Define your generation here. Generation What
ناجون من «الروضة»: هكذا وقعت المذبحة في 45 دقيقة
 
 
صورة: مراد حجازي
 

قبل مدخل قرية الروضة بقليل اصطف العديد من السيارات ربع النقل أمس، السبت، لمواصلة نقل جثامين ضحايا مذبحة مسجد «بلال»، التي وقعت الجمعة الماضي، إلى مدافن قرية مزار القريبة بعد أن امتلأت مدافن الروضة بجثث الضحايا الذين بلغ عددهم 305 قتلى.

بمجرد دخولك الروضة تقابلك شواهد المذبحة. على مدخل القرية الضيق والمتفرع من الطريق الدولي «العريش – القنطرة» تقف سيارة ملاكي في وسط الطريق. كرسي السائق المغطى بالدماء، وآثار رصاصة اخترقت الزجاج الأمامي تخبرك بسبب توقفها بهذا الوضع الغريب.

تتبع قرية الروضة إداريًا مدينة بئر العبد بمحافظة شمال سيناء، وتبعد عنها قرابة 35 كيلو متر في الاتجاه الشرقي، ولكن القرية أقرب إلى مدينة العريش، والتي تبعد عنها أقل من 20 كيلو متر. يسكن القرية قرابة 2500 شخص، معظمهم من أبناء قبيلة السواركة من عشيرة الجريرات، بالإضافة إلى خليط من الوافدين من أبناء الوادي من خارج سيناء، وعدد كبير من أبناء القبائل الفارين من جحيم الحرب بين الجيش والجماعات المسلحة في الشيخ زويد ورفح، كانوا قد استقروا في القرية الآمنة. تعتبر الروضة قِبلة العديد من المسافرين بسبب كَرم أهلها، وواجبات الضيافة، التي تُقدم لكل عابري السبيل، حيث يتمّ جمع مبلغ مالي من منازل القرية شهريًا خصيصًا لهذا الغرض.

في قلب القرية يقع مسجد «بلال»، وهو المسجد الرئيسي داخل الروضة ويسع قرابة 500 شخص، وفي المقابل منه تظهر «الزاوية» الخاصة بممارسة الطقوس الصوفية، ويحيط كليهما أربعة طرق أغلقها الأهالي بشكل تام منذ عدة أشهر بعد معلومات من أجهزة الأمن أن القرية مستهدفة من العناصر المسلحة، بدعوى اتباع معظم قاطنيها الطريقة «الجريرية» الصوفية.

على الطريق المقابل للمسجد، سألنا خالد، الطفل ذا العشر سنوات، الجالس فوق جذع شجرة كبير أغلق بها الأهالي الشارع: «لماذا أنت جالس هكذا؟»، قال دون أن يزحزح نظره عن المسجد: «أبوي وأخوي ماتوا هناك امبارح».

نجا خالد من المذبحة، لكن 27 طفلًا من أصدقائه، كان يلهو معهم كل يوم في طرقات قريته، قُتلوا برصاصات اخترقت أجسادهم الغَضة، ومعهم 278 رجلًا وشابًا وشيخًا، فيما أصيب 128 آخرين، حسب البيانات الرسمية.

رائحة الدماء تملأ المكان، أحذية القتلى تتناثر على الدرجات المؤدية للبابين الرئيسيين للمسجد، اللون الأحمر يغطي أرضيته البيضاء الخارجية. للوهلة الأولى تعتقد أن فيضانًا من الدم اجتاح القرية، وغمر المسجد من الداخل ليخضب السجاد الأخضر ومتعلقات المصلين من عُقل وعُقد (أغطية يستخدمها السيناويون لتغطية الرأس) والطواقي البيضاء وعكاكيز الشيوخ، باللون الأحمر.

على مقربة من باب المسجد الخلفي يجلس سليمان ناظرًا إلى الدماء على الأرض، يشير لنا إلى تجمع دموي فوقه بعض المتعلقات الشخصية قائلًا: «هذا دم أبوي، وهذا عِقاله، وهذه عَقدته، وهذه طاقيته، وهذا عكازه، أبوي انقتل هنا».

يتذكر سليمان تفاصيل المقتلة بصوت تخنقه الدموع: «حضرت للمسجد قبل الخطبة بقليل وجدته ممتلئًا، اضطررت للجلوس في الخارج مقابل الباب الخلفي بعد فترة قصيرة شعرت بحرارة الشمس ما دفعني لمزاحمة المصلين في الداخل، ومع بداية الخطبة سمعنا إطلاق رصاص عنيف في الخارج، حسبنا أن دورية الجيش حضرت وتطلق الرصاص بشكل احترازي، ولكن بعد لحظات انقلب الأمر رأسًا على عقب».

ويتابع: «حالة من الهَرج والفوضى عَمت المكان، إطلاق الرصاص في كل ناحية ومن كل اتجاه، اقتحم ثلاثة مسلحين ساحة المسجد في البداية، وأطلقوا الرصاص بشكل عشوائي على كل المصلين، سقط بجانبي أحد المصلين قتيلًا، بعدها بدأت بالتسلل زحفًا ناحية الشباك الجانبي للمسجد الذي كان قريبًا لموقع جلوسي، نظرت ناحية جلوس والدي وجدته وسط بركة دماء وقد قُتل، بعدها قفزت من النافذة واستمريت في الركض بشكل متواصل لا أعلم أين أذهب».

لحظة هروب سليمان لم يكن المسلحون قد حاصروا المسجد من كل الجهات، فنجا. لكن لاحقًا، حين أحكم القتلة الحصار ، لاحقوا كل مَن حاول الهروب، وقتلوهم بين طرقات القرية بعد أن انتشروا حَول المسجد في كل ناحية، بحسب سليمان.

صورة: مراد حجازي

أثناء الهجوم كان محمد، الرجل الأربعيني، يجلس في منتصف المسجد ينظر صوب الإمام أثناء إلقائه الخطبة، عندما فتح المسلحون نيران أسلحتهم الآلية على جميع المصلين. يقول: «خفضت جسدي بالكامل على الأرض ووضعت راحتي فوق رأسي، لحظات وسقط فوقي من كان يجلس على جانبي الأيمن وسالت دمائه عليّ، لحظات أخرى وسقط من كان على جانبي الأيسر. بقيت ثابتًا أسفلهما لا أتحرك نهائيًا».

ظل محمد محتميًا بالجثث، بينما المقتلة مستمرة لما يقرب من 45 دقيقة.

«كنت بموت مع كل طلقة تنضرب، وكنت مستني دوري في الموت»، يقول محمد، مضيفًا: «15 مسلحًا كانوا داخل المسجد يطلقون الرصاص من خلف المصلين الجالسين على الأرض، وكأنها عملية إعدام جماعي، والرصاص كان موجهًا على الرأس بشكلٍ مباشر».

«ما تترك حد يهرب اقتلوهم كلهم»، جملة قالها أحد المسلحين أثناء تنفيذ المذبحة، حسب محمد، ويضيف: «حصلت حالة تزاحم شديد في مقدمة المسجد، جميع المصلين يريدون الهروب عبر غرفة المكتبة التي تحتوي على شباك يطل على الشارع وعلى ساحة المسجد القديمة، ولكن المسلحين ألقوا على التجمع قنابل يدوية سقط على إثرها عدد كبير من القتلى، وداخل غرفة المكتبة باغتهم أحد المسلحين من الشُرفة بعبوات ناسفة صغيرة قتلتهم جميعًا، حتى أن سقف المسجد تصدع من شدة الانفجارات».

يشير محمد إلى أن لهجة القتلة ليست مصرية ولا سيناوية، ولكنها أقرب إلى الشامية، وأن أجسامهم ضخمة عكس أجسام السيناويين الصغيرة، «ليسوا سواركة، ولا بياضية، ولا أرميلات، ولا ترابين، ولاعرايشية»،  لافتًا إلى أنهم متمرسون جدًا في عمليات القتل، ولديهم مهارة عالية في التصويب، حيث كانوا يطلقون الرصاص من بعيد فتصيب هدفها في مقتل.

بعد الواقعة، ذهب محمد إلى منزله، خلع ملابسه المختلطة بالدماء، وحفر حفرة ودفنها فيها: «لا أريد أن أراها ثانية، لا أريد أن أرى شيئًا يذكرني بما حدث، حتى رأسي أريد أن أقتلعها من مكانها».

أجمع أهالي القرية ممن تحدثنا معهم أن المذبحة استمرت لقرابة 45 دقيقة كاملة، ولم يكتف المسلحون بقتل المصلين في المسجد، ولكنهم اقتحموا المنازل القريبة للبحث عن الرجال الذين لم يذهبوا للصلاة بَعد، وأخرجوهم من منازلهم وقتلوهم أمام أسرهم. حتى أن كل رجل أو شاب كان يسير في طرقات القرية تمّ قتله. وقبل رحيلهم أحرقوا جميع سيارات الأهالي في وسط القرية للحيلولة دون إسعاف المصابين ونقلهم للمستشفيات.

سيارة أحرقها المسلحون بعد المذبحة - صورة: مراد حجازي

نجا عطية وابن عمه عاطف من موتٍ محقق، بسبب تأخّر الأول في دورة مياه المسجد للوضوء، بعد بداية خطبة الجمعة. كان عاطف، الشاب الذي يعمل مدرسًا، يطالب ابن عمه بالتعجل في الوضوء داخل دورة المياه للحاق بالخطبة، ولكن تأخّر عاطف أنقذ حياة الشابين.

بعد بدء إطلاق النار اختبأ الإثنان داخل إحدى كبائن دورة مياه المسجد لمدة ساعة، بحسب عاطف، الذي أضاف: «كنا نسمع أصوات الرصاص وكأنها موجهة إلينا وكذلك الصراخ، كان المشهد في الخارج مرعبًا».

ويتابع: «سمعنا خطوات أحد المسلحين تقترب منا، وأطلق الرصاص على أحد المصلين في دورة المياه، ولكنه رحل بعد أن طلب منه مسلح آخر اتباعه لمكان ما».

مرت ساعة، وتأكد الشابان من توقف صوت الرصاص، فخرجا من مخبئهما. بكلمات مختلطة بالدموع يصف لنا عاطف المشهد كما رآه: «الجثث في كل مكان خارج المسجد، لا تكاد تُدير وجهك إلا وتقع عيناك على جثة، وبرك الدماء في كل مكان، أما داخل المسجد وفي ساحته الرئيسية لا مكان لتضع قدمك، الأرض ممتلئة بالكامل بالجثث، والمصابين».

معظم منازل القرية بها على الأقل من قتيلين إلى ثلاثة، من فئات عُمرية مختلفة، ما بين الأطفال والشباب والشيوخ، ومنهم طلاب جامعات. وموظفون وافدون على القرية من خارج سيناء ومقيمين فيها منذ عشرات السنين.

يقول الأهالي إن هناك منازل في القرية قُتل كل رجالها، لدرجة أنهم لم يجدوا من يدفنهم، وعائلة المنصوريين فقدت 50 شخصًا، فيما كان عدد القتلى الأكبر من أبناء عشيرة الجريرات، السكان الأصليين للقرية.

صورة: مراد حجازي

بعد أن ذاع خبر المذبحة، وعلى مدار 24 ساعة، بدأت حسابات السيناويين على مواقع التواصل الاجتماعي في نشر معلومات وصور عن ذويهم الذين قتلوا. تحوّلت الحسابات الشخصية إلى مَآتم، الكل يكتب تعليقات ورسائل التعزية، لا يوجد منزل في شمال سيناء لا يعرف شخصًا واحدًا على الأقل ممَن قتلوا، أما مَن تربطهم بهم صلة الدم والقرابة فهم كُثر.

أثناء الحديث معهم، صب الأهالي جام غضبهم على مسؤولي الصحة في المحافظة، بداية من تأخّر وصول سيارات الإسعاف وقلتها في البداية، وحتى الفقر الشديد في استعدادات مستشفى بئر العبد العام وعدم جهوزيتها للحالات الطارئة.

قال الأهالي إن ذويهم من القرى المجاورة هم أول مَن حضروا للقرية، بعد الهجوم، بواسطة سياراتهم الملاكي والربع نقل، حيث تم نقل المصابين إلى مستشفيات العريش وبئر العبد، والأخيرة هي من استقبلت العدد الأكبر.

وأضافوا أن مستشفى بئر العبد العام لم تكن بها أكياس دم كافية، وتمّ الطلب من المساجد أن تدعوا الأهالي للتبرع، ولكن عندما اصطف الأهالي للتبرع خارج المستشفى، فوجئوا بعدم وجود أكياس دم فارغة ليتم التبرع فيها.

أما عن سيارات الإسعاف، أكد الأهالي أنها كانت قليلة، بالكاد نقلت بعض المصابين، لدرجة أنه كان يوضع في السيارة أربعة أو خمسة مصابين، أما الجثث فلم تنقل للمستشفيات وتم تجميعها داخل المسجد، ما دفع المحافظة لإرسال الإداريين في مديريتي التضامن الاجتماعي والصحة إلى المسجد في القرية ومعهم أوراقهم الرسمية، حيث تمّ استخراج شهادات الوفاة على باب المسجد، وفي أول يوم استُخرج 300 وثيقة وفاة.

أحمد محمد، شاب من مدينة بئر العبد، كان أحد المتطوعين، داخل مستشفى المدينة لمساعدة المصابين وخدمتهم، أكد أن الخدمات داخل المستشفى كانت فقيرة للغاية، ما دفع الأهالي لنقل مصابيهم إلى محافظات خارج سيناء، حتى أنهم لم يجدوا سيارات إسعاف لنقلهم.

يقول أحمد لـ «مدى مصر» إن أصحاب مزارع الدواجن في بئر العبد، تطوعوا بجلب سيارتهم النصف والربع نقل، ووضع مراتب وبطاطين في صناديقها لنُقل المصابين إلى مستشفيات خارج سيناء.

ويشير أحمد إلى موقف عصيب مر به عندما لفظ 17 شخصًا أنفاسهم الأخيرة داخل أروقة المستشفى، وبعد ساعات لم يصل أحد ليسأل عنهم، ولكن أحد المصابين أدلى ببعض المعلومات عنهم، فتمّ التواصل مع الأهالي في القرية، وعلموا أن ذويهم قتلوا جميعًا، وما زالت جثثهم في المسجد، وأن معظمهم من أسرتين، ما اضطر الأهالي إلى إخراجهم من المستشفى ودفنهم في مدافن مدينة بئر العبد.

في قرية مزار المتاخمة لقرية الروضة، استغرق بعض الأهالي ليل الجمعة بأكمله في حفر مقابر جماعية، فيما كان آخرون يواصلون نقل الجثث في صناديق سيارتهم من مسجد القرية. استمرت ساعات الدفن لساعات طويلة في ليل صحراء سيناء قارس البرودة، والقلق والخوف والترقب من هجوم جديد على هذا التجمع الكبير من المدنيين معظمهم كان قد نجا من المذبحة الصباحية.

قبر جماعي لضحايا المذبحة - صورة: مراد حجازي

وحتى ساعات الصباح التالية كانت السيارات تحمل الجثث من المسجد إلى المقابر الجماعية في قرية مزار، خلال تلك الساعات دُفنت 300 جثة.

اعلان
 
 
مراد حجازي