًا بانتصاراتهم ورغبة في الثأر من النظام. وليس عن قناعة شرعية وفكرية بتكفير كثير من المسلمين. حادث مثل الأخير يجعل هذه القطاعات تبتعد عن التنظيم، خاصة بعد اندحاره من معاقله. دعنا نتذكر مثلًا عندما نشرت بعض الجهات المحسوبة عليهم كتابات تكفر حازم صلاح أبوإسماعيل، فهذا أدى إلى رد فعل سلبي وسط محبين أبوإسماعيل بعد أن كانوا منبهرين بالتنظيم فابتعدوا عنه».

العملية غير المسبوقة، على مستوى عدد الضحايا. لا أحد يستطيع الجزم بكل أبعادها ونتائجها حتى اللحظة، لكن من المؤكد أن التنظيم قد يفقد بعض من حاضنته الاجتماعية من القبائل والعشائر المتعاطفة معه، التي كان يبدو حريصًا على وجودها حسب اللغة المستخدمة في بعض البيانات السابقة للتنظيم.

وعلى الرغم من وجود خط واضح لاستهداف الصوفيين في شمال سيناء، ومن كون المسجد المستهدف عادةً ما يتردد عليه أتباع طريقة صوفية، غير أن هناك علامات أخرى تشير إلى أن ثمّة شيء آخر حدث لا علاقة له بهذا الاستهداف المعتاد.

يقول البحيري «الأمر لا علاقة له بالصوفية، فالحضرة التي تحاربها داعش لم تكن في المسجد أصلًا وإنما في مكان مجاور له. والمسجد يرتاده رواد الحضرة وباقي مواطني القرية، فلو كان الأمر في سياق مواجهة الصوفيين، كان المنطقي أن يستهدف مكان إقامة الحضرة وحده دون تحمل نتيجة الهجوم على مسجد، وقتل أشخاص آخرين لا علاقة لهم بالصوفية. الأمر له معنى آخر، المقصود به هو قبيلة السواركة التي ينتمي لها سكان القرية».

يضيف البحيري «الرسالة كانت موجهة لقبيلة السواركة ولباقي القبائل السيناوية، التنظيم أراد القول إن أي قبيلة، حتى لو خرج منها قيادات عملوا مع التنظيم نفسه، حيث انتسب عدد من قبيلة السواركة إلى التنظيم، ليست بعيدة عن الاستهداف حال تعاونت مع أجهزة الدولة. التنظيم يريد تصدير رسالة الذعر هذه وتثبيت حالة الإرهاب للمجتمع السيناوي كله».

على الرغم مما يطرح كلام البحيري من تساؤلات، إذ أنه يتناقض مع رغبة التنظيم الدائمة في إيجاد حاضنة اجتماعية له، إلا أن السياق الأوسع يوضح الصورة بعض الشيء. ويوضح البحيري «هذه رسالة واحدة من عدة رسائل يجب أن نقرأها جميعًا لفهم الصورة جيدًا. هناك رسالة أخرى تخص التنظيم نفسه يوجهها إلى داخله. أن التنظيم لا يزال قويًا ولا يزال بمقدوره تحقيق حالة إرهاب خاطفة. هذا أمر مهم في سياق الجدل الذي يشهده التنظيم نفسه في الداخل على إثر هزيمته في سوريا والعراق».

حالة الارتباك طالت الجميع بعد اتضاح فداحة العملية، بما في ذلك أنصار تنظيمات «داعش» والمحسوبين عليها وفي القلب منهم «ولاية سيناء». كانت نظرة على منتديات أنصار «داعش»، ومتابعة القنوات الإلكترونية التابعة للتنظيم وحسابات بعض العاملين فيه كافية لتوضيح هذا الارتباك.

على شبكة «شموخ الإسلام»، وهي شبكة تضم المئات من أنصار التنظيم في دول المنطقة، اتخذت النقاشات بين الأعضاء في التطور من مناقشة تفاصيل العملية إلى إدانتها بإرفاق بعض الآيات القرآنية والأحاديث ومقتطفات من كتب السلفية الجهادية، ووصل إلى الاتهامات المتبادلة، بدءًا من اتهام البعض بالغلو والمبالغة وحتى الاتهام بالعمالة لتنظيمات أخرى. ذلك قبل أن تغلق إدارة المنتدى النقاش، وتمنع غير الأعضاء فيه من الوصول لصفحات النقاش الداخلية.

على قنوات الاتصال المحسوبة على «داعش» على  تطبيق تليجرام، كان الاتجاه العام نحو إدانة العملية والتأكيد على أنها من صنيعة أجهزة الدولة نفسها. ونالت خطابات الإنكار من التنظيمات المنافسة أيضًا، فأخذت تنظيمات القاعدة نصيبها من الاتهامات.

محادثة على تطبيق تليجرام

أحد مناصري التنظيم على قناة «الراصد الفلسطيني»، والتي عادةً ما تنشر أخبار «ولاية سيناء»، قال: «قنوات الكلاب القاعدة سارعوا بلصق حادثة استهداف مسجد الروضة بولاية سيناء. قولوا لي يا أيتام الظواهري: أين بيان ولاية سيناء الذي يتبنى العملية؟». وفي تدوينة أخرى، قالت القناة: «نحن أنصار الدولة الإسلامية نعرف أهدافها ونعرف أساليبها. عملية استهداف مسجد الروضة من حيل المخابرات».

على صفحات التواصل الاجتماعي أخذ خطاب أنصار «داعش» طريقًا آخر، فقال أحدهم: «ولاية سيناء هي مَن قامت بالهجوم المسلح على المعبد الصوفي بعد انتهاء الصلاة ومغادرة المسلمين وما تبقى سوى عباد القبور والطرق والأضرحة لممارسة شعائرهم الشركية. هذا وقد تمّ تحذيرهم على مدار سنوات. والمتابع للأحداث يتذكر هذه الفيديوهات التي نشرتها الولاية في ذلك الأمر. فقامت عليهم الحجة وتاب منهم مَن تاب وظل البقية على شركهم فكان جزائهم التشريد بهم ولم ينفعهم جيش السيسي الذي يتعاونون معه ضد المجاهدين. هذه حقيقة ما حدث بغض النظر عن قبولك أو رفضك لها».

فيما قال آخر، السبت الماضي، «بكرة بالكثير جدًا هيكون في بيان لتأصيل عملية قتل مشركي المعبد الصوفي. تحديث: كيف تمت العملية؟ جاءت معلومات للإخوة بوجود تجمع لصحوات القبائل الذين يقاتلونها بهذا المسجد للتحضير للاحتفال بالمولد النبوي، فحاصر الإخوة المسجد وأخرجوا المصلين المسلمين ومن ثم أعدموا الصحوات بالأسلحة الخفيفة وانتظروا قوات الدعم وفجروا عبوة ناسفة خارج المسجد».

تدوينة على فيسبوك

عودة للتاريخ

مع الحديث عن عودة التنظيمات المسلحة الموالية لتنظيم «القاعدة»، بعد عملية طريق الواحات الشهر الماضي أو مع الإعلان عن استهداف جماعة «جند الله» لبعض عناصر «ولاية سيناء» في شمال سيناء، الشهر الحالي، بدأ الحديث يدور عن عودة تلك التنظيمات للصعود على السطح، غير أن التحليل لذلك ذهب إلى أبعد من دخول تنظيمات جديدة أو عودة تنظيمات قديمة إلى الساحة، ووصل إلى وقوع تغيرات كبيرة على مستوى تنظيمات داعش نفسها، يؤثر على نمط العمليات والأهداف المحتملة، أي الضحايا المحتملين.

فيما يقول البحيري «عملية مثل هذه تحمل دلالات ورسائل أكبر من التنظيم المحلي، أغلب الظن أنها نفذت بقرار إقليمي من خارج مصر أصلًا، ينبئ بالعودة إلى نمط قديم في تنظيم داعش، هو نمط تنظيم قاعدة العراق».

النظر بدقة لما يمكن أن تعنيه المذبحة الأخيرة يتطلب الرجوع لماضي التنظيمات الجهادية التي اشتملت على ذلك النوع من العمليات. وفي هذا الصدد لا يمكن رؤية إلا أسلوب تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين»، أو قاعدة العراق، الذي تطوّر فيما بعد وأصبح النواة الأولى التي أنتجت تنظيمات «داعش» في المنطقة.

بعد شهور قليلة من بداية الغزو الأمريكي للعراق، بدأ تنظيم «القاعدة» عمله في المناطق ذات الأغلبية السنيّة. ورغم أن خطاب التنظيم الأكبر، الذي كان يقوده أسامة بن لادن في ذلك الوقت، تحصر الأهداف في الحكومات الغربية ومواطنيها، إلا أن الفرع العراقي قدم نوعًا مختلفًا من العمليات. وكان من أبرزها تفجيرات «إحياء ذكرى عاشوراء»، في مارس 2004، ما أدى إلى مقتل 271 مواطنًا شيعيًا. وتفجيرات «القحطانية»، في أغسطس 2007، والتي أدت إلى مقتل 796 وإصابة 1562 من اليزيديين. و«مجزرة الدجيل» في العام 2006، التي ذبحوا فيها أكثر من 70 مواطنًا شيعيًا كانوا في احتفال زواج، وإلقائهم جميعًا في نهر دجلة. و«مجزرة كنيسة سيدة النجاة» التي راح ضحيتها 58 من المصلين المسيحيين. بالإضافة إلى سلسلة تفجيرات متزامنة في 2009 استهدفت العاصمة العراقية دون أن يكون الهدف واضحًا، وأسقطت قتلى زاد عددهم عن 90 مدنيًا، كما قتل 140 شخصًا في عام 2011، و114 في يوليو 2012 و 84 شخصًا في يونيو من العام نفسه.

بينما انتشرت مشاهد الذبح والاستهداف الواضح للأقليات الدينية في العراق، خاصة من المسلمين الشيعة، بدأت أولى ملامح الشقاق بين جماعة العراق والتنظيم الأم. في البداية، مثّل الخلاف من الناحية العراقية أبو مصعب الزرقاوي، وبعدها أبو بكر البغدادي، ومن الناحية الأخرى كان دائمًا الممثل هو «أمير الجهاد العالمي» أيمن الظواهري.

في البداية، أرسل الظواهري خطابًا إلى الزرقاوي قال فيه إن قتال الشيعة يخفف العبء عن الاحتلال الأميركي، مشيرًا إلى أن عوام الشيعة لا يجب أن يتلقوا نفس معاملة القيادات السياسية الشيعية. فقال نصًا: «لماذا الهجوم على عوام الشيعة مع أنهم معذورون بالجهل. يجب علينا مخاطبتهم بالدعوة والبيان والتبليغ لهدايتهم للحق».

وألحق الظواهري خطابه بآخر، بنبرة أكثر حدة، تحدث فيه تحديدًا عن تصوير وبث مشاهد الذبح قائلًا إن «أكثر من نصف المعركة يدور في ميدان الإعلام، وإننا في معركة الإعلام في سباق على قلوب وعقول أمتنا».

كان الرد يأتي دائمًا من العراق على غير هوى الظواهري. «لا عصمة لدم مدني ما دام كافرًا»، كما قال الزرقاوي. وبعد عدة أعوام كان كل من الزرقاوي وبن لادن قد قُتلا، وصعد لرأس القيادة عالميًا الظواهري، وإقليميًا أبو بكر البغدادي. وبدأ الخلاف يتسع من جانبه التكتيكي إلى العقائدي والإستراتيجي. ذهب البغدادي إلى إمكانية إعلان دولة الخلافة الآن وفورًا، واتهم الظواهري بالإرجاء ولم يبايعه على السمع والطاعة بعد مقتل بن لادن. ومن جهته رأى الظواهري أن إعلان «دولة الخلافة» يجعل «الأمة» فريسة سهلة للدول الغربية والحكومات العربية، ويسهل مهمة ملاحقة التنظيمات الجهادية.

في نهاية الأمر، العملية الأخيرة تضعنا في مرحلة جديدة وفقًا حسبما يقول البحيري. المعركة الآن ليست على الأُسس التي وضعها «داعش» في بداية عمله في العراق، بأن القتال يأتي في سياق الحدود واكتساب الأرض جغرافيًا، وبالتالي فإنه يكون محصورًا على قتال الدولة وأجهزتها. عاد الصراع إلى مرحلة تشبه ما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي؛ فيتمّ استهداف الجميع دون خطوط حمراء بهدف تحقيق حالة الإرهاب بمعناها الحرفي، وليس بالضرورة من أجل انتزاع مناطق نفوذ، بحسب أحمد كامل البحيري.

اعلان