Define your generation here. Generation What
فوتوكوبي: الحنين والنوستالجيا وفلاتر انستجرام
 
 

فيلم «فوتوكوبي» (2017) هو العمل الأول لمخرجه تامر عشري، من تأليف هيثم دبور، وبطولة محمود حميدة وشيرين رضا، وإنتاج شركة(ريد ستار). عُرِض الفيلم للمرة الأولى، في مهرجان الجونة السينمائي   العام الجاري، ليفوز بجائزة أفضل فيلم عربي روائي. ويُعرض الفيلم على هامش الدورة التاسعة والثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائي، ضمن برنامج «السينما المصرية الجديدة».

من السهل التورّط عاطفيًا مع أحداث فيلم «فوتوكوبي»، نظرًا لما يقدّمه من قصة ناعمة، وشخصيات مشبعة بالحنين وكل يحفِّز النوستالجيا، كالمقتنيات القديمة، أو المرسومة باليد، أو التراث المعماري المتداعي لحي العباسية بوَسط القاهرة

و لكن أثناء المناقشة التي تلت عرضه الأول، أكد مؤلف الفيلم هيثم دبور للحاضرين؛ أنه ليس من المقصود أن يحمل الفيلم صبغة النوستالجيا، وهو ما اعتبرته غريبًا، لأنني وجدتُ معظم اختيارات المخرج تسلط الضوء على النوستالجيا باعتبارها تيمة أساسية للفيلم.

فنجد أن المشاهد الافتتاحية للفيلم، تركز على استعراض المعمار المتأثر بحقبة الاحتلال، لحي العباسية،  الذي كان يومًا موطنًا للطبقة الغنية من المصريين، قبل أن تسكنه الطبقة المتوسطة، حيثُ تمر الكاميرا على الشوارع الواسعة والمباني ذات الأسقف المرتفعة والنوافذ الكبيرة، كتأكيد على الحنين لتلك الفترة، من تاريخ القاهرة الاقتصادي والاجتماعي، والتي ولّت سريعًا. ناهيك عن الإفراط في استخدام اللون البني (سيبيا)،  الذي سيطر على صورة الفيلم، ما جعلها تبدو وكأنها واقعة تحت تأثير فلاتر إنستجرام،  كما ضمن  تدفقًا قويًا وثابتًا لمزيد من النوستالجيا.        

ربما كانت خبرة عشري في مجال الإعلانات؛ هي السبب وراء ذلك، فبالنظر إلى الاتجاهات الأخيرة في الإعلانات المصرية، نلاحظ استخدامًا واسعًا لأدوات فنيّة معينة، بغرض تحقيق  ذلك التأثير الجمالي. مع ذلك يحمل بالفيلم بعدًا واقعيًا، خاصة في تناوله لشخصياته، ربّما يفسره عمل عشري لمدة طويلة في الأفلام الوثائقية، أخرج خلالها عددًا من الأفلام مثل «لقمة نظيفة» (2012)، و«صور من غزة» (2015).

في البداية نقابل محمود الشخصية الرئيسية في «فوتوكوبي»، والذي يلعب دوره الممثل المخضرم محمود حميدة.  نتعرف عليه في مقابلة عمل وهو يتقدم لوظيفة، بينما يحاول الإجابة على سؤال «أين ترى نفسك بعد 5 سنوات؟»، وهو ما يجد به مفارقة ما، إذ أنه يبلغ من العمر 60 عامًا، ويعيش حياة مستقرة وخالية من أي مفاجآت، كمالك ومدير لمحل تصوير ضوئي وطباعة صغير يقع في نفس شارع منزله.

اعتاد محمود الجلوس أمام محله كل يوم، أسفل لافتة عتيقة مكتوب عليها بخط اليد «محمود فوتوكوبي»، مرتديًا بيريهًا وصديري، ونادرًا ما نشاهد عنده زبائن. نعرف أنه فيما مضى، كان يعمل ناسخًا في إحدى الجرائد على الآلة الكاتبة، قبل أن يُفصَل بعدما بدأ الصحفيون والمحررون في استخدام الكمبيوتر والكتابة بأنفسهم.

ندرِك من محاولاته المتكررة لتجنب مالك العقار (بيومي فؤاد)؛ والذي يذكّره دائمًا بمصاريف الصيانة المتأخرة عليه، أنه يواجه ضائقة مالية.

في دكانه الصغير يقابِل محمود شخصيات مختلفة، يحكي أغلبهم عن ماضٍ ما، يضفون عليه رومانسية غير مبررة. من بين هؤلاء صانع فخار متقاعد من محافظة قنا، أتى ليطلب منه كتابة عقد. يرثي الرجل حقيقة أن أحدًا ليس  بحاجة إلى مهنته الآن، لأنه لم يعد هناك من يهتم بشرب الماء من القُلة، مع انتشار استخدام الثلاجات والزجاجات البلاستيك.

من ناحية أخرى، يصل إلى علم محمود أن الخطاط الذي رسم له لافتة المحل قد مات، عندما بحث عنه ليصلحها، وذلك بعدما سقط عليها طلاء وردي اللون عند تجديد المبنى. أخبره ابن الخطاط أنه لا يوجد أحد الآن يرسم مثل تلك اللافتات، وعرض عليه طباعة لافتة أخرى باستخدام الكمبيوتر.

نتعرف أيضاً على مدام صفية (شيرين رضا) الأرملة مريضة السكر، والتي تعيش في نفس عمارة محل التصوير. هي أيضًا مريضة متعافية من سرطان الثدي، وتزور الصيدلية يوميًا للحصول على حقنة الإنسولين والتواصل مع الآخرين لشغل وحدتها. تشعر صفية بالخوف من أن تموت وحيدة بمنزلها ولا يعثر أحد عليها إلا بعد عدة أيام. يتعامل محمود ومدام صفية بتهذيب شديد مع بعضهما البعض.

تمهّد لنا التلميحات الرومانسية في بداية الفيلم، وخلال أحد مشاهدهما معًا، عن الذروة الدرامية الخافتة في الخط الدرامي لشخصية محمود.

يطلب محمود من مدام صفية، بعد أن نسي نظارته الطبية في البيت، أن تقرأ له ورقة بحثية أحضرها طالب له كي يكتبها على الكمبيوتر، تدور حول انقراض الديناصورات. وبينما ينصت إلى صفية ويعيد الكتابة، ينمو اهتمامه بالموضوع حتى يصبح مهووسًا به.  يذهب ليسأل مساعدة محمود أسامة (علي الطيب)، الشاب مالك الإنترنت كافيه بجوار محل التصوير، في البحث على الانترنت عن سبب انقراض الديناصورات، بل ويبدأ في تجميع معلومات عن كائنات أخرى على وشك الانقراض.

حتى انتهاء الفيلم لا يصل محمود لإجابة شافية لسؤاله، الذي يبقى معلقًا وجوهريًا، ما يدفعه إلى إعادة النظر إلى حياته والتساؤل عمن سيتذكّره بعد موته. بسبب عدم تمتعه بإنجاز وظيفي أو أطفال، يبدأ محمود في البحث عن لحظات إنسانية وحميمية مع الآخرين حوله، والذين يتواجدون في نفس المربع السكني حيث تدور معظم مشاهد الفيلم. يحاول محمود توطيد علاقته بأسامة، وعبد العزيز (أحمد داش)، المراهق الذي يخدم أهل المبنى، وداليا (فرح يوسف)، الصيدلانية التي تعطي الحقن لمدام صفية، كما تتطور علاقته بمدام صفية بالطبع. كل هذه الأدوار المساعدة كانت متقنة للغاية بفضل الاختيار الجيد والموفق للممثلين، وهو ما يساعد الفيلم ،رغم عيوبه، على المضيّ بسلاسة خلال 90 دقيقة هي مدة عرضه.

لكن عى الناحية المقابلة، فإننا بالكاد نعرف كيف تطورت الشخصيات حتى أصبحت على ما هي عليه عندما التقينا بها. فعلى سبيل المثال، ستجد نفسك كمشاهد تسأل، لماذا يندفع محمود مصارحًا مدام صفية فجأة بشعوره بعد واقعة الديناصور؟ وما هي علّة خجلها وترددها في المقابل؟.

فبدون معرفة جيدة بتاريخ الشخصيات أو بحيواتهم الداخلية؛، يصبح من الصعب استيعاب الصورة الكاملة، ما يسبب شعورًا عامًا بعدم الرضا، وهو ما كان يمكن تجنبه بسهولة.

نلاحظ أن العديد من الأحداث، ليست مدفوعة بإرادة الشخصيات، أو حتى تأتي كتوابع لتغيرات داخلية، بل تحدث فقط لأنها تخدم قصة الكاتب أو لأنها تثير الضحك. فهناك عدة عناصر في الفيلم لم يكتمل نضجها، لتقنعنا بمنطقيتها، على سبيل المثال نجد عندنا، ابن مدام صفية الغائب طوال الفيلم، والمقحَم فقط كعائق يحاول الحبيبان تخطيه، وزبائن المحل القادمين من السودان والنيجر، والذين يشتبه محمود في كونهم جواسيس في البداية قبل أن تجمعه بهم علاقة وديّة.

يعتمد «فوتوكوبي» بقوة على مجموعة من الشخصيات التي يسهل التماهي معها، إلا أنها ليست مقنعة بما يكفي. وفي غياب البنية القوية للقصة نشعر بعدم اكتمالها. ينجح الفيلم من ناحية أخرى في خلق لحظات تفاعل إنساني صادقة بين الشخصيات، ولكن هذه المشاهد الدافئة والمؤثِّرة كانت في أمَس الحاجة لسرد أكثر ترابطًا للخروج بعمل سينمائي متماسك.

ترجمة: نهى خطاب

اعلان
 
 
روان الشيمي