هنا الوراق.. الديمقراطية الشعبية لمواجهة خطط الدولة السرية
 
 
صورة: هبة عفيفي
 

في يونيو الماضي أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي نيته إخلاء جزيرة الوراق من السكان، ضمن جزر نيلية أخرى، في سياق حملة واسعة تشنها الدولة لاسترداد أراضيها المتعدى عليها. منذ ذلك الحين مر تعامل الدولة مع الأهالي الذين يرفضون الإخلاء بعدة مراحل؛ بدأت باستخدام العنف، ثم التفاوض، والملاحقة القانونية.

في حين كان التكتم هو الثابت الوحيد الذي التزمت به الدولة، ورغم محاولاتها المختلفة لإخلاء أجزاء من الوراق، إلا أن أهالي الجزيرة لا يعلمون حتى الآن ماهية «خطة التطوير» التي تلخص بها الدولة حديثها عن رؤيتها لمستقبل الجزيرة، ولا مدى تأثير تلك الخطة على حياتهم.

مع غياب المعلومات وتجاهل الدولة، وصل أهالي الوراق لقناعة أن عليهم وحدهم التصدي لحماية منازلهم والجزيرة التي أصبحت بمثابة موطنهم الذي استقر عليه أجدادهم منذ عقود.

انطلق حراك عفوي في الجزيرة منذ يوليو الماضي، بدأ بمسيرات ثم تطور ليتضمن مؤتمرات وجهود للتنظيم الشعبي يهتم بخوض معركة أوسع من الاشتباكات على الأرض، تمتد أيضًا لتحسين الصورة الإعلامية ووضع استراتيجية التفاوض مع الدولة.

التقى «مدى مصر» بثلاثة من أعضاء «مجلس عائلات جزيرة الوراق» الـ239 بعد تدشينه في اجتماع لعائلات الجزيرة في 27 أكتوبر ليكون ممثلًا للأهالي.

سلاح التنظيم الشعبي

واجه الآلاف من أهالي الوراق القوة أمنية التي رست على الجزيرة في 16 يوليو الماضي وبدأت في تنفيذ 700 قرار إزالة لمنازل الأهالي. لم تنجح القوة سوى في هدم بيوت معدودة ثم عطلتها اشتباكات عنيفة مع الأهالي أدت لوفاة سيد علي، أحد شباب الجزيرة. اقتنع الأهالي منذ ذلك الوقت بأهمية دفاعهم الجماعي عن أرضهم، كما تصاعدت خصومتهم مع الدولة بعد سقوط واحد منهم.

يقول فتحي سعيد، أحد شباب الجزيرة: «لو كنا سكتنا يومها كانت كل البيوت اتهدت. جايين يهدوا بيوتنا، هنستنى إيه بعد كده؟».

خرج الأهالي في الأسابيع اللاحقة في مظاهرات أسبوعية يوم الجمعة رافعين شعار «ضد التهجير» ومطالبين بحق ضحية الأمن من أبناء الجزيرة. جملة «الجزيرة مش للبيع» غطت حوائط المنازل في كل شوارع الجزيرة.

في تلك الأثناء اشتد الهجوم الإعلامي ضد أهالي الجزيرة، والذي وصفهم بالمتعدين على حقوق الدولة وصورهم كبلطجية. في الوقت نفسه الذي اتخذ فيه بعض نواب الجزيرة في البرلمان صف الدولة وهاجم موقف الأهالي الرافض للإزالات، فيما اختفى البعض الآخر.

قرر الأهالي ألا يتوقف تحركهم عند الاحتجاجات، وأن يقدموا صورة بديلة لما يقدمه الإعلام عنهم. بدأوا بتنظيم مؤتمر للشباب في 21 سبتمبر الماضي، صعد فيه إلى المنصة التي بناها الأهالي شيوخ العائلات وشباب، بهدف توعية الأهالي بتطورات الموقف والتأكيد على الموقف الموحد الذي اتفقوا عليه من مطالب الدولة. خلف المتحدثين تم رفع شاشة عرض عليها عدة فيديوهات أعدها الشباب لتذكير الأهالي بتسلسل الأحداث.

مهندس شاب وعضو بمجلس العائلات، طلب عدم ذكر اسمه، يقول لـ«مدى مصر»: «عايزين نواجه فكر بفكر، حملة التشويه ضدنا بتقول إن أهالي الجزيرة بلطجية، حبينا نظهر الوجه الحضاري للجزيرة، ونوريهم إن فيها دكاترة ومهندسين».

حاول المتحدثون في المؤتمر تحذير الأهالي من الوقوع في أفخاخ الإعلام، فطلبوا منهم الامتناع عن القول إنهم لا يريدون التطوير، هذا ما يُستخدم ضدهم في الإعلام، وبدلًا من ذلك، يطالبوا الدولة بتقديم مقترح التطوير لهم للمناقشة المجتمعية، وبألا يتضمن، ما تسميه الدولة بالتطوير، التعدي على حقوق الأهالي. حرص المتحدثون على توحيد موقف الأهالي، فأنهوا المؤتمر بقائمة مطالب تتضمن محاسبة قاتل سيد علي، وعرض خطة التطوير للنقاش المجتمعي، وتقنين أوضاع أراضي الدولة المزروعة والمبني عليها عوضاً عن هدمها.

يُسهل من تنظيم العدد الكبير ما يجمع أهالي الجزيرة من علاقات وثيقة تشبه تلك التي تجمع أهالي الريف، بالرغم من الأصول والمناطق الجغرافية المختلفة التي ينحدرون منها منذ عدة أجيال، كما تجمع صلة النسب بين عائلات الجزيرة الذين يفضل معظمهم الزواج من داخل الجزيرة.

أعلن المنظمون في مؤتمر سبتمبر عن تكوين مجلس عائلات الجزيرة ليمثل الأهالي. اختارت كل عائلة في الجزيرة من واحد إلى خمسة من أبنائها لعضوية المجلس، بالإضافة لمجموعة من الشباب تقرر ضمهم للحفاظ على دور الشباب الرائد في التحركات.

في أول اجتماعات مجلس عائلات الوراق، أصدر وثيقة تأسيس اتفق فيها على المبادئ الأساسية لعمله كان أهم بنودها «لا تفاوض على أرض جزيرة الوراق». يتصدى المجلس أيضًا للضبابية المسيطرة على الموقف، ولذلك اشترط طرح الدولة خطة التطوير للمناقشة المجتمعية قبل أي حوار مع أي مسؤول. في اجتماعه الثاني، شكل المجلس لجان تتفرع منه للقيام بالمهام المختلفة ومنها لجنة إعلامية ولجنة خدمات تهتم بتوصيل مطالب الأهالي الخدمية للحكومة.

إلا أن بعض الأهالي المستنفرين بعد العنف الذي تعرضوا له يبدون مقاومة لمحاولات التنظيم لخوفهم من أن تؤدي للتفاوض مع الحكومة. أحد الأهالي، وهو مدرس، علق على اجتماعات الأهالي قائلاً إنها لن تكون ذات فائدة، وإنها لن تنجح في إيقاف الدولة بعد أن وضعت الجزيرة نصب أعينها، لم ير المدرس احتمالات أخرى سوى الصدام: «لا تفاوض، دي أرض أمي وأبويا، هيهجرونا نروح فين، يموتونا بقى».

اقترب منه المهندس الشاب حاملاً وثيقة تأسيس مجلس العائلات وسأله ما إذا كان قد قرأها ليثبت له أن ما فيها لا يتعارض مع مطالبه، إلا أنه رفض قراءتها. علق عطية إبراهيم، أحد أعضاء مجلس العائلات وعضو سابق في المجلس المحلي للجزيرة، معبرًا عن مصاعب التنظيم في ظل احتدام المشاعر: «كله ثوري، محدش عايز حل»، وأضاف، دفاعًا عن أسلوب مجلس العائلات الأكثر عملية قائلاً: «احنا قدام الأمر الواقع ولازم نلاقي حل».

رسائل ملتبسة تحت عنوان «التطوير»

«التطوير»؛ عنوان مبهم يلخص ما أفصحت عنه الدولة بشأن خطتها في جزيرة الوراق. في مقابل ذلك، اكتفت الدولة بتكذيب كل تسريب يفصح عن تفاصيل خطة استثمارية في الجزيرة تتضمن بناء فنادق ومنتجعات بالتعاون مع مستثمرين أجانب، بدون تقديم المعلومة الصحيحة. زادت تصرفات الدولة المتناقضة، بين وعود بعدم التهجير ومحاولات الإخلاء بالقوة، من فقدان الأهالي الثقة في المسؤولين.

كانت جريدة الشروق نشرت ماوصفته بأنه مشروع منسوب لهيئة التنمية العمرانية يكشف تفاصيل تحويل الجزيرة إلى «منتزه سياحي ثقافي ترفيهي تجاري على ضفاف النيل» تحت اسم «جزيرة حورس»، بحسب المخطط الذي حصلت «مدى مصر» على نسخة منه.

يقترح المشروع الذي يحمل توقيع هيئة التنمية العمرانية بتاريخ 2010، تجميع الكتلة السكانية في قرية سكنية تقام على مساحة 200 فدان واستغلال المساحة المتبقية في بناء مدينة سياحية تتضمن حدائق وفنادق وقاعات أعمال تتوسطها بحيرات. اكتفت الدولة بتكذيب الخبر والتأكيد على أنها لا تزال في مرحلة الدراسة وأن مخططها لن يتضمن طرد الأهالي.

يقول إبراهيم: «أكبر مشكلة إننا مش عارفين الدولة عايزة إيه، ولا المحافظ جه ولا أي مسؤول مدني جه، الموضوع دلوقتي مع الجيش».

كانت الزيارة الرسمية الوحيدة للجزيرة منذ تفجر الأزمة من رئيس الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة، اللواء كامل الوزير، الذي زار الجزيرة في أغسطس الماضي في محاولة لتهدئة الأمور. أكد الوزير للأهالي عدم نية الدولة تهجيرهم، وأن خطتها هي فقط تطوير وتنمية الجزيرة لصالح أهلها، موضحًا أن القوات المسلحة هي المسؤولة عن المشروع. تحدث السيسي مع الأهالي عبر مكالمة تليفونية لكامل الوزير أثناء تواجده هناك، بحسب الأهالي وطمأنهم قائلاً: «احنا هنا لخدمتكم ولسنا ضدكم. وأنتم أولادنا وأهلنا ولا يمكن تهجيركم. لكننا نريد تطوير الجزيرة».

حاول الوزير التفاوض مع الأهالي على نقطة الخلاف الحالية بينهم وبين الدولة. طلبت الدولة من الأهالي إخلاء 100 متر حول محور روض الفرج الذي يقطع الجزيرة، إلا أن الأهالي رأوا في ذلك محاولة من الدولة لـ «تضع قدمها على الجزيرة»، وتخليها بالتدريج بحسب تعبير المهندس الشاب. وعد الوزير الأهالي في نهاية الاجتماع أن لا أحد ستنزع ملكيته رغمًا عنه، إلا أنهم فوجئوا بوصول أفراد من إدارة المساحة العسكرية بالهيئة الهندسية بالزي العسكري لقياس الأراضي حول الكوبري.

يتشكك الأهالي في لفظ «التطوير» الذي تلخص به الدولة خطتها في الجزيرة، والذي أصبح غير مرغوب فيه بالرغم من معاناة الجزيرة لسنين طويلة من نقص الخدمات الأساسية وخاصة الصرف الصحي، والخدمات الصحية. كما يشرح عمرو علي عضو المجلس: «كلمة تطوير هي السم في العسل، هيقولوا عايزين نعمل مدرسة وبعدين يقولوا محتاجين نهِد بيوت عشان نوصل معدات ليها، وهكذا».

بينما توقفت مجهودات التفاوض من الدولة بعد زيارة اللواء كامل الوزير، استمرت الدولة في التحرك باتجاه تنفيذ مخططها المبهم، بحسب أعضاء مجلس العائلات، الذين نقلوا لـ«مدى مصر» عدة تطورات مقلقة في الشهور الماضية. الشهر الماضي فوجئ الأهالي بصدور 720 حكم بالإزالة على حساب صاحب المنزل وسنة سجن بالإضافة لغرامة 50 ألف جنيه ضد المنازل الأقرب لضفة النيل، بحسب أعضاء مجلس العائلات، الذين أضافوا أن الشهر العقاري امتنع عن تسجيل بيوت أهالي الجزيرة منذ شهر يوليو الماضي، كما منعت السلطات دخول مواد البناء داخل الجزيرة منذ ذلك الوقت، وامتنع الشهر العقاري عن تسجيل ملكيات الأهالي في هذه الفترة أيضًا. كما صدر قرار حكومي في شهر يوليو باستبعاد الوراق و16 جزيرة أخرى من وضعها كمحميات طبيعية القائم منذ 1998، والذي زاد من تشكك الأهالي من أن الدولة تزيل عوائق البناء على الجزيرة لصالح استثماراتها. من ناحية أخرى، زادت قوة نقطة الشرطة الموجودة في الجزيرة من خمسة أفراد إلى أضعاف ذلك.

يشرح علي: «ما فيش حاجة بتتقال لنا، كل حاجة بنعرفها لما تتنفذ».

يعتبر السند القانوني لمطالبة الدولة بأرض الجزيرة الممتدة على 1250 فدان بحسب الرئيس السيسي هو القرار الصادر سنة 1988 الذي يُنظم أعمال البناء على النيل ويُجرّم البناء على مسافة أقل من 30 متر من ضفة النهر. إلا أن العدد الأكبر من المنازل على الجزيرة خارج هذا الحزام، كما يملك جزء كبير من الأهالي عقود ملكية موثقة بالشهر العقاري، بالإضافة لعدد آخر آلت ملكية الأرض له بمقتضى وضع اليد منذ عشرات السنين مما يجعل وضعها القانوني معقد.

بحسب الخطة المسربة لهيئة التنمية العمرانية، والتي تضمنت معلومات عن الوضع الحالي للجزيرة، فأراضي طرح النيل تمثل فقط 115 فدان من أصل 1400 فدان هي إجمالي مساحة الجزيرة.

يرى الأهالي أن سماح الدولة لهم ببناء حياة على الجزيرة لعقود، بالإضافة لإدخال خدمات رسمية، مثل نقطة بريد ونقطة شرطة وثلاث مدارس حكومية، يمثل اعترافًا ضمنيًا من الدولة بشرعية وضعهم، تراجعت عنه فجأة.

شرح أعضاء مجلس العائلات لـ «مدى مصر» أن الأهالي على استعداد للتفاوض ولديهم المرونة لقبول مقترحات تتضمن إعادة تخطيط الجزيرة أو نقل منازلهم بداخلها بشرط ألا يخرجوا من الجزيرة، وأن تعاملهم الدولة معاملة عادلة.

يعكس حديث الشاب فتحي سعيد أن التعامل العنيف والسلطوي من الدولة هو أكثر ما يثير الأهالي الذين يبدون استعدادًا للتفاوض في ظروف أكثر عدالة: «كل اللي احنا عايزينه إننا نمشي قانوني مش إنهم يستخدموا القانون ضدنا. لو الوضع معكوس والأرض ملك الدولة واحنا عايزينها، مين اللي هيحدد الشروط والسعر، أنا ولا الدولة؟».

اعلان