Define your generation here. Generation What
الاسم: مواطن من شمال سيناء.. الحالة اﻷمنية: مشتبه به
 
 
أرشيفية - لقطة من فيديو "رسالة من سيناء" على يوتيوب
 

سبع ساعات على اﻷكثر يحتاجها المسافر من العريش للوصول إلى القاهرة، إلا أن خالد سلمان*، ابن مدينة الشيخ زويد، قضى ثمانية أيام لقطع هذه المسافة.

«ما دام من الشيخ زويد أو رفح يبقى هتنزل يعنى هتنزل»، كان هذا رد فرد اﻷمن في أحد الكمائن الثابتة على الطريق الدولي «العريش-القنطرة» حينما استفسر منه سلمان عن سبب طلبه النزول من السيارة التي كان يستقلها، قبل أن يتم اقتياده إلى قسم شرطة قريب.

بعد أربع سنوات من بدايتها، لم تقتصر معاناة أبناء شمال سيناء على التعايش مع «الحرب على الإرهاب» التي عصفت بمدنهم وحياتهم، إذ أصبحت أصولهم بمثابة تهمة مسبقة قد تتسبب في احتجاز صاحبها في السجن أيامًا أو أشهر.

كانت تلك هي المرة الخامسة التي يتمّ توقيف سلمان فيها، «كل مرة يلاقوا في البطاقة الشيخ زويد يعتقلوني»، ويستكمل: «معظم أبناء الشيخ زويد ورفح أصبحوا نزلاء دائمين على المقرات الشرطية والعسكرية».

ثمانية أيام قضاها ابن الشيخ زويد في حجز أحد أقسام الشرطة في مدينة بئر العبد، «كنت داخل غرفة صغيرة فيها قرابة الـ 40 فردًا، منهم أطفال حديثي السن ليس معهم هويات شخصية، ورجال فوق الـ 60 سنة، كلهم مشتبه فيهم ﻷنهم من رفح أو الشيخ زويد».

«طوال فترة الاعتقال كمشتبه لا أحد يعلم عنك شيئًا، حتى لو بقيت سنة كاملة، إلا إذا خرج أحد ممَن كانوا معك في الغرفة وتواصل مع أهلك»، يوضح سلمان أن الخروج ليس مرتبطًا بتحقيقات رسمية تجريها اﻷجهزة اﻷمنية، «مصير جميع المعتقلين تحدده لجنة المناديب».

«المناديب» هو أحد أسماء الأفراد المدنيين الذين يتعاون معهم اﻷمن تحت اسم «فرقة الموت»، فيما يعرفهم السيناويون بـ «الصحوات» أو «البشمرجة»، والذين أكد أكثر من مصدر أن معظمهم من الخارجين على القانون والمسجلين أمنيًا، ويكون دورهم اﻷهم أثناء حملات الأجهزة اﻷمنية؛ للتعرف على المشتبه بهم، باعتبارهم أكثر دراية بالمكان والسكان وطبيعة اﻷرض.

يستكمل سلمان: «بيغموا عنينا وندخل واحد ورا التاني على المناديب، بيسألونا: اسمك، ساكن وين، شغال إيش، تعرف فُلان؟ وأسئلة على هذه الشاكلة»، وبحسب ما قال، إذا تعرف المناديب على شخص كان بينه وبين أحدهم مشكلة قديمة فهو معرض للبقاء في السجن لفترات طويلة.

نشر مركز «بروكنجز الدوحة»، في أبريل الماضي، بحثًا بعنوان «إلغاء طابع الأمننة في مكافحة الإرهاب في شبه جزيرة سيناء»، أكد على أن  استراتيجيات مكافحة الإرهاب التي تنتهجها الدولة المصرية تعامل البدو باعتبارهم جزءًا من مشكلة سيناء الأمنية، وكان من ضمن ما دللت به الباحثة على ذلك أنه «بموجب قانون الطوارئ في مصر أوقفت القوى الأمنية عشوائيًا المئات من سكان سيناء، وغالبًا ما عذبتهم وتركتهم يقبعون في السجون… دون أن توجه لهم أي تهمة».

التوقيف على أساس الهوية لا يقتصر على الكمائن الموجودة على طرق السفر فقط، بل يُحدث أحيانًا داخل مدن شمال سيناء نفسها.

هربًا من خطورة الاشتباكات الدائرة بين المسلحين وقوات اﻷمن، اضطر علي خليل، في نهايات 2016، لهجر قريته التابعة لرفح، والانتقال للعريش، تحديدًا حي المساعيد، ليبدأ حياة جديدة يعمل فيها في أحد متاجر المدينة.

في فبراير 2017، وأثناء إحدى الحملات اﻷمنية على المدينة، كان خليل في طريقه لشراء طعام الإفطار للعاملين في المتجر، وبعد أن طوّقت الحملة أحد المربعات السكنية في الحي، فوجئ الشاب بضابط يقف بجوار مدرعة يستوقفه ويطلب الاطلاع على هويته الشخصية، ليكتفي بأسئلة مثل: «انت شغال إيه، وساكن فين في العريش؟»، قبل أن يتركه يمضي في طريقه.

يتذكر: «مشيت كام متر، وفوجئت بضابط آخر بينده عليّا، وقالّي: فين بطاقتك؟، وعندما نظر فيها، قالّي: اركب عربية الترحيلات، قُلت له: الباشا قالّي أمشي، ليرد: ما دام من رفح يبقى هتيجي معانا».

أكثر من ثلاث ساعات قضاها الشاب داخل سيارة الترحيلات، «بين الحين والآخر كان الجنود يجلبون الشباب والرجال المشتبه بهم إلى السيارة، كان معظمهم من البدو أهالي الشيخ زويد ورفح، وبمجرد أن امتلأت السيارة تحركت بنا إلى قسم ثالث العريش».

ثلاثة أيام قضاها خليل في قسم ثالث العريش، الذي يؤكد أن معظم المحتجزين فيه أثناء وجوده كانوا في مقتبل العمر، وهوياتهم تعود لرفح والشيخ زويد. «كان الكل يجلس في انتظار مصيره، لا أحد يعلم عنا شيئًا، حكايات من سبقونا مع الاعتقال والاختفاء لسنوات أو التصفية تراود الجميع وتستحوذ على تفكيرنا».

يتذكر، أيضًا، أن طوال فترة احتجازهم كمشتبه بهم لم يصرف لهم وجبات طعام، «كل واحد بيشتري بفلوسه اللي يعيشه ويخليه يكمل اليوم، وطبعا كل شيء غالي، حتى كوباية الشاي بتوصل لـ 10 جنيه».

بعد تحقيق لم يستغرق 10 دقائق كاملة، بعد ثلاثة أيام من احتجازه، أُطلق سراح خليل، يقول إن أول ما خطر في باله عند خروجه كان ضرورة الرحيل، «لم يعد لنا مكان في وطننا، علينا أن نرحل».

في حين لا يعد استهداف أبناء شمال سيناء ووضعهم في دائرة الاشتباه أمرًا جديدًا؛ في منتصف أكتوبر 2004 تمّ استهداف فندق في طابا بهجمة إرهابية، بخلاف هجمات على منتجعَيْن آخرين في نويبع بجنوب سيناء، مما أسفر عن مقتل أكثر من 35 شخصًا من بينهم سياح إسرائيليين، لاحقًا، أعلنت وزارة الداخلية أن منفذي الحادث هم تسعة أفراد من شمال سيناء، ألقت القبض على خمسة منهم، وبقي اثنين هاربين، فيما قتل اثنين آخرين في التفجيرات.

في رد فعل سريع، بدأت قوات اﻷمن في أكتوبر 2004 سلسلة من الحملات اﻷمنية على مدن شمال سيناء الثلاثة الكبرى؛ العريش، والشيخ زويد، ورفح، استمرت الحملات حتى يناير من العام التالي، وتمّ خلالها اعتقال أعداد كبيرة من السكان بشكل عشوائي، بحسب تقرير نشرته منظمة «هيومان رايتس ووتش» في 2005، قدّر عدد المعتقلين حينئذ بقرابة 3000 شخص.

بعدما بدأت الدولة المصرية حربها على الإرهاب، المتركزة بشكل أساسي في مدن وقرى شمال سيناء، أصبح السيناويون يعيشون في ظروف مشابهة لما ذكره تقرير «هيومان رايتس ووتش» عن اﻷوضاع في 2005، من اعتقال الحملات اﻷمنية للرجال والشباب بشكل عشوائي، حسبما قال أحد شهود العيان لما جرى في الشيخ زويد بذلك الوقت، واحتجازهم لمدد طويلة دون توجيه تهم محددة، والتحقيق معهم لفترات طويلة قبل الإفراج عن بعضهم، وهو ما كان يتمّ في ظل شَح معلوماتي شديد ينعكس على تغطية وسائل الإعلام.

نتيجة لتردي اﻷوضاع المعيشية واﻷمنية الناتجة عن المواجهات في شمال سيناء، فضلًا عن بداية تنفيذ المنطقة العازلة على الحدود مع قطاع غزة، بدأ سكان رفح والشيخ زويد موجات من النزوح عن مدينتيهما، ليتجمع عدد كبير من تلك اﻷسر داخل مدينة العريش، خاصة في منطقة المساعيد، ومناطق أخرى على أطراف المدينة.

يتحدث عادل ربيع، أحد أبناء رفح القاطنين حاليًا في المساعيد، لـ «مدى مصر» عن الحذر الشديد الذي أصبح يحكم تحركاتهم في العريش: «عندما نريد الذهاب لوسط المدينة، نتصل بأقارب لنا في أماكن متفرقة لنتأكد من عدم وجود حملات أمنية، ونحاول أن نطمئن أن الطرقات مستقرة أمنيًا، غالبًا نستقل المواصلات العامة المزدحمة بالأهالي من كل الجهات للهروب من التدقيقات الأمنية والتوقيف العشوائي، وبشكل عام لا نترك محيط مسكنا إلا في حالات ضيقة للغاية». ويؤكد: «الأمن يستهدفنا بشكل مباشر وعلينا أن نكون دائمًا على حذر، بطاقاتنا الشخصية أصبحت مصدر خطر دائم علينا».

غير أنه يشير إلى أن الخطر اﻷكبر يكون في حال اضطرارهم للسفر خارج شمال سيناء، وهو ما يحدث غالبًا لظروف مرض أشخاص لا تكفي الإمكانات الطبية في المدينة أو المحافظة لعلاجهم.

ويقول ربيع إن استخدام الطريق الدولي «العريش-القنطرة» يعني المرور على عدد من الكمائن اﻷمنية الثابتة، «في كل كمين لازم يتمّ استجوابنا: رايح فين، وهتعمل إيه هناك؟ وأحيانًا يتمّ إنزالنا من سيارات الأجرة واستبقائها بالساعات للاستعلام عنّا، ما دفع بعض السائقين، خاصة في موقف القنطرة شرق، لرفض نقل أبناء الشيخ زويد ورفح قائلين بوضوح: مش عايزين مشاكل على الطريق ولا عايزين نتعطل كتير».

إن كان طريق الخروج من شمال سيناء صعبٌ على أبنائها، المشتبه فيهم بشكل عام، فالحال خارج المحافظة لا يختلف؛ تتسع دائرة الاشتباه، ولا فرق بين أبناء الشيخ زويد أو رفح أو العريش.

في يناير الماضي، خرجت ست سيارات ميكروباص من القاهرة تقل شبابًا في رحلة نظمها «جروب» مختص بالرحلات على فيسبوك، إلى عدة مناطق بجنوب سيناء، وحين وصلوا إلى أحد الكمائن الأمنية القريبة من مدينة نويبع، تمّ إيقاف السيارات لوجود سبعة شباب محل إقامتهم العريش.

تمّ إنزال العرايشية السبعة فقط للاستعلام عنهم أمنيًا، واستجوابهم، لتقضي الرحلة بأكملها عدة ساعات بجوار الكمين في انتظارهم.

«انتو إيه اللي جايبكم جنوب سيناء؟»، كان هذا أحد أسئلة ضابط الكمين للشباب المستوقفين، حسبما يتذكر أكرم شكري، أحد العرايشية السبع، الذي يستكمل: «كان السؤال غريبًا، ولم نجد إجابة له بخلاف أننا مصريون حضرنا ضمن رحلة لعدة أيام لزيارة أماكن بالمحافظة».

بعد ساعات سمح الضابط للشباب السبعة، ولباقي الرحلة، بالمرور، غير أن الموقف تكرر قرب سانت كاترين، حين تمّ جمع بطاقات هوية كل من في الرحلة في أحد الكمائن اﻷمنية، بعد دقائق أعيدت بطاقات الجميع عدا العرايشية، الذين سمح لهم بالدخول مع الرحلة، قبل أن يعودوا إلى الكمين في اليوم التالي لتسلم بطاقاتهم بعد الاستعلام عنهم.

المرة الثالثة كانت حين وصلوا إلى كمين أمني قبل مدينة طابا، وجمع أحد الجنود هويات مَن في الرحلة، وبعد دقائق حضر الضابط المسؤول عن الكمين قائلًا: «بتوع شمال سينا ينزلوا، والعربيات كلها تركن على جنب»، ليتكرر الموقف الذي واجهوه في الكمين القريب من نويبع.

فيما يؤكد شكري أنهم لم يكونوا ضد إجراءات التدقيق التي جرت معهم، ولكن ما أزعجهم كان الانتقاء والتمييز في التعامل مع أبناء شمال سيناء تحديدًا، «شعرنا أننا لسنا في وطننا».

«آسفين، ما بنسكنش حد من شمال سيناء»، كان هذا هو الرد الذي تلقاه سمير جودة، ابن العريش اﻷربعيني، من موظف الاستقبال في أحد فنادق وسط القاهرة في يونيو الماضي.

كان جودة في القاهرة لإنهاء مصالح شخصية، وحين تأخّر الوقت قرر قضاء ليلته في أحد الفنادق تفاديًا للوصول للعريش في ساعات حظر التجوال، بدأ في إجراءات حجز الغرفة، وبمجرد أن نظر موظف الاستقبال في بطاقته الشخصية بادره بالرد السابق، وحين سأله عن السبب قال ببساطة: «تعليمات من اﻷمن، الموضوع خارج عن إرادتنا». ربما يكون رفض تسكين جودة قد جنبه التعرض لمواقف أكثر قسوة.

في أغسطس الماضي، وصل محمد الشاهد، وهو شاب من العريش، إلى القاهرة بصحبة صديق له لإنهاء مصالح شخصية تخص كل منهما، بعد الانتهاء منها علما أن المكان الذي كان مقررًا أن يبيتا فيه لم يعد متاحًا لظروف تخص صاحبه. ويقول الشاهد: «اضطررنا للتوجه إلى أحد فنادق وسط البلد، في محيط ميدان التحرير تحديدًا، رحب بنا موظف الاستقبال وأطلعنا على الغرف المتاحة، وحين طلب منا بطاقاتنا الشخصية، ظل يتفحصها طويلًا بشكل لافت، وكأنه وجد فيها شيئًا غير مرغوب فيه».

يعتقد الشاهد أن «الموظف شعر بالإحراج أن يرفض تسكيننا وأنه قبل على مضض»، ويتابع: «دخلنا الغرفة وبعد نصف ساعة طرق أحدهم بابنا، خرجنا لنجد موظف الاستقبال بصحبة رجل يحمل سلاحًا شخصيًا، قال الموظف إن هناك إجراءً أمنيًا، والباشا عايز يتكلم معاكم شوية. ودون أن يُعَرِّف الباشا نفسه أو رتبته، جلس معنا وبدأ في توجيه الأسئلة لكل منا على حِدة: خرجت من العريش الساعة كام، ووصلت الساعة كام؟ وجايين تعملوا إيه، وإيه الأماكن اللي روحتوها من ساعة وصولكم، وشغالين إيه، وهترجعوا امتى؟».

يقول إن ما حدث معهم كان تحقيقًا كاملًا، دوَّن الرجل كل ما قالوه في أوراق كان يحملها، وأرفق معها نسخًا مصورة من بطاقاتهم الشخصية.

بعد رحيل المحقق، ظل الشابان في الغرفة دون نوم حتى الصباح، منتظرين مداهمة أمنية، قبل أن ينهي بزوغ الصباح انتظارهم، ليغادروا الغرفة، والفندق، والقاهرة بأكملها عائدين للعريش.

*تم تغيير الأسماء الواردة في التقرير حفاظًا على سلامة المصادر.

اعلان
 
 
مراد حجازي