Define your generation here. Generation What

هل الفلسطينيون «يهود اليهود»؟

تحتاج أي جماعة بشرية لمخيّلة معينة، يجري فيها إنتاج وتداول صور ومجازات ورؤى عن ذاتها وعلاقتها بالآخرين وتصورها لماضيها وحاضرها.

تلك المخيلة تحضر على شكل روايات شفهية أو أشعار أو سرديات مكتوبة أو مرئية كالرواية والقصة والسينما والمسلسلات، أو أي أعمال فنية وفلسفية أخرى. وسواء كانت تلك الجماعة دولة قومية مستقلة، أم شعبًا محتلًا، أم عشيرة، أم غيرها من أشكال التجمع البشري، فلا غنى لها عن مجموعة الأفكار والتصورات التي تمكّنها من «تخيّل وجودها» ككتلة متسقة متناغمة، كما بيّن الباحث الأمريكي بندكت أندرسون في دراسته الشهيرة حول تشكّل القوميات الحديثة.

وكغيرهم من الشعوب، ففي مسعاهم لمقاربة نكبتهم وصراعهم مع العدو الإسرائيلي، أنتج الفلسطينيون سرديات ومجازات عديدة، منها مجاز تأملي مثير للغاية شكل شعارًا لعدد كبير من المثقفين الفلسطينيين في علاقتهم بذاتهم وبالإسرائيلي. ويرتكز هذا المجاز على أن الفلسطينيين هم في الحقيقة «يهود اليهود». فكما أن اليهود كانوا ضحية النازيين في الحرب العالمية الثانية، ومشكلة أوروبا المسيحية كلها على مدى قرون، فإن الفلسطينيين أصبحوا يهودًا، أي ضحايا، لكن هذه المرة لليهود ذاتهم.

كما أن اليهود كانوا ضحية النازيين، فإن الفلسطينيين أصبحوا يهودًا، أي ضحايا، لكن هذه المرة لليهود ذاتهم

هذه الفكرة، التي يُعبَّر عنها في أحيان أخرى بالقول إن «الفلسطينيين هم ضحية الضحية»، تهدف لطرح تصور تاريخي وشعري معيّن للمأساة الفلسطينية، أساسه حجم المفارقة التي يثيرها الصراع الفلسطيني الصهيوني، فاليهود الذين كانوا دوما ضحية أصبحوا يمارسون ضد الفلسطينيين البشاعات ذاتها التي مورست ضدهم. والفلسطينيون بطرحهم هذا، يريدون أن يقولوا للعالم إن الصهيونية لم تحل المشكلة اليهودية كما وعدت، بل خلقت «يهودًا» آخرين عبر استعمار فلسطين، وتحويل أهلها لـ«شتات» حول العالم. الفلسطينيون يصبحون إذن، وفق هذه الرؤية، ورثة اليهود في موقع الضحية.

تعززت هذه السردية بشكل أساسي في كتابات محمود درويش، الذي قد يكون أول من صاغها فلسطينيًا، وهو بالتأكيد أبرز من عبّر عنها في شعره ونثره، وتبعه في ذلك عدد هائل من الفلسطينيين والعرب.

لا شك أن هذه الرؤية تحمل أهدافًا نبيلة للغاية، لعل أبرزها قدرة الفلسطيني على التعاطف حتى مع عدوه، أو مع ماضي عدوه على الأقل، وتأكيده على الجامع المشترك بين الفلسطيني واليهودي، في محاولة لتذكير الإسرائيلي، والعالم عبره، بهول المأساة التي لحقت بالفلسطينيين. لكنني، في الوقت ذاته، أرى أن هذه الرؤية للذات الفلسطينية شديدة الخطورة، تختزل القضية الفلسطينية واليهود معًا بطريقة تسيء للمأساة الفلسطينية، وتشوّه طبيعة الصراع الفلسطيني الصهيوني. هي فكرة شعرية هائلة بكل تأكيد، وحضورها على يد درويش منحها طاقة جمالية أخاذة، لكنها للأسف تزيّف، بشكل غير مقصود طبعًا، الفلسطينيين، وتتواطأ، لا شعوريًا، مع السردية الإسرائيلية نفسها.

لا شك أن اليهود، وخاصة منذ نشوء الدولة القومية في أوروبا، قد تعرضوا لشتى أشكال الظلم والاضطهاد الذي وصل لذروته في الهولوكوست والإبادة التي تعرضوا لها على يد النازية. لكن هذا شيء، وتحويل اليهود إلى «الضحية»، بألف ولام التعريف، شيء آخر

إن النظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم «يهود اليهود» يضفي على اليهود قيمة أساسية، باعتبارهم رمزًا للضحية الكبرى في التاريخ، وهي ذات السردية التي استخدمتها الصهيونية للترويج لذاتها والتبرير لمشروعها.

أرجو طبعًا ألا يُفهم كلامي باعتباره تقليلًا من حجم ما عاناه اليهود تاريخيًا، فلا شك أن اليهود، وخاصة منذ نشوء الدولة القومية في أوروبا، قد تعرضوا لشتى أشكال الظلم والاضطهاد الذي وصل لذروته في الهولوكوست والإبادة التي تعرضوا لها على يد النازية. لكن هذا شيء، وتحويل اليهود إلى «الضحية»، بألف ولام التعريف، شيء آخر.

إن التاريخ مليء بالضحايا، والتعامل مع هؤلاء الضحايا باعتبارهم درجات في سلم المعاناة البشرية مسيء ومهين للضحايا جميعهم. اليهود في أوروبا ضحايا، والسود في أمريكا ضحايا، والسكان الأصليون في أمريكا ضحايا، والسود الجنوب إفريقيون ضحايا، والجزائريون تحت الاستعمار الفرنسي، والفيتناميون، والقائمة لا تنتهي.

هل ثمة ضحية كبرى؟

الضحايا لا يتنافسون فيما بينهم، فأي مأساة بشرية ذات سياق معين لن يشعر به تمامًا إلا من عاناه وخبره. وكل ضحية تشعر أنها، في لحظة مأساتها، أعظم المعذبين في الأرض.

أدرك أن حضور وحجم الهولوكوست في الذاكرة البشرية بعد الحرب العالمية الثانية يفوق حجم غيره من المآسي، لكن هذا الحضور له تاريخ وسياق وأسباب معينة في أوروبا وأمريكا كشفه الباحثون في شأن الهولوكوست وتأويلاته، مثل بيتر نوفيك ونورمان فينكلستاين وسواهما. وسردية «الفلسطينيون يهود اليهود» تؤيد بطريقة غير مباشرة هذا الترتيب الطبقي للضحايا. لماذا لا يقال مثلًا إن الفلسطينيون هم الجزائريون الجدد، أو إنهم سكان أمريكا الأصليون الجدد، أو الجنوب إفريقيون الجدد، أو حتى سود العالم الجدد؟

إن المعنى المتضمن لعبارة «ضحية الضحية» يقوم على اختزال اليهود تاريخيًا في دور «الضحية»، وهي مسألة خطيرة تضفي جانبًا جوهرانيًا على شعب متعدد الأعراق والقوميات والتجارب التاريخية

إن المعنى المتضمن لعبارة «ضحية الضحية» يقوم على اختزال اليهود تاريخيًا في دور «الضحية»، وهي مسألة خطيرة تضفي جانبًا جوهرانيًا على شعب متعدد الأعراق والقوميات والتجارب التاريخية، وتتعامل معه باعتباره كلًا متجانسًا متماثلًا تلخصه فكرة «الضحية». صحيح أن هذه الرؤية تهدف في النهاية للتعاطف مع اليهود ورفض أشكال اضطهادهم  ومعاداتهم، وهذا موقف أخلاقي رفيع في حد ذاته، لكنها في الحقيقة قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال معاداة السامية. إن أشكال التعامل مع اليهود باعتبارهم حالة استثنائية، سواء كانوا استثناء في الشر كما يرى أعداء السامية، أو استثناء في الذكاء، أو استثناء في التعرض للظلم والاضطهاد، تتشارك مع أعداء السامية في النهاية النظر إلى اليهود بوصفهم جنسًا مختلفًا من البشر، فقط لكونهم يهودًا.

من جانب آخر، فإن رؤية الفلسطينيين بوصفهم «يهود اليهود» تنزع الجانب السياسي من الصراع مع الصهيونية، لتحوّله إلى صراع بين جماعتين بشريتين هما العرب واليهود.

لننظر إلى المقطع التالي من «ذاكرة للنسيان»، الذي يقيم فيه درويش حوارًا، حقيقيًا أو متخيلًا، مع حبيبته الإسرائيلية:

  • خذني إلى استراليا
  • خذيني إلى القدس
  • لا أستطيع
  • ولا أستطيع الرجوع إلى حيفا. بماذا تحلمين عادة؟
  • عادة لا أحلم. وأنت بماذا تحلم؟
  • بأن أتوقف عن حبك
  • هل تحبني؟
  • لا. لا أحبك. هل تعلمين أن أمك سارة قد شردت أمي هاجر في الصحراء؟

درويش: هل تعلمين أن أمك سارة قد شردت أمي هاجر في الصحراء؟

إن استدعاء شخصيات من التاريخ العربي والعبري في سياق الحديث عن شخصيات فلسطينية وإسرائيلية، كما يفعل درويش هنا، يقيم تواصلًا زائًفا بين الصراع الفلسطيني الصهيوني وتاريخ علاقات العرب واليهود في الماضي، وكأن الأول مجرد امتداد للثاني. والمجازات، المدهشة جماليًا، التي يكثر درويش من خلقها في هذا السياق ساهمت بشكل كبير في تعزيز هذه الصورة غير الحقيقية للصراع.

المشكلة مع هذه التصورات أنها تغيّب الجانب الاستعماري للحركة الصهيونية، وتتعامل مع عدوانها على العرب الفلسطينيين بوصفه إعادة بعث أحقاد تاريخية يهودية عربية. تتناسى هذه الرؤية أن الصهيونية حركة قومية استعمارية تتشابه مع حركات قومية أخرى قامت على أساس إحلال شعب مكان شعب آخر بالقوة، واستعانت لتحقيق أهدافها بما ناسبها من سرديات دينية أو عرقية.

الصراع مع الصهيونية صراع سياسي في أساسه ولبّه، كما كان الصراع مع الاستعمار الفرنسي للجزائر صراعًا سياسيًا كذلك. الصهيونية استعمار صادف أن كان ممارسوه يهودًا، بغض النظر عن استخدام مؤسسي الصهيونية لأصول توراتية لتبرير استعمارهم. وتصوير الصراع بوصفه «صراعًا بين ذاكرتين» على الأرض، كما يقول درويش في موضع آخر من الكتاب نفسه، لا يعدو أن يكون تبنيًا لرؤية الصهيونية لذاتها باعتبارها «إعادة الشعب اليهودي لأرضه وإحياء لذاكرته». وبدلًا من تعزيز الفلسطينيين لهذه الفكرة، وإن في معرض نقضها، فإن الأولى بهم رفضها من الأساس باعتبارها تزييفًا لطبيعة الصراع.

ما يجب التذكير به كذلك هو أن الصهيونية كأيديولوجيا، والاستيطان اليهودي في فلسطين، بدآ قبل الهولوكوست بعقود، وأن الممارسات الصهيونية على أرض فلسطين قبل إنشاء دولة إسرائيل تتشابه في ملامح كثيرة مع ممارسات قوميات استعمارية أخرى

لا نحتاج هنا للتذكير بأن الصهيونية استغلت صورة اليهودي الضحية لتبرّر أيديولوجيتها ومشروعها الاستعماري في فلسطين، وتعاملت مع الهولوكوست باعتباره كارتًا أبيض يمنح اليهود الحق في إيجاد حل لمشكلتهم ووضع حد للظلم الذي تعرض له اليهود، ولو على حساب شعب آخر. لكن ما يجب التذكير به كذلك هو أن الصهيونية كأيديولوجيا، والاستيطان اليهودي في فلسطين، بدآ قبل الهولوكوست بعقود، وأن الممارسات الصهيونية على أرض فلسطين قبل إنشاء دولة إسرائيل تتشابه في ملامح كثيرة مع ممارسات قوميات استعمارية أخرى في إفريقيا وآسيا.

إسرائيل دولة عنصرية أنشأها يهود. هذا صحيح. لكن يهودية مؤسسي الدولة مجرد مكون واحد من مكونات عديدة ساهمت في تشكيل الدولة وعقيدتها الصهيونية. والتركيز الذي نراه في فكرة «يهود اليهود» على الجانب اليهودي من إسرائيل والتعامل معه باعتباره بطاقة التعريف لهذه الدولة يتقاطع مع ما تريد إسرائيل نفسها ترويجه عن ذاتها باعتبارها مشروعًا يهوديًا لحل مأساة اليهود، في تغييبٍ كاملٍ للطابع الاستعماري العنصري الأوروبي الأبيض لتاريخ الحركة الصهيونية والدولة التي نتجت عنها.

كلا. الفلسطينيون ليسوا ضحية الضحية، ليسوا يهود اليهود. هم ضحية لكتلة استعمارية أوروبية تصادف أن كانت يهودية. وعصابات الهاجانا وإرجون التي مارست التطهير العرقي ضد الفلسطينيين ليست ضحية. بن جوريون ورفاقه ليسوا ضحايا، كي يكون الفلسطينيون ضحايا الضحايا. المكوّن اليهودي لهؤلاء المجرمين لا يشكل الطابع الوحيد، ولا حتى الأساسي، لشخصياتهم وأفعالهم. والسردية الفلسطينية لا يجب أن ترى نفسها في صراع مع سردية يهودية على أرض فلسطين، بل مع سردية صهيونية متشعبة الخلفيات والأقاويل الفلسفية والدينية والعرقية.

الفلسطينيون ضحايا بلا شك، لكن أعداءهم الصهاينة ليسوا ضحية. هذه خرافة حان وقت الانتهاء منها.

_________________

صورة الموضوع: عائد فلسطيني  يُلقى القبض عليه من قبل الإسرائيليين ويُفتّش معه عن سلاح

اعلان