«امرأة شابة» … بين الفرص الضائعة والفرص الثانية
 
 
مشهد من «امرأة شابة»
 

تنويه: قد يحتوي العرض على «حرق» لبعض أحداث النصف الأول من الفيلم

ليس للقط اسم

تقف البطلة بولا (لاتيشيا دوش)، أسفل عمارة صديقها الذي هجرها مؤخرًا، محاولةً الصعود لشقته لاسترجاع قطها. تكتشف أنه ترك لها القِط عند محل البقالة الصغير. تحتضنه فى تأثر وتناديه بـ«القط»، لأظل أتساءل طوال المشاهد التالية لماذا لا يحمل القط اسمًا كما جرت العادة؟

يتابع الفيلم الفرنسي «أمرأة شابة» لمؤلفته ومخرجته الصاعدة، ليونور سيراي، رحلة بولا، ذات الثلاثين عامًا، لبناء حياتها من جديد بعد انفصالها عن صديقها المصوِّر الفوتوغرافي الشهير، عقب علاقة عشر سنوات كاملة. عُرض الفيلم للمرة الأولى في قسم «نظرة خاصة» بمهرجان كان السينمائي الدولي، ليفوز بجائزة الكاميرا الذهبية.

تُقدَّم لنا شخصية بولا بشكل مثير للجدل في المشاهد الأولى للفيلم، ما يدفع للاعتقاد أنها مختلَّة عقليًا. يُفتتح الفيلم بها واقفة في رواق إحدى عمارات باريس القديمة، أمام باب شقة ضخم مُغلق بإحكام. تصرخ منادية على صديقها السابق، دون أن تتلقى ردًا، لتقوم بخبط رأسها فجأة في الباب، فتسقط على الأرض، وجبينها غارق في الدماء.

في المشاهد التالية، نتابع بولا تتجوّل في شوارع باريس على جبينها رباط أبيض، ولا تكف عن ترديد كلام مرسل غارق فى حالة من الإنكار، وقد خسرت كل شيء، النقود والأهل والأصدقاء، لتدرك كمشاهد الأسباب المنطقية لهيستيريتها، بعد تخلّي صديقها عنها. فامرأة في ظروفها وجدت كل مخاوفها متجسدة أمامها؛ لحظة طردها من منزل لا تعرف غيره في المدينة. ستتفهم أنها ليست مجنونة، ولكنّها ببساطة في المرحلة الأولى من مراحل الانفصال: الإنكار.

وفجأة، تصبح كل أفعالها غير المنطقية؛ منطقية تمامًا، خاصة عندما نصل لمشهدها وهي تحتضن قطّها، وتسير وحدها في الشارع، تجهل أين ستقضي ليلتها.

ليس للقط اسم

انتظرتُ طويلًا أن يناديه أحد الأبطال باسمه حتى يئست. وأدركت مع الوقت أن المخرجة التى أبدت اهتمامًا استثنائيًا بالتفاصيل؛ اختارت ألا يحمل القط هوية. مجرد قط عاش مع رجل وامرأة لسنوات، دون أن يهتم أي منهما بإهدائه اسمًا خاصًا به، ليشبه بدوره علاقتهما الفاترة. تتمسك بولا بهذا القط تمسكًا مضحكًا، فهي لا تستطيع حتى العناية بنفسها، ومع ذلك تتشبث به بشكل غير منطقي، كتشبثها بعلاقة انتهت، آملة بشكل ساذج أن تعود هي والقط إلى حياتهما السابقة.

لأيام متتالية تسير بولا فى الشوارع وهي ضائعة تمامًا، بقدراتها المحدودة؛ في مدينة كبيرة وقاسية  كباريس. نفهم من السياق أنها تركت دراستها وهي في التاسعة عشرة، لتهرب مع أستاذها المصوِّر إلى المكسيك، قاطعة بذلك علاقتها بوالديها وأصدقائها ومدينتها.

تعود في سن الحادية والثلاثين لباريس وحيدة لتبدأ رحلتها في البقاء. نراقبها وهي تتحايل على جميع الظروف لتلبية متطلباتها الأساسية، تختلق الأكاذيب طوال الوقت عن هويتها، فتغيِّر اسمها وسنها ومجال دراستها لتتمكن من بدء حياتها من جديد. نعيش معها يومًا بيوم، وهي تحاول أن تجد لنفسها هوية واضحة تعرِّف بها نفسها للآخرين، بعد أن كانت ولسنوات «صديقة المصور المعروف» ليس إلا. عندما تبدأ في الكذب بشأن هويتها؛ أفكِّر أن القط مجهول الهوية هو مجاز لشخصيتها نفسها.

اختارت المُخرجة وفريق عملها النسائي، حيث تولَّت النساء مهام الإنتاج والتصوير وتصميم الملابس والموسيقى، تقديم قصة ثقيلة الوطأة على القلب كهذه بخفّة شديدة، دون تهويل لما قد يبدو مأساة إنسانية. أُفكِّر في كم المعالجات الكثيرة المحتملة لنفس هذه القصة، وكيف قامت المخرجة باختيار واعٍ جدًا لمقاربتها التي تتبنى وجهة نظر أن الحياة تستمر، والأمور بسيطة، ومهما كان الإنسان على شفا السقوط والإنهيار؛ سيعود ليقف ويسير ويركض ويطير من جديد،  فلماذا الدراما؟

كما اختارت المخرجة شخصية غريبة الأطوار، وليس شخصية مبهرة في حد ذاتها، لإثبات ذلك الرهان. شخصية بسيطة للغاية، لتجعلك تعتقد باستحالة نجاحها في تخطي الأزمة. لا يمكنني القطع بهوية محددة لشخصية بولا، لكن أرتاح لوصفها بأنها تمتلك ذلك الخليط المبهِر المميز لشخصيات الأطفال. فتصرفاتها يغلب عليها الطابع الطفولي، المتأرجِح بين الذكاء والسذاجة، الطيبة والخبث، الضعف والمثابرة.

نراها مثلًا في أول أيام عملها بمحل ملابس داخلية، مرتدية زِي العمل البسيط، على صدرها شارة باسمها واسم المحل، وفي أذنيها سماعات للتواصل مع الإدارة، وتمشي في أروقة المركز التجاري بفخر طفولي، وإعجاب منقطع النظير بنفسها وبإنجازاتها الصغيرة وبتحققها كامرأة بعيدًا عن رجلها السابق لأول مرة.

أخرج من الفيلم أشعر بنفس خفتها، ويعترينى يقين أن الأمور السيئة ستمر، وأن الحياة جميلة في بعض الأوقات.

استخدمت المخرجة الألوان بذكاء شديد للتأكيد على إحساسي البساطة والخفة، ففي أحلك المشاهد وأكثرها قسوة ستقع عيناك على لوحة بها تشكيلة ألوان من الأزرق والأحمر والبرتقالى والأصفر والفيروزي، ما يخفف من حدّة الموقف، ويحدِث حالة توازن داخلك. وحتى في المشاهد الليلية، فاللقطات مضاءة جيدًا، بالأصفر الخافت للشوارع، والأحمر لواجهات المحلات، بشكل يوحي أن المدينة ليست بموحشة، وأن الليلة ستمر بسلام. المكان مضاء وملوّن، وبالتأكيد آمن.

فضَّل فريق العمل النسائي، عدم إظهار صديق بولا السابق حتى رُبع الفيلم الأخير. نرى اسمه على باب عمارته؛ وعلى شاشة تليفون بولا كلما طاردته بمكالماتها؛ بل وفي إعلانات متفرِّقة في الشوارع، لكن لا نراه شخصيًا لزمن طويل من الفيلم، ليصبح وجوده كالحاضر الغائب في حياتنا مثلما هو في حياة بولا. يشغل حيِّز من تفكيرنا، إلا أننا لا نقابله، فنفتقده، ونتمنى أن تلقاه بولا ثانية، ليس من أجل خاطرها، ولكن من أجلنا.

«Montparnasse Bienvenue» هو اسم الفيلم التجاري، وهو اسم فرنسي بامتياز. اختارت المخرجة اسم محطة المترو الرئيسية لحى مونتبارناس الغربي الشهير لتقدِّم به فيلمها للعالم. يجب أن تكون عشت في باريس وتنقّلت بين محطات مترو أنفاقها الرديئة، في أكثر أوقاتها ازدحامًا، لتعرف حقيقة ما يمثله هذا الاسم الغارق في المحلية. شريط الصوت في «امرأة شابة» مميز للغاية، بموسيقى تصويرية تتشابه مع المقطوعات الموسيقية التي تُعزف في المحطات الرئيسية للمترو وفي الشوارع السياحية للمدينة، ما يشعرك أنها ليست موسيقى الفيلم وإنما خلفية موسيقية للمدينة نفسها.

للمدينة دور هام جدًا في فيلمنا، حيث قدمت سيراى باريس بشكل رقيق يمتاز بالحساسية المفرطة، دون مباشرة أو قوالب محفوظة. تتجول بولا في شوارع باريس وهي ترتدي معطف أحمر طويل. أندهش، فطالما تصورتُ باريس فتاة جميلة رشيقة، ذات شعر طويل، ترتدي معطفًا أحمرًا ناريًا، وتجري بخفة تحت المطر، في شارع تضيئه أنوار برج إيفل. في «امرأة شابة» لم يظهر برج إيفل مرة واحدة في باريس سيراى، ولا أي من معالمها الساحرة، لتصبح المرأة ذات المعطف الأحمر مجرد شخص بائس، وحيد وعليل، يشعر بالبرد الجسدي والروحي. تعبّر بولا بوضوح عن بغضها للمدينة. ومع ذلك يعطينا التصوير إيحاءً بتأرجحها بين شعورها بالتأزُّم من المدينة؛ و بين يقينها على الناحية الأخرى بأنها رحبة وستعطيها فرصة ثانية.

في معظم المشاهد الداخلية، تبدو الأماكن صغيرة خانقة وخالية؛ لا ترى منها سوى زاوية واحدة فقط. أيضًا تكون الكاميرا قريبة جدًا من بولا، مؤكِّدة شعورها بالضيق والضآلة وانعدام الأمل. لكن بمجرد نزولها الشارع، تبتعد الكاميرا لتلتقط المشهد من زاوية واسعة، فنشاهد بولا وهي تسير منطلقة في مساحة شاسعة مزدحمة مفعمة بالحيوية، تجعلك تؤمن أن المدينة ليست بهذه القسوة.

ليس للقط اسم

تقرِّر بولا في لحظة ما، أن تَهَب القط لأحد زملائها بالعمل لما يسببه من مشاكل. في هذه اللحظة؛ أشعر بها في طريقها لتخطى حبيبها السابق ببساطة وبتلقائية.

تتوقف بولا ليس فقط عن مطاردة الرجل، بل حتى عن الاستجابة له. توقفت فجأة رغبتها فيها، واختفي شعورها الملح بحاجتها له. تقف في أحد المشاهد على النهر مرتدية معطفًا بلون مختلف، تنظر لباريس ليلاً، وتسمع رسالة صوتية منه. تُغلق التليفون وتضعه في جيبها وتمشي بخطى ثابتة واثقة، تشجِّع نفسها على مواجهة الأحداث المتلاحقة غير المتوقعة في النصف الثاني من الفيلم.

اعلان