Define your generation here. Generation What
س: لماذا يذهب الكلام للمحكمة؟.. ج: «حماية للأسرة» وإرضاءً لـ «الأباء المحبطين»
 
 

قبل 10 سنوات، شارك 174 مدوّنًا وصحفيًا وسياسيًا في التوقيع على عريضة بعنوان «لماذا يذهب الكلام إلى المحكمة؟» تضامنًا مع المدوّن عبد الكريم سليمان (المعروف باسم كريم عامر)، بعدما صدر حكم ضده بالحبس أربع سنوات بتهمة ازدراء الدين الإسلامي وإهانة رئيس الجمهورية بسبب كتاباته على مدونته.

جاء في مقدمة العريضة: «إن كانت ثمة حرية رأي وتعبير في مجتمع ما، فإن الكتابات التي تقع في المناطق الدافئة والآمنة ليست معيارًا لاختبار هذه الحرية، بل الكتابات التي تقع علي تخوم المناطق الهلامية المسماة بالازدراء والإهانة والمساس بالمقدسات والثوابت. إن كانت ثمة حرية رأي وتعبير في مجتمع ما، فإنها تتحدد بمدى تقبل أفراد هذا المجتمع -علي اختلافهم- لوجود ما يرفضونه من الكلام وما يختلفون معه بشدة، وإلا فأي حرية؟».

لا يختلف الوضع كثيرًا الآن عن ذلك الوقت حينما صدرت تلك العريضة، التي أتت دفاعًا عن مدوّن لم يكن معروفًا بشكل كبير وقتها. الوضع الحالي ربما يكون أكثر تفجّرًا، فتتكاثر يوميًا البلاغات التي أصبحت تطال طيفًا واسعًا من الشخصيات من مختلف التيارات السياسية والأعمار ومستويات الشهرة والمجالات.

ففي يوم الأربعاء الماضي، حددت محكمة جنح عابدين  يوم 23 ديسمبر المقبل ليشهد أولى جلسات محاكمة المطربة شيرين عبد الوهاب في الدعوى المباشرة التي أقامها ضدها المحامي هاني جاد، الأسبوع الماضي، ويتهمها فيها بتعمد نشر أخبار كاذبة عن مصر «من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة».

واعتمد البيان على فيديو قد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لشيرين أثناء غنائها في حفل في إمارة الشارقة بدولة الإمارات المتحدة، في يناير الماضي. وقتها طلبت منها إحدى الحاضرات غناء أغنية «مشربتش من نيلها»، فردت شيرين مازحة «هيجيلك بلهارسيا».

وفي اليوم نفسه، تقدّم ورثة الشيخ محمد متولى الشعراوي ببلاغ ضد الكاتبة الصحفية فريدة الشوباشي يتهمهونها فيه بالسب والقذف بحق الشيخ، بعد أن أعادت سرد الواقعة المعروفة عن أداء الشعراوي سجدة شكر عقب علمه بهزيمة مصر سنة 1967 في عدد من اللقاءات الإعلامية.

ويوم الأحد الماضي، استدعت نيابة استئناف القاهرة الممثل أحمد الفيشاوي، للتحقيق معه على خلفية اتهامه بازدراء الأديان في فيلم «الشيخ جاكسون». وجاء الاستدعاء على خلفية بلاغ تقدّم به المحاميان أيمن رأفت وعبد الرحمن عبد الباري، الأمين العام للجنة الحقوق والحريات بنقابة المحامين في الجيزة، ضد صُنّاع الفيلم، يتهمهم بالإساءة للدين الإسلامي، والتشكيك في ثوابته.

في الوقائع الثلاث، جاء رد الفعل العنيف على رأي أو عمل إبداعي أو دعابة مُعبرًا عن إحساس بالفزع بأن هناك شيء ما على المحك ينبغي إنقاذه والدفاع عنه قبل تعرضه للانهيار. فبين «التطاول على رمز ديني ووطني» و«ازدراء الدين الإسلامي» و«نشر أخبار كاذبة عن نهر النيل»، لم تُميّز البلاغات بين فريدة الشوباشي الكاتبة الصحفية ذات السيرة المهنية الطويلة، أو أحمد الفيشاوي الممثل حديث السن المثير للجدل بتعليقاته العفوية غير المعتادة، أو شيرين المطربة المعروفة صاحبة الرصيد أيضًا من التعليقات التي يعتبرها البعض صادمة.

أتت الوقائع السابقة لتُضاف إلى رصيد طويل من المقاضاة في قضايا مختلفة مرتبطة بالنشر والتعبير عن الرأي، بعضها وصل حد صدور أحكام قضائية بالسجن مثل قضية الروائي أحمد ناجي، والباحث إسلام البحيري، والكاتبة فاطمة ناعوت، والمنتجة السينمائية رنا السبكي. وفي وقت تتحوّل فيه هواجس الدفاع عن الرموز والشخصيات التاريخية، إلى تشريعات يناقشها البرلمان. ليظل سؤال «لماذا يذهب الكلام إلى المحكمة؟» مطروحًا، وملحًا ربما أكثر من ذي قبل.

«الآباء المُحبطون» وفقدان السيطرة

تستخدم ريم سعد، أستاذ الأنثروبولوجي بالجامعة الأمريكية في القاهرة، تعبير «الآباء المحبطين» لوصف مَن لديهم حالة من الفزع والإحساس بالحاجة إلى الدفاع عن «الثوابت المهددة».

ترى ريم أن الأمر ربما يكون مرتبطًا بتغير عميق في المجتمع يصل إلى مستوى الأسرة نفسها، مضيفة: «هناك أزمة بطريركية تظهر في الاستخدام المستمر للخطاب الأبوي والعائلي في الخطابات السائدة حاليًا».

تشير ريم إلى الاستخدام المتزايد من قِبل رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، والمحافظين، ومعظم المسؤولين إلى خطاب أبوي في حديثهم مع «الشعب».

تشرح ريم: «هناك إحساس لدى الآباء، سواء الآباء البيولوجيين أو المسؤولين عن النظام البطريركي في المجتمع عمومًا بأنهم فقدوا السيطرة. ولذلك يظهر من يقدمون هذه البلاغات كآباء محبطين بسبب فقدانهم السيطرة على ما يحدث في محيط سيطرتهم، يتقاطع ذلك بالطبع مع طرق الحكم. هناك تدريب دائم لعضلات السلطة في كافة المجالات لاستعادة تلك السيطرة المفقودة».

يُعمّق الإحساس بالسيطرة المفقودة لدى «الأباء المحبطين» التغيّر المتسارع للمفاهيم والتفاوت الجيلي الواضح، بحسب ريم، التي تقول: «الآثار الناتجة عن الثورة عميقة جدًا، وتظهر بشكل أكبر في التصادم بين الأجيال المختلفة داخل البيت الواحد، وكثيرًا ما نسمع عبارات من نوعية (محدش فاهم حاجة والبلد إتجننت)».

تلتقط ملك رشدي، أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية، الخيط نفسه فتقول: «هناك نسبة كبيرة من الشباب تصرفاتهم غير مفهومة ولا متوقعة لآبائهم، حتى وسط أكثر الدوائر محافظة».

ترى ملك أن عدم القدرة على التوقع أو الفهم لدى «الآباء»، سواءً كانوا آباء بيولوجيين أو ممثلين للسلطة الأبوية في المجتمع بشكل عام، تولّد إحساس بعدم اليقين والخوف الدائم من فقدان السيطرة، خاصة مع حالة التحدي الدائم لمنظومة الأخلاق والقيم السائدة المعتادة.

تشير ملك إلى تقرير منشور بإحدى الوسائل الإعلامية عن أنماط مختلفة من تحدي المعتاد لدى شباب بأشياء بسيطة مرتبطة بأجسادهم مثل «إطالة شعورهم أو رسم تاتو على أجسامهم التي تتحوّل إلى ساحة للتعبير عن أنفسهم في ظل غلق كل مساحات الفضاء العام».

تختم ملك حديثها قائلة: «تصبح الطريقة الوحيدة للتعامل مع كل هذه المتغيرات غير المفهومة ولا المتوقعة من قِبل (الآباء) هي الحديث بمنطق (أنا لا أفهم ما تفعله لكنني أريدك أن تعود إلى النظام الذي اعتدناه)».

وكانت حالة من الفزع انتابت المشهد الإعلامي عقب رفع علم «قوس قزح»، المعروف كرمز لتنوع الهوية الجندرية، في حفل فرقة «مشروع ليلى» بـ «كايرو فيستفال سيتي» بالتجمع الخامس يوم 22 سبتمبر الماضي. فبينما تعمّد بعض الإعلاميين، والتغطيات الصحفية كذلك، إطلاق لفظ «شواذ» على «المثليين». وربط كثيرون بين ظهور علم «قوس قزح» و«مخططات لهدم الدولة وتقويض المجتمع»، فيما ذهب البعض الآخر إلى وصف «جماعة المثليين» بأنهم أخطر من «داعش» على مصر.

سرعان ما تحوّلت حالة الفزع الإعلامي إلى حملة أمنية ضد المشتبه في هويتهم الجنسية، وتجاوز عدد المقبوض عليهم 57 شخصًا صدرت أحكامًا ضد بعضهم بالحبس وصلت إلى ست سنوات. فيما يناقش البرلمان مشروع قانون لتجريم المثلية الجنسية.

تُعلّق ريم سعد على مثل هذه القوانين قائلة: «يتمّ التعامل مع القرارات والقوانين التي لها آثار اجتماعية على المدى المتوسط والبعيد باستهتار واستهانة، لا يسبقها دراسة لآثارها. وعادة ما لا يتمّ الالتفات إليها مثلما يحدث مع القرارات ذات الآثار الاقتصادية السلبية على المجتمع».

«الدولة تحمي أخلاق الأسرة»

«نصّت المادة العاشرة من الدستور على أن الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها. والحفاظ على الأسرة التي هي قوام المجتمع مُقدّم على الحفاظ على مساحات فرد أو طائفة [كلمة غير واضحة] لها تحصين نفسها من العقاب أو جعل أنفسهم بمأمن من العقوبات المقيدة للحرية بدعوى حرية الرأي والإبداع، فأي إبداع فيما سطره المتهم بكتابه من ألفاظ خادشة للحياء داعية إلى نشر الرذيلة والفجور».

السطور السابقة هي جزء من حيثيات حكم محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا بحبس الروائي أحمد ناجي سنتين بسبب نشر فصل من رواية «استخدام الحياة» بجريدة «أخبار الأدب». وكانت محكمة النقض قد ألغت الحكم السابق في مايو الماضي وقررت إعادة محاكمته أمام دائرة أخرى.

استندت محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا في حكمها على ناجي إلى ما رأته من دور مفروض على الدولة لحماية الأسرة، ورأت ذلك الدور مُقدّم على حرية التعبير التي تصدّت المحكمة إلى تقييم حدودها.

يُعلّق محمود عثمان، المحامي والباحث بمؤسسة «حرية الفكر والتعبير»، على الحكم قائلًا إن المحكمة تخطت دورها بتحديد أن حماية الأسرة مُقدّمة على حرية التعبير، وأنها بذلك قامت بعمل المحكمة الدستورية.

ما يهم هنا هو أن المحكمة وجدت أن حماية الأسرة وقيمها مُقدّم على حرية التعبير، وهو الأمر الذي تكرر في دعوى أخرى ضد المنتجة السينمائية رنا السبكي بسبب فيلم «ريجاتا»، حين قررت محكمة جنح الدقي حبس السبكي سنة مع كفالة مالية قدرها خمسة آلاف جنيه وغرامة عشرة آلاف جنيه بعد إدانتها بخدش الحياء العام من خلال إنتاجها للفيلم، وهي نفس التهمة التي وُجّهت إلى ناجي.

يرى عثمان أن هذه الأحكام تأتي بالتعارض مع المادة 76 من الدستور التي تنص على «حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك. […] ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، فيحدد القانون عقوباتها».

غير أن المواد الخاصة بالحبس في قضايا النشر والعلانية في قانون العقوبات المصري لم يتمّ تعديلها لتعكس ذلك التعديل الدستوري.

يقول عثمان إن النيابة والقضاء ما زالا يستخدمان نفس المواد التي يُفترض أنها أصبحت غير دستورية بعد إقرار دستور 2014، وترفض المحاكم الدفع بعدم دستورية هذه المواد. ويرى أن ذلك جزء أساسي من محاولة الدولة «فرض خطاب أخلاقي محدد على المجتمع».

في النهاية، ترى ملك رشدي أن «المجتمع انفجر انفجارًا عظيمًا منذ سبع سنوات، وكانت الطريقة الوحيدة لدى السلطة الأبوية للتعامل مع هذا الانفجار هي غلق المساحات المختلفة أمام تفاعلات هذا المجتمع باستخدام كل الطرق، غير أن ذلك لا يمنع استمرارها، هي فقط تحدث تحت السطح دون أن تراها السلطة أو تفهمها».

اعلان