التأهل لكأس العالم: تسييس الكرة في مصر

كان اليوم هو الثاني عشر من يونيو عام 1990، عندما انتفضت جموع الشعب المصري.

كنت واحدًا من هذه الجموع، رغم أن عمري لم يزد وقتها على العشر سنوات، عندما أطلق الحكم الإسباني إيميليو آلادرين صافرته ليحتسب ضربة جزاء لحسام حسن في الدقيقة 83 من مباراة مصر وهولندا، بعد أن كانت مصر مهزومة بنتيجة 1- صفر.

أذكر جيدًا كمَّ الأصوات الآتية من الشارع في ذلك الوقت، وكمَّ الخارجين للبلكونات لإطلاق الصفافير ابتهاجًا باحتساب ضربة الجزاء.

ثم جاء مجدي عبد الغني، وهدفه، ثم مباراة أيرلندا التي كانت سببًا في تغيير قوانين كرة القدم بعد الأداء الدفاعي العقيم، ثم مباراة إنجلترا التي أضعنا فيها فرصًا عديدة كانت كفيلة بتحقيق التعادل، أبرزها فرصة لجمال عبد الحميد، الذي وضع الكرة ببطء وبشكل غريب في يد بيتر شيلتون حارس مرمى إنجلترا في ذلك الوقت، وهو على بعد أقل من نصف متر من المرمى، وخسرت مصر مباراة إنجلترا 1-صفر.

بهذه النتيجة انتهت رحلة مصر في كأس العالم بإيطاليا عام 1990. بعدها، انتظرنا كمصريين بشكل عام، وكمشجعين لكرة القدم بشكل خاص، تأهل مصر مرة أخرى لكأس العالم، حتى تحقق هذا التأهل الشهر الماضي بعد غياب 28 عامًا.

جاء تأهل المنتخب المصري للمونديال ليضع الكرة في صدر المشهد على كل المستويات، بدءًا بفرحة الجماهير في الشوارع، وهوس الإعلام المرئي والمسموع والمقروء بكرة القدم، وانجذاب أعداد كبيرة من مختلف فئات الشعب للكرة، رغم أن هذه الفئات لم تكن يومًا من متابعي اللعبة، وانتهاء بالدولة، برموزها وهيئاتها، والتي بلورت خطابًا وطنيًا يرتكن على القيمة القومية لمنتخب كرة القدم المصري، وتحقيق إنجاز التأهل، والذي يعد أحد أبعاد سياق أشمل من الإنجازات.

إذا كانت الفرحة الجماهيرية بالتأهل لأكبر بطولة كرة قدم دولية أمرًا مفهومًا، وإذا كان اجتذاب قطاعات من الشعب غير مهتمة بكرة القدم، لتكون جزءًا من كتلة جماهير الكرة، أمرًا مفهومًا كذلك، بل ومتعارفًا عليه، وإذا كان حتى انشغال الإعلام بحدث، كتأهل منتخب قومي لنهائيات كأس العالم، يعد أيضًا أمرًا متعارفًا عليه، إلا أن غير المعتاد في الحالة المصرية كان شكل توظيف الإنجاز الرياضي.

يختلف التوظيف السياسي لكرة القدم في مصر عن النماذج المتعارف عليها دوليًا، فهو يتوجه بالأساس للداخل المصري وليس للسياق الدولي، بما يعني أن كرة القدم في مصر ليست أداة من أدوات القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدولة لتأمين حيز أكبر من المكانة الدولية

صحيح أن هذا التوظيف للرياضة أو استخدامها سياسيًا بشكل عام، ولكرة القدم بشكل خاص، كونها اللعبة الرياضية التي تحظى بالشعبية الأكبر بين كل اللعبات، ليس جديدًا على الدول والأنظمة السياسية، وصحيح أن استخدام كرة القدم، أو الرياضة بشكل عام، على المسرح الدولي، يُعد نمطًا من توظيف القوى الناعمة لخدمة مصالح الدولة، هو نمط متعارف عليه وتسعى إليه الدول بكل قوة، لما يحمله هذا التوظيف من مصالح سياسية واقتصادية وثقافية للدولة، ولكن التوظيف السياسي لكرة القدم في مصر يختلف بعض الشيء عن النماذج المتعارف عليها دوليًا، فهو يتوجه بالأساس للداخل المصري وليس للسياق الدولي، بما يعني أن كرة القدم في مصر ليست أداة من أدوات القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدولة لتأمين حيز أكبر من المكانة الدولية، كما تفعل كثير من الدول، وإنما يجري توظيفها بالأساس كأداة للتعامل المباشر مع السياق الداخلي وما يطرأ عليه من توترات، تكون الكرة أحيانًا خير سلاح لمواجهتها.

وفي واقع الأمر، فالاستخدام السياسي لكرة القدم ليس تقليدًا جديدًا في مصر، فلطالما تقاطعت الدولة مع كرة القدم في مصر في سياقات متعددة. ولعل الاستخدام السياسي لكرة القدم في مصر يطرح، وبقوة، فكرة تقسيم المجال الرياضي لعام وخاص؛ فالمجال الرياضي الخاص هو المجال الذي يحتوي على الجماهير واللاعبين والأجهزة الفنية وسائر أركان اللعبة، وهو مجال مدفوع بالشغف بكرة القدم في المقام الأول، ثم مجموعة من الآليات الأخرى، كالتنافسية والانتماء والفخر والشعور بالانتصار.

أما المجال الرياضي العام فهو ما تتجرد فيه كرة القدم، أو الرياضة بشكل عام، من كونها لعبة تنافسية تلتف حولها جماهير شغوفة، لتتحول إلى أداة لتحقيق مصالح متعددة على مستويات مختلفة.

في كل من المجالين تجد نخبًا مختلفة، ودوافع مختلفة لهذه النخب للتواجد في المجال الرياضي، وبالطبع أنماطًا مختلفة من التعبير عن هذه الدوافع.

ولكن ما حدث في مصر، بعد التأهل لكأس العالم، هو محاولة للمجال الخاص لاختراق المجال العام في سياق كرة القدم، لخلق مجال واحد يحوي نوعًا من التراتبية بين عناصر اللعبة من جماهير وصناعة، ومؤخرًا، دولة. ورغم أن الاستخدام السياسي لكرة القدم ليس جديدًا على مصر كما ذكرنا من قبل، إلا أن ثلاثية «الجماهير والدولة والصناعة»، هي ما تعد جديدة على سياق كرة القدم، خاصة بكل ما تحمله هذه الثلاثية من توترات في الفترة الحالية.

1- الدولة

لم تكن الدولة المصرية يومًا بعيدة عن مجال كرة القدم. فحتى وإن استُخدمت الكرة سياسيًا في أنظمة مختلفة وبطرق متعددة، إلا أن الدولة طالما تعاملت مع كرة القدم من منطلقين رئيسيين؛ الأول هو القدرة التعبوية للعبة وأثرها على الجماهير، وإمكانية الحشد على أرضيتها أو تحقيق شعبية سياسية من خلالها، وهو المنطلق الذي تظهر فيه الرموز السياسية في ملاعب الكرة، أو تلجأ فيه الدولة لرموز كرة القدم لإضفاء المزيد من الشعبية على النظام السياسي في أوقات انهيار شعبيته، أو أن تكرّم القياداتُ السياسية فرقَ كرة القدم، سواء بالبرق أو التصريح أو اللقاء المباشر احتفاء بإنجاز ما، حتى ولو كان هذا الإنجاز هو الحصول على المركز الثاني.

أما المنطلق الثاني فيرتكز بالأساس على استخدام كرة القدم في صناعة خطاب من الوطنية والانتماء والاصطفاف، وهو الخطاب الذي تجري صياغته في سياق مباريات منتخب مصر، ومباريات الفرق المصرية في البطولات القارية والعالمية، والتي تلعب باسم «مصر».

ورغم عدم استخدام الأندية في صياغة خطاب وطني في أغلب دول العالم، حيث تمثّل الأندية بالأساس جماهيرها، إلا أن الدولة المصرية وأجهزة الإعلام التابعة لها طالما استخدمت انتصارات الأندية في سياق وطني، لا علاقة له بالواقع الجماهيري لكرة القدم.

بالتالي، تتعامل الدولة المصرية مع كرة القدم كأداة في الأساس، استخدمها نظام مبارك كثيرًا في التواصل مع الجماهير، واستخدمها جمال مبارك في فترة ما لفرض نفسه على الساحة السياسية، ولنا في مباراة مصر والجزائر المقامة في السودان في 2009، بما تلاها من تبعات سياسية، العديد من الدروس حول كيفية استخدام نظام مبارك لكرة القدم.

وفي ظل سعي النظام الحالي لخلق حالة من الاصطفاف الوطني تعجز عن تحقيقها قرارات الحكومة، أو تمثيل مجلس النواب للشعب، أو العملية السياسية المؤسسية التي لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق المأمول منها، في سياق يُفترض أنه ديمقراطي، فقد لجأ النظام السياسي كالعادة لكرة القدم، وذلك على مستويات متعددة. فمن ناحية، أتاحت مراكز الشباب التابعة لوزارة الشباب والرياضة في يناير 2017، وأثناء إقامة بطولة الأمم الأفريقية، المباريات من خلال شاشات عملاقة للجمهور، بعد أن كانت البطولة مشفّرة.

تكريم فريق من قبل رئيس الدولة لحصوله على المركز الثاني يعد أمرًا فريدًا لا يحدث إلا في مصر

وبالفعل توافد الآلاف على هذه المراكز لمشاهدة المباريات، ومن ناحية أخرى، استقبل رئيس الجمهورية منتخب مصر بعد عودته من البطولة الأفريقية بالجابون حاصلًا على المركز الثاني، في تقليد غير متعارف عليه في كل دول العالم. ففي بعض الأحيان يكرَّم رؤساء الدول الفرق الرياضية الحاصلة على بطولات، ولكن تكريم فريق من قبل رئيس الدولة لحصوله على المركز الثاني يعد أمرًا فريدًا لا يحدث إلا في مصر.

كما كرر رئيس الدولة التكريم بعد تأهل المنتخب لكأس العالم في أكتوبر الماضي، متوجهًا للاعبين والجهاز الفني بالشكر لإسعاد الشعب المصري، ما لم يحدث في دول كثيرة تأهلت لكأس العالم، مثل السعودية أو صربيا أو بنما أو أيسلندا، علمًا أن كلًا من بنما وأيسلندا تتأهل لكأس العالم للمرة الأولى في تاريخها.

لسنا هنا بصدد إصدار حكم قيمة على الاستخدام السياسي لكرة القدم من قبل الدولة، ولكننا نسعى للفت الانتباه لحقيقة هذا الاستخدام وطبيعته.

بغض النظر عن الدوافع وتحليلاتها، تظل الحقيقة الراسخة هي لجوء الدولة المصرية لاستخدام كرة القدم كأداة سياسية

الجدل حول توظيف كرة القدم أو استخدامها سياسيًا جدل يطول شأنه، وتتفرع حُججه وتتنوع أرضياته، فهناك من يرى أن البراجماتية السياسية تُملي على أي نظام سياسي استخدام كل الفرص لكسب المزيد من الشعبية، وهناك من يرى أن التوظيف السياسي لكرة القدم من قبل الدولة هو سعي لخلق إطار إيجابي من التواصل بين الدولة وجمهور الكرة، خاصة أن جمهور الكرة به قطاع ضخم من الشباب الذي لا تزال الدولة تفتقر لآليات فاعلة للتواصل معه.

ولكن على النقيض من هاتين الرؤيتين، فهناك من يرى أن التوظيف السياسي لكرة القدم يعكس فشل الآليات المعتادة في زيادة شعبية النظام، كما أن هناك من يرى أن الاستخدام السياسي لكرة القدم به شيء من الابتزاز العاطفي لمشاعر الفرحة لدى قطاعات من الجمهور، والتي تسطو عليها الدولة بحجة مسؤوليتها عن تحقيق الإنجاز.

وبغض النظر عن الدوافع وتحليلاتها، تظل الحقيقة الراسخة هي لجوء الدولة المصرية لاستخدام كرة القدم كأداة سياسية.

2- الصناعة

تعني صناعة كرة القدم بالأساس الآليات والكيانات المسؤولة عن تحويل كرة القدم من لعبة رياضية داخل المستطيل الأخضر إلى مجال استثماري تحكمه لوائح وقوانين وعقود رعاية.

وتنقسم صناعة كرة القدم في مصر إلى شقين رئيسيين؛ الأول هو الاتحاد المصري لكرة القدم، والذي استقل قليلًا عن الدولة بموجب قانون الرياضة الجديد، كما استقوى مؤخرًا بالاتحاد الدولي لكرة القدم، عندما صرّح وزير الشباب والرياضة أن اتحاد الكرة عليه عقد انتخابات جديدة، كسائر الاتحادات الرياضية، التي باتت جمعياتها العمومية بحاجة لتوفيق أوضاعها بما يتفق مع قانون الرياضة الجديد.

أما الشق الثاني فهو الشركات التي ترعى اتحاد الكرة وفرق الكرة والبطولات المختلفة، وهو ما ذهب مؤخرًا إلى شركة واحدة وهي «بريزنتيشن»؛ الشركة التي ترعى اتحاد الكرة المصري، وبالتالي ترعى كل الفرق القومية في مختلف الأعمار، كما ترعى أيضًا بطولة الدوري العام وكأس مصر، وتمتلك حقوق بثهما وتسويقهما.

عندما توقف نشاط كرة القدم في أعقاب مذبحة بورسعيد في 2012، عانت صناعة كرة القدم كثيرًا، كما عانى الإعلام الرياضي على وجه الخصوص، الذي وجد نفسه فجأة لا يملك ما يقدمه في ظل توقف البطولة المحلية وفشل المنتخب المصري في التأهل للبطولات القارية

وتعطي شركة بريزنتيشن الحق في إذاعة البطولات لثلاث قنوات؛ قناة النيل للرياضة المملوكة للدولة، وقناة دي إم سي سبورت، إحدى قنوات شبكة دي إم سي المملوكة للمخابرات العامة، وقناة أون سبورت المملوكة لرجل الاعمال أحمد أبو هشيمة، أحد رموز النخبة الاقتصادية في مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013.

صناعة كرة القدم في مصر لديها مصالح راسخة تُقدّر بملايين الجنيهات، وبالتالي، تسعى هذه الصناعة لتوظيف كرة القدم لخدمة النظام السياسي، حفاظًا على مصالحها وضمانًا لاستمراريتها، خاصة في ظل التوترات التي دارت في مجال كرة القدم في مصر بين الدولة والصناعة في السنوات الأخيرة.

فعندما توقف نشاط كرة القدم في أعقاب مذبحة بورسعيد في 2012، عانت صناعة كرة القدم كثيرًا، كما عانى الإعلام الرياضي على وجه الخصوص، الذي وجد نفسه فجأة لا يملك ما يقدمه في ظل توقف البطولة المحلية وفشل المنتخب المصري في التأهل للبطولات القارية. ولم يكن هناك نشاط كروي في تلك الفترة سوى للنادي الأهلي الذي شارك في بطولة أفريقيا للأندية أبطال الدوري.

في تلك الفترة، نظّمت رموز الإعلام الرياضي العديد من المسيرات للمطالبة بعودة الدوري العام، حتى عاد الدوري دون جمهور، وبتراتبية في صناعة القرار وضعت موافقة أجهزة الأمن على إقامة المباريات في صدر المشهد قبل اللوائح والقوانين المنظمة للعبة، وأخلّت بمفاهيم العدل بين الأندية في سياق إقامة المباريات، من حيث أماكن إقامتها وأعداد الجماهير التي يُصرح لها بالدخول، فمثلًا، يمنع الأمن النادي المصري من اللعب في بورسعيد، كما يمنع إقامة لقاءات الأهلي والإسماعيلي في الإسماعيلية أو القاهرة، ولكنها تقام في استاد برج العرب بالإسكندرية، في حين يلعب نادي الزمالك مع الإسماعيلي في الإسماعيلية، وهو ما يخل بمبادئ تكافؤ الفرص والاستفادة من اللعب على الأرض ووسط الجمهور، وهي مبادئ منصوص عليها في اللوائح الدولية لكرة القدم.

تحوّلت بالتالي صناعة كرة القدم في مصر في السنوات الثلاث الأخيرة لأحد القطاعات الداعمة بشدة للدولة وللنظام السياسي، وسعت صناعة كرة القدم، وعلى رأسها الإعلام الرياضي الذي بات مُحتكَرًا من قبل طبقة من نخب النظام الاقتصادية، إلى تحقيق مصالح النظام السياسي في مجال كرة القدم.

كان على رأس هذه المصالح نزع البعد السياسي عن جماهير الكرة، والتي تكررت صداماتها مع قوات الأمن والدولة أكثر من مرة منذ عام 2011، وتحولت مدرجات كرة القدم في فترة من الفترات لمنصة لطرح الأفكار والشعارات السياسية، خاصة في ظل وجود كيانات لديها قدرة تنظيمية بين الجماهير كحركات الأولتراس.

وقد عمل الإعلام الرياضي، بكل طوائفه، على تشويه صورة حركات الأولتراس، والتأكيد على امتنانه لأجهزة الأمن التي سمحت بإقامة المباريات، وتكرار أن مجال كرة القدم ليس مجالًا قد تأخذ السياسة حيزًا منه، وهو ما لا يطبّقه الإعلام الرياضي على الدعم الواضح والمتكرر للدولة وأجهزتها الأمنية ونظامها السياسي، حيث يصبح تأييد الدولة «واجبًا وطنيًا لا يعكس أية توجهات سياسية»!

كما تعمل صناعة كرة القدم على نشر خطاب الاصطفاف الوطني من خلال الكرة، فيرتبط حب مصر بأحداث لا تمت للوطنية بصلة، فتجد الإعلام الرياضي يهلل للوطنية وحب مصر اللذين أظهرهما رئيس نادي الزمالك عندما وافق على تأجيل مباراة ما لـ24 ساعة حتى لا تتعارض مع مباراة للنادي الأهلي في البطولة الأفريقية، وهو ما لا يمت للوطنية، وإنما لحرص الشركات الراعية على عدم تعارض المباريات، حتى تتمكن من بيع أكبر كم ممكن من الإعلانات. ولكن صنّاع كرة القدم حريصون على تحويل الكثير من الأحداث في سياق اللعبة إلى رمزية وطنية.

3- الجماهير

لأسباب كثيرة، تُعد الجماهير في الوقت الحالي هي الضلع الأضعف في مثلث كرة القدم في مصر. ويصعب بالتأكيد الوصول لتقدير لعدد جماهير كرة القدم في مصر، ولكن مما لا شك فيه أننا نتحدث عن ملايين. وبالتالي، فمن المهم التفرقة بين عدد من الفئات أو القطاعات داخل جمهور كرة القدم في مصر. ورغم أن هناك العديد من الاختلافات بين جماهير الكرة، وهي الاختلافات التي قد تُصنَّف جماهير كرة القدم على أساسها لعدة فئات، ولكن تظل الفئتان الأشمل هما الجماهير المنظمة والجماهير غير المنظمة لكرة القدم.

الجماهير غير المنظمة للكرة فئة واسعة، تشمل الجماهير التي لا تشاهد سوى المباريات المهمة، والجماهير التي تتابع كل المباريات وتعرف أسماء اللاعبين، والجماهير التي تعاني مشقة الذهاب للمباريات في الاستاد، بدءًا من شراء التذاكر حتى السفر من محافظة لأخرى، والخضوع للتفتيش أكثر من مرة في هذه الرحلة.

الجماهير المنظمة هي تلك التي تنتمي لجماعات الأولتراس، وهي جماهير تنظّم نفسها بشكل أشبه بالنموذج التقليدي للحركات الاجتماعية

على الجانب الآخر، فالجماهير المنظمة هي تلك التي تنتمي لجماعات الأولتراس، وهي جماهير تنظّم نفسها بشكل أشبه بالنموذج التقليدي للحركات الاجتماعية، من حيث الاعتماد على العمل الجمعي، ووجود كوادر داخل حركات الأولتراس، والسعي لتوفير الموارد لصناعة أعلام ولافتات، والبحث عن تعبير واضح عن نفسها من خلال «الدخلات» في المباريات والأغاني وأناشيد التشجيع.

ولعل الفارق الرئيسي بين الجماهير المنظمة والجماهير غير المنظمة هي رؤية كل فئة منهما لمغزى وأسلوب تشجيع فريق كرة قدم.

تؤمن الجماهير المنظمة أن التشجيع يمثل نوعًا من الهوية، وتؤمن أن دورها في المدرجات هو التشجيع المتواصل لمدة تسعين دقيقة، فهي لا تذهب للاستاد لمشاهدة المباريات، ولكن لتشجيع الفريق الذي تنتمي له. كما تمتد أنشطة أعضاء روابط الأولتراس لحضور تدريبات الفرق التي يشجعونها، أو لاستقبال الفرق العائدة من خارج مصر بعد مباراة في المطار، أو حتى حضور مباريات النادي في ألعاب أخرى ككرة اليد أو كرة السلة أو الكرة الطائرة.

مشجّع الكرة غير المنظم يشاهد المباريات من خلال التليفزيون، وبالتالي لا يوجد لديه ربط بين مفهوم التشجيع واستخدام المساحة العامة مثلما هو الحال لدى المشجع المنظم

هذا كله لا يفعله مشجّع الكرة غير المنظم، والذي يشاهد المباريات من خلال التليفزيون، وبالتالي لا يوجد لديه ربط بين مفهوم التشجيع واستخدام المساحة العامة مثلما هو الحال لدى المشجع المنظم، كما أن الجمهور غير المنظم لا يتبنى قضايا خاصة بالفريق أو النادي، كدعم لاعب بعينه للعودة لمستواه أو الوقوف بجانب مرشح انتخابي.

وحتى عندما يذهب الجمهور غير المنظم للاستاد، فهو غير مرتبط ببقعة محددة منه، أو بأية ممارسات خاصة بحضور المباراة، كارتداء قميص الفريق، أو حفظ كلمات الأغاني والأهازيج، ما يعني أن التشجيع لدى الجمهور غير المنظم ليس عملية طقوسية، كما هو الحال بالنسبة للجمهور المنظم.

وتعاني جماهير الكرة بشكل عام، والجماهير المنظمة منها على وجه الخصوص، من عدد من التحديات في الفترة الحالية، تتعلق أساسًا بموقف الدولة من العمل الجماعي المُعتمد على التعبئة بكل أشكالها، وإعادة بناء تحالفات بين النخب في المجال الرياضي، وهي التحالفات التي تأتي كلها ضد فكرة التشجيع المنظم، وإضفاء أبعاد غير رياضية، أيًا كانت، على خطاب التشجيع في مدرجات كرة القدم.

فمن ناحية، أصدرت الدولة عددًا من التشريعات الكفيلة بتجريم التحرك الجماهيري، بدءًا من قانون التظاهر، مرورًا بقانون الإرهاب، وانتهاءً بقانون الرياضة، والذي جرّم مباشرة روابط المشجعين.

ومن ناحية أخرى، عملت مجالس إدارة الأندية على التضييق على حركات الأولتراس، فقام رئيس نادي الزمالك، على سبيل المثال، بهدم مدرجات ملعب حلمي زامورا الذي يشهد تدريبات الفريق، ويعد أحد أهم أماكن تجمع رابطة أولتراس وايت نايتس، كما رفع دعوى قضائية ضد الرابطة في 2014، وجاء الحكم فيها بحظر حركات الألتراس. أما الجماهير غير المنظمة، فتظل تعاني من غياب الجمهور عن مدرجات ملاعب كرة القدم بناء على تعليمات أجهزة الأمن، وحتى عندما يسمح الأمن بدخول الجمهور في بعض المباريات، تعاني الجماهير من غياب معايير الأمن والسلامة التي نصت عليها النيابة العامة بعد مذبحة بورسعيد في عام 2012.

على سبيل المثال، كان يُفترض أن تكون المدرجات مراقَبة بكاميرات لرصد مثيري الشغب، ولكن استاد برج العرب لم يُجهّز بكاميرات تغطي المدرجات، وبالتالي، قُبض عشوائيًا على عدد من جماهير نادي الزمالك بعد أن جرى تكسير بعض الكراسي في مباراة من مباريات البطولة العربية.

في هذه الواقعة، ونظرًا لغياب الكاميرات، لم توجد أية أدلة تربط بين المقبوض عليهم وأعمال التخريب التي وقعت بالمدرجات، ولكن مع هذا، ظل عدد غير قليل من جمهور نادي الزمالك قيد الحبس الاحتياطي المتجدد دوريًا، ما يعيد التأكيد على أن الجماهير في هذا التوقيت باتت هي الضلع الأضعف في مثلث كرة القدم.

تسييس كرة القدم

يعتمد تسييس كرة القدم في مصر بالأساس على نتاج مجمل التفاعلات بين عناصر اللعبة الثلاثة؛ الدولة والصناعة والجماهير. لا يمكن لقرار فوقي من الدولة أن يخرج بمكاسب سياسية من كرة القدم، كما أنه من غير الممكن تحقيق مكسب سياسي من كرة القدم دون استمالة الجماهير، وهو ما تفعله كلٌ من الصناعة والدولة بآليات مختلفة.

تقوم الدولة بكل ما في وسعها لتسهيل مهمة صناعة اللعبة، سواء تعلق هذا التسهيل بتشريعات أو بلوائح أو بإجراءات تنفيذية أو موافقات أمنية. وعلى الجانب الآخر، تسعى الصناعة جاهدة لنزع البعد السياسي عن الجماهير، وخلق أرضية من التأييد للنظام السياسي داخل قطاعات جمهور كرة القدم من خلال الإعلام الرياضي.

نتيجة لهذه المنظومة، باتت جماهير الكرة، المنظمة منها وغير المنظمة، تعاني من جدل واسع حول ما هو «سياسي» وما هو «رياضي»، وهو جدل بات منتشرًا داخل حركات الأولتراس على وجه الخصوص، حيث يرى تيار كبير داخل هذه الحركات أن نزع البعد السياسي والالتزام بالشق الرياضي هو الأنسب لهذه المرحلة ولتوازن القوى بها.

وفي النهاية، لعل النقطة الأهم التي ينبغي إبرازها هي «حقيقة الاستخدام السياسي لكرة القدم في مصر». وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذا التوجه، إلا أنه واقع من غير الممكن إنكاره، حيث تظل كرة القدم أحد أدوات تحقيق المكاسب السياسية، ولكن هل تكفي وحدها في ظل غياب العديد من الأدوات الأخرى الأكثر تأثيرًا وفاعلية سياسيًا؟

__________________

صورة الموضوع: أحمد عبد الجواد

اعلان