Define your generation here. Generation What

تدوينة عن ليلى مراد في ذكرى رحيلها: «كان» فعل ماضٍ، لا يدعني في حالي

منذ اعتزالها الغناء منذ ما يزيد على الستين عامًا، أقامت المطربة ليلى مراد، أحد أجمل وأرق الأصوات العربية، في بيتها ولم تظهر للعلن إلا نادرًا.

قررت زيارتها في منزلها بجاردن سيتي لأجري معها حوارًا عن مسيرة حياتها، عما تحبه وتكرهه، وعن القرارات التي اتخذتها في حياتها، وما كان منها خطأ وما كان صائبًا.

صحيح أن نبرتها بدت هادئة راضية عما قدمته وما وصلت إليه، إلا أنها كانت تحمل أيضًا الكثير من الغضب على كل ما حدث، ولم يكن له أن يحدث. أسئلة عديدة ظلت تدور في عقلها بلا توقف. فور جلوسنا سويًا، قالت:

أنا أصبحت مثل أبي. انطفأت الأنوار من حولي. وذهب الجميع وراء الموسيقى الجديدة. وأصبحت أنا في طي النسيان.

ولكن الناس لا يزالون يسمعون أغانيك؟

صحيح، لكن بماذا سيفيدني هذا، بينما أجلس هنا وحيدة خلف الجدران لا أحد يعلم عني شيئًا، وكأني اسطوانة قديمة، أو فيلم بالأبيض والأسود، شيء انتهى ولم تعد له أهمية الآن، لكننا نكن له احترامًا ومحبّة، فهل تكفي؟!

هل تفكرين بأن صوتك كان لعنة، ربما كان الأمر ليصبح أفضل لو كنت ربة منزل مثلًا؟

لا أعرف. ربما كانت الحياة لتصبح أبسط حين أكتفي برعاية الأولاد والزوج المنهك من تعب العمل. (تمسك ورقة وقلم وتكتب وكأنها تقارن بين مسارات حياتها) هل كنت لأصبح خياطة ماهرة، أحيك للسيدات فساتين جميلة؟ لا أهتم حقيقة بالبحث عن إجابة، فقط أتذكر أيام الطفولة الصعبة، وتعثر أحوال الأسرة المادية، وترك المدرسة للعمل في الخياطة، وكيف كان الغناء طوقَ نجاة لي.

تتواصل لعبة المسارات، تتذكر كل القرارات الخاطئة التي اتخذتها في حياتها:

هل كان من الخطأ مثلًا أن أرفض الزواج من شخص كان يريد مني اعتزال الفن؟ وبعد هذا الشخص الذي رفضته، هل كان أنور وجدي الشخص المناسب لي في تلك الفترة؟ وبعد أنور وجدي، هل كان قرار الاعتزال صائبًا؟

بجانب ذلك، تساءل حظها، تبدو حائرة أمامه:

على الجانب الآخر، هل كنت محظوظة بنشأتي وسط كل هذه الأساطير الموسيقية؟ أن يكون والدي، أحد أهم مطربي عصر المواويل، وصديقًا لكل عمالقة الفن، من داوود حسني، الذي علمني كثيرًا، للقصبجي والشيخ زكريا؟ وأن أغني من ألحانهم؟ حسنًا، هل كنت حقًا أملك صوتًا جميلًا؟

تفكر قليلًا في سؤالها الأخير وترد، كأنها تكلّم نفسها:

نعم كنت أملك صوتًا جميلًا وساحرًا. متيقنة من ذلك عين اليقين، كان صوتي يستحق لقب «صوت مصر الأول». في تلك الفترة كنت قادرة على الوقوف أمام أم كلثوم، ورغم أني كنتُ أهابها وأنا صغيرة، لكن صوتي لم يهبها. صحيح كنت خجولة، لكن ليس في الغناء، حيث ينطلق صوتي كأني داخل بلورة سحرية، أسبح في المقامات، وأغوص في جماليات الكلام، ويخرج الصوت صافيًا لا تشوبه شائبة، كأنه عينٌ تفجرت بمياهٍ نقية.

أصبحتُ ملكة متوجة، تتابع، يتنافس المخرجون عليّ، كما حدث بين أنور وجدي وأحمد سالم، قبل أن أغني للملك في حفل خاص دون فرقة موسيقية، وأصبح ضمن أصدقائه المقربين في سهراته الخاصة.

غنيت لكل ملحني هذه الفترة، بداية من داوود وحتى منير أخي. غنيت بصحبة الأساتذة؛ القصبجي وزكريا وعبد الوهاب، هذا الشاب الجميل الذي أوقعني في حبه دون أن يفعل شيئًا، وتركني أيضًا دون أن يفعل شيئًا. كان ذلك أول دروس الحياة، لكنها دروس لا تسمن ولا تغني، فالقلب يبقى قلبًا مهما حدث.

غنيت بصحبة عبد الوهاب، هذا الشاب الجميل الذي أوقعني في حبه دون أن يفعل شيئًا، وتركني أيضًا دون أن يفعل شيئًا

ما الذي أحببتيه أكثر، السينما أم الغناء؟

أحببتُ السينما، ولكني أحببت الغناء أكثر؛ سواء كان في السينما، أو في الإذاعة مع الأستاذ العظيم مدحت عاصم، أو في الحفلات، أو في الجلسات الخاصة. أتذكر أحد تلك الجلسات في منزل الأستاذ محمد التابعي، كنت يومها في غاية السعادة، أشعر بامتلاك الدنيا بما فيها، فأعمالي نجحت وأصبحت فنانة شباك، وكان ذلك جديدًا على السينما المصرية، قبل ظهور شادية وصباح والجيل الثاني من السينما المصرية. أتذكر تلك الليلة، لأني غنيت فيها أغاني كثيرة، وكنت كالطائر السعيد، حتى أني قلدت أم كلثوم.

كان معي زوجي أنور. وكان في السهرة عبد الوهاب أيضًا، أقصد الأستاذ، فهو كان ولا يزال الأستاذ، أطرب لصوته ويخفق قلبي عند رؤيته.

تصمت قليلًا ثم تتحرك ببطء إلي الشرفة وتنظر للسماء، وأسمعها تهمس، وكأنها تغني لقلبها فقط، وبعد محاولات كثيرة أتمكن من سماع ما تدندنه: دا ذنب قلبي من كُتر حبّي يميل إليك ويغير عليك.

ما أن تنتهي من الدندنة حتى تضحك ضحكة خجولة قليلًا. تستعيد تجربتها مع المخرج محمد كريم، حين استعان بدوبليرة تقوم بأداء الضحكة فقط في أول أفلامها، بسبب خجلها الدائم وضحكتها المكتومة.

هل كان الصوت الجميل كافيًا للنجاح؟

لا، لم يكن ولن يكون. اللعبة أكبر من ذلك بكثير، أكبر مني ومنك ومن القارئ. أصلًا، كانت أكبر من أن أستوعبها في وقتها. إن كنت أنت حتى الآن لم تستوعب كل الأمور عن تلك الفترة!

حدثينا قليلًا إذن عن تلك الفترة.

كانت ثورة 1952 بالطبع هزة أرضية لكل المصريين. ولأتكلم عن حالي أنا، كواحدة من أهل الفن. فبعد كل هذه السنين أعتقد أن أكثر ما أضر بالفن في مصر، كان تلك الثورة. فالغناء صار مشروعًا سياسيًا أكثر من أي شيء آخر. إذا كنتَ وقتها صاحب موقف معين، فاعلم أنك خاسر لا محالة. يجب أن تكون متلونًا كالحرباء.

الحرباء؟

لا، تشبيه الحرباء ليس ذمًا، وليس مدحًا بالطبع. دعني أصيغها بشكل آخر. كانت الأمور بعد الثورة أشبه بالملابس، فهناك وقت للبدلة السموكن، وهناك وقت لملابس البيت وللملابس الرياضية. لكل مكان ملبسه، وهذا ما أقصده بالتلون. في تلك الفترة، كانت الأماكن تتغير بسرعة قد تتجاوز قدرات البعض، بالطبع كنت واحدة من هؤلاء.

كنت معارضة للثورة؟

لا، لم أقف موقف المعارضين، كلنا هنا؛ كنا نبحث عن المكان الصحيح، ربما فقط أخطأت في تقدير الأمور.

هل فكرتِ أن تصبحي «مطربة الثورة»؟

ربما. في ذلك الوقت، أراد رجال الثورة الدفع بوجوه جديدة للمقدمة، فكان عبد الحليم حافظ ومحمد رشدي في فئة الرجال. وكنتُ أجهز نفسي لأكون مطربة مصر الأولى؛ أم كلثوم في تخبط وارتباك، لم تقدم أغاني كثيرة في تلك الفترة، مكتفية بالأغاني الوطنية. وكنت أنا يهودية الأصل، بما سيجعلها خطوة رائعة من الثورة لإثبات أنها لكل الشعب، دون النظر لمعيار غير حب الوطن. هكذا حسبتُ الأمور وقتها.

تضحك حتى يختلط ضحكها بالبكاء. فهي منذ منتصف الخمسينيات في البيت. صمت صوتها وهي في أوج نضجها الفني والصوتي. جرى تجاهلها وصدِّها. لم يكن هذا اختيارًا منها، وإنما قرارًا خارجًا عن إرادتها.

لماذا؟

كل ما في الأمر أن رهاني كان خاطئًا. الحياة مثل القمار، والسياسة أيضًا. والفن لم يكن فنًا خالصًا، وإنما كان سياسة، وحياة أيضًا. وأنا لم أتقن السياسة فخسرت الفن، وفي كل الفترة الماضية حاولت فقط ألا أخسر الحياة. راهنت على الشخص الخطأ، في وقت كان الخطأ فيه يعني النهاية، أو «الركن على الهامش»، حتى «يحنّوا عليك». ربما كانت الأغاني الكثيرة التي تركتها، هي آخر ما يربطني بهذه الحياة.

كثيرًا ما حاولت العودة للسينما والغناء، لكن دون جدوى. واضح أنّه كان قرارًا، فمن الغريب أن تُقفل كل الأبواب مرة واحدة بهذا الشكل. أنا هنا منذ الثلاثينات، وهذا ما يحدث لي بعد كل هذا النجاح.

غنيت مع مطربين كثيرين، لكن فوزي كان له سحره الخاص. ألحانه وصوته بهما شغف وحب للموسيقى وللجمال. لم يهتم بشيء آخر. ربما لذلك تشابه مصيرانا، أُمّمت شركته، وضاع مشروعه التجاري والفني، ليمرض ويرحل غاضبًا. هل تتخيل أن يموت فوزي حاملًا كل هذا الحزن في قلبه؟

غنيت للنبي وأهل البيت في 1946 مع أني كنت لا أزال يهودية. وغنيت للحُجاّج مع السنباطي بعد إسلامي. كان الدين بالنسبة لي أعم وأشمل من فكرة الحدود أو السياسة، لم تكن لي علاقة بكل ذلك. أنا مصرية وأسلمت في نهايات الأربعينيات.

كانت الضربة القاضية بالنسبة لي، هي سماعي إشاعة تفيد بأني تبرَّعت بالمال إلى إسرائيل. أعتقد أن الخبر خرج من سوريا. وانتشر كالنار في الهشيم في كل الوطن العربي، ووصل مصر بالطبع. كان الخبر صادمًا للجميع. وكان التحرك ضدي أسرع من أي شيء، وكنت وقتها في فرنسا.

هل كنت تتوقعين هذا؟

لا؛ لم أتوقع أبدًا أن يشكّك أحد في وطنيتي، وأن أصبح متهمة ومنبوذة جراء هذا. كنت منهارة. أرسلتُ رسالة لمحمد نجيب أشكو فيها رجال الثورة، حتى يكفوا عني. أعلن الجيش أنّي بريئة من خبر التبرع لإسرائيل. وظهر وجيه أباظة في حياتي. كانت تجربة قاسية في كل شيء.

أعلن الجيش أنّي بريئة من خبر التبرع لإسرائيل. وظهر وجيه أباظة في حياتي. كانت تجربة قاسية في كل شيء

توقّف كل شيء. بدا وكأن الناس تهرب مني. كنتُ وحيدة. بدأتُ في تذكر والدي في آخر أيامه، بعد انحسار الأضواء عنه. بدأت في المكوث بالبيت طول اليوم، وتبدَّل كرسي الملكة بكنبة البيت، كأي ربة منزل. كانت الأيام طويلة وكئيبة. لا أزال أغني في البيت. أنا أحب صوتي، وأحب الغناء.

تبتسم برقة، وتشير لصالة بيتها حيث نجلس:

صحيح أني الآن أجلس في الشقة وحيدة، ولكن خيالات الماضي، الجميلة رغم كل شيء، تؤنس وحدتي، هي في النهاية من جعلتني حتى الآن ليلى مراد التي يعرفها الجميع، ويحبها.

***

كانت هذه محاولة لتخيل حوار صحفي مع ليلى مراد في أيامها الأخيرة، بمناسبة مرور الذكرى الثانية والعشرين لوفاتها في 21 نوفمبر 1995.

اعلان