«الإخفاء» .. مصادفة أدّت لـ«عَرْكة»
 
 
مريم صالح، وتامر أبو غزالة، وموريس لوقا..صنّاع ألبوم الإخفاء. - المصدر: © Ruggero Maramotti
 

في أي مدرسة ابتدائية بنين تعرف هذا المشهد جيدًا، ما لم يورِّطك سوء الحظ لتكون بطله الرئيسي تحديدًا. أحد الطلاب يضع نفسه في مأزق. يقف أمام متنمّر غير مكافئ له أو يدخل في مشاحنة كلامية لا تسعفه فيها الكلمات. يشعر بالورطة، لكن يتمسَّك بآخر شعرة تُبقي على كرامته بعد الهزيمة، ويقرر ألا يبكي. يعرف أنه لو بكى ستنهار قضيته، وتنهار رجولته، بل وتنهار حياته الاجتماعية تمامًا. يدرِك هذا، ويسبب له ذلك الضغط؛ مزيدًا من الضيق. لا تَخفَى محاولته المستميتة لكبح دموعه على أعدائه المتنمرين، فلا يفوِّتون الفرصة لدهسه حتى ينسحق، متحلّقين حوله بصحبة جوقة من المطبّلين والمصفقين، مردِّدين ذلك النشيد المدرسي المعروف: «هيعيّط هيموت هيقلّد الكتكوت»، مدركين تأثيره بدقة. تضغط سيرة البكاء على الزر وينفجر.

هذا بالضبط ما يفعله الثلاثي تامر أبو غزالة ومريم صالح وموريس لوقا في أغنية «تسكر تبكي»، أحد أغاني ألبوم «الإخفاء». ثلاثة متنمِّرين يُلوِّحون بأكثر المسائل حساسية في وجه مستمع غير حصين. مستمِع عربي، يعاني غالبًا من مشاكل في التعليم والصحة. يعرفون وسائل الضغط عليه، ونقاط ضعفه، ويعبثون بمخاوفه باستهتار. يغنّي تامر من كلمات ميدو زهير: «وإن صحابك عشقوا صبايا وانت عشقت عرايس قطن». بينما تتصدر مريم المردّات في إلحاح بعد كل جملة، لتضع البكاء والبخت المايل في عبارات مفيدة. أما موريس فيتولَّى أمر النغمات المصاحِبة، في أبسط مقطوعات الألبوم وأكثرها مباشرة. جُمل موسيقية قصيرة متكرِّرة ولحوحة، بغيضة ومستفزة، لكن مُصوَّبة بدقة؛ ليخرج المستمع عن شعوره، «ويسكر ويبكي زي العيل».. وكان ايه لزومه سيرة التعليم القليل بس؟

ائتلاف المتنمرين هذا، الذي قدّم ذلك النشيد المُحفِّز على النحيب، تمت تسميته بـ «الإخفاء» بدون أي سبب واضح. تكوّن الائتلاف أثناء ثلاث إقامات فنيِّة حسبما يُذكر في وصف الألبوم. ذكر لنا الوصف مكان الائتلاف، ولم يَذكُر دوافعه. لماذا تمّ هذا الائتلاف؟ ما الذي جمع  هذا الثلاثي معًا؟ ماذا يقدّم كل فرد فيه وعلام يتحصَّل في المقابل من تعاونه مع الآخرين؟

بين الثلاثي، نعرف تحالفات داخلية سابقة، ما بين تامر وموريس كموسيقيين في فرقة «الألف»، وما بين تامر ومريم في الكثير من إصداراتها، التي شاركها فيها كملحن وعازف. صرّحت مريم في حوار مسجل أن الثلاثة قاموا بأدوار متكافئة ومتساوية، ولكن ما هي تلك الإضافات التي قدّمها كل منهم للآخر؟

الأدوار كما قد يتصور البعض هي كالآتي، الثلاثي استفاد من شهرة مريم صالح وشعبيتها التي تفوق شعبية تامر وموريس مجتمعين[1]، وقد تكون مساهمة تامر هي فكرة المبادرة نفسها، وخبرته في التلحين والتوزيع، باعتباره أكثر أعضاء الفريق إنتاجًا وأطولهم خبرة[2]. ولكن لا ينكر أحد دور موريس، فرغم أنه الأقل في عدد الألبومات أو سنوات الخبرة أو الشعبية عن تامر ومريم، إلا أن الوقت وقته. هو الأسرع صعودًا بعد ألبومه «بنحيي البغبان»، والأجدر على مزج وتوليف الأضداد. كما أن جمهوره هو الأكثر تنوعًا على صعيد الطبقات الاجتماعية أو طبيعة الأذواق ما بين الشعبية والأكاديمية، وما بين المستمع العربي والأفرنجي.

موسيقى عربية جيدة أم موسيقى جيدة عربية؟

عندما صدرت أغنية «إيقاع مكسور» قبل  شهر من إصدار الألبوم كإعلان عنه، لم أكن متفائلًا به تمامًا. نعم، بدا لي أن به تجديدًا في التوزيعات والصوت دون شك، لكني تخوفت أن يكون غرض ذلك الاتجاه التجريبي هو الاستعراض، فلا يهتم إلا برفع لافتة تعلن أن هذا التسجيل طليعي، وليس سوقي، وهي رسالة ملّلتُ منها في الآونة الأخيرة. فلم تعد تبهرني لعبة تعدد الطبقات الصوتية فقط في حد ذاتها، لتتراكم فوق بعضها، وتسبب في النهاية إزعاجًا غير مريح. ليس لدي تعليق تجاه كلمات الأغنية. لا تكرهها، لكن أيضًا لا تفهم الغرض منها. المفردات طريفة إلا أنها لا تكوِّن جمل ذات دلالات مفهومة «صاحبك مِزمار شَتَمك بِهزار سَيحت الدم و قِمت الزار، مَقبِلتِش م الدراويش أعذار ولا سِيبتِش للأوليا أتباع». لا تستطيع أن تقتنص من الكلمات شبهة سذاجة، ولكنها  أيضًا غير مثمرة، لا ُتفرح ولا تُحزن. قدرتُ المقطوعة، في النهاية، ليس كمنتج جيد في حد ذاته، ولكنه جيد فقط بالمقارنة بالسوق الموسيقي العربي الفقير، وهو مبرر يشفع مؤقتًا، ونسأم منه سريعًا.

بعد هذه الطلعة، صَدَرَ الألبوم، ينقصه أغنيتين، موجودتين على «ساوند كلاود» وغائبتين عن «يوتيوب» (نزل الألبوم مجانًا على كلا الموقعين). أدركت ذلك متأخرًا، ولم أجد له تفسيرًا سوى أن أغنية «تسكر تبكي» تحتوي على لفظين خارجين ربما لم تسمح بها إدارة اليوتيوب الرشيدة. لم يتقبَّل بعض المستمعين الأمر بنفس التسامح واعتبروا شركة الانتاج «مستقل» تمارس رقابة على نفسها، فتحذف كلمة في الأغنية بعدما أصدرتها. وقد صدر الألبوم بعدها كاملا بتنويه: +18.

عندما سمعتُ الألبوم للمرة الأولى، جذبت انتباهي أولًا، وكالعادة، الأغاني الصاخبة، الاحتفالية ذات اللحن المستساغ. وموريس لم يتأخر عن تطعيم الألبوم بكل الموتيفات الشعبية المألوفة. فلم يترك مرجعًا من كافة أنواع الموسيقى الشعبية لم يستخدمه، فاستعار من أغاني المهرجانات النماذج القصيرة المتكررة بتأثيراتها الحادة في «إيقاع مكسور»، كما استعان بالمؤثرات الاصطناعية لآلات النفخ، في  «عايز أوصل»، وهو الأسلوب الذي كان رائجًا بشدة في الموسيقى التصويرية لأفلام ومسرحيات التسعينات، حتى أنه لم يعتق شغل الكليبات اللبناني للألفية في «مزيكا وخوف»؛ ربما هي أكثر أغنية جذابة في الألبوم، حتى أن شركة الإنتاج «مستقل» استخدمتها كواجهة لصفحتها الرئيسية على يوتيوب. فهي تخلو من أي فزلكة أو تقعير وإن لم يعني ذلك بساطتها أو خلوّها من توزيع متشابك متعدد الطبقات. في هذه المقطوعة لا يسعى الثلاثي للحصول على الدرجة النهائية في التطوير، قدر رغبتهم في إنتاج مقطوعة رئيسية تأخذ الأذن، وتشعِل الحفلات الحية، وقابلة لإعادة الاستماع إليها أكثر من مرة.

«مزيكا وخوف» مقطوعة لا تمَلّ منها بسرعة. بلحنها الأساسي شيء من رَخْص الأغاني اللبناني دون شك، ولكن الخبرة الموسيقية للثلاثي مطبوعة عليها بدون استقواء. كلمات ميدو زهير هنا لا تزال غريبة، ولكنها ليست مربِكة. متماسكة الحالة وتصلح لعدة تأويلات. بشكل شخصي تصوَّرت أنّها تتكلم عن الإحباط الجنسي: «الرغبة خطر وقليل يا مطر». والأغنية تنتقل من طابع نانسي عجرم الطريف لطابع فريد الأطرش السوداوي بانتقال سلس، خاصة مع دخول المقطع الذي يغنيه تامر (الذي تردد لاتخاذ قرار المشاركة بالغناء في الألبوم)، مصاحَب بتأثير مدرج النطاقات، بعضهم متقدم والآخر متأخر عنه، بينما يصاحب الصوت الرئيسي دقات العود (أو البزق) بتزامن دقيق، ليلتقي بالجانب الكابوسي من الأغنية الرشيقة الذي جاء مفاجئًا: «والرحمة هزار والليل جزار صاحية الأعذار نايمة المسألة». بينما يستمر الإيقاع الشرقي راقصًا، يخلي مسئوليته من كدر الكلمات، ويبيع الأغنية لمَن لا يريد النكد. ذلك المزيج مع خاصة مع توظيف العود في النهاية كربابة صعيدي؛ إذا سُمع على سماعات رخيصة غير مخلِصة لنقل الطبقات المتعددة للأغنية، لبدت في النهاية إعلان شاي العروسة.

كذلك تذهلك بسرعة أغنية «نفسي في عقلي»، رغم عدم لعبها على عنصر الأُلفة بمقتطفات الموسيقى الشعبية. الطبول مركَّبة ولكن ذات إيقاع بطيء ومتكرِّر بثبات. خبطاتها واثقة بغير ارتجال أو تحريف. تتكثَّف التأثيرات بطول الأغنية، لكن يحكمها ذلك الإيقاع بحزم، فلا تخرج باقي الآلات عن دورها المصاحب لدقات الطبول، ما يجعل الأغنية سهلة الهضم.

وبشكل غير مسبوق لها، تغنّي مريم، بلا حزق أو احتداد، كعادتها في المبالغة أحيانًا، حين تهزأ بكلمات حزينة أو تسخر من مضمون تعيس، بمبالغة مونولوجية، تنتهي بها متقمِّصة لدور المهرج الحزين. هذه الشخصية الأدائية القديمة التي استهلكها الشيخ إمام حتى شبع منها، وشبع معه مستمعوه، والتي من الواضح أن مريم تخلصت منها مع ألبومها «حلاويلا»، ليبقى صوتها على طول ألبوم «الإخفاء» ليس فقط سد خانة، ولكنه نقيًا وعذبًا وضروريًا في أغلب الأحيان.

مساحات الارتجال والطرب

يعتمد الألبوم في كثير من الحالات على استخدام غير معتاد لتناغم أصوات الغناء، مما يسبب مشكلتين؛ الأولى أن المستمع قد يُصاب بالتوتر أو الغضب أحيانًا من سير اللحن دائمًا بشكل غير متوقع، مما قد يؤثر سلبًا على فرصة الاستماع للأغاني الأقل شعبية عدة مرات حتى تعتادها الأذن. أما ثاني مشاكل تلك التناغمات البوليفونية، فتكمن في استعصاء أغاني الألبوم على الدندنة. جرِّب مثلًا وأنت تغسل المواعين، أن تغني «الشهوة والسعار» بلا هارموني، ولا تأثيرات، ولا آلات مصاحبة، وستجد النتيجة مؤسفة للغاية؛ مؤسفة أكثر من حقيقة أنك تغني أغنية اسمها «الشهوة والسُعار» وأنت تغسل المواعين.

بعد الاستماع الأول للألبوم، تلتفت للأغاني الأقل صخبًا، مقطوعات الحشو غالبًا[3]، ما يوضع بالألبوم ليبلغ تعداد المقطوعات عشر، رقم الكمال. لكن بين هذه الأغنيات التي لزمت معادلة الأغاني الصاخبة، حتى من باب الاستكانة بعد الصخب أو الاستراحة من توازي الطبقات بهارمونيات مرهقة، اختبأت أحد أفضل مقطوعات الألبوم. غير أغنية «وشوش الليل» التي تتكلم عن إرهاق ما بعد السكر في توصيف لفظي وموسيقي دقيق جدًا للحالة، لدينا الأغنية صاحبة ثاني أسوأ عنوان: «متحف فنون الغش».

لا يخفى على المستمِع المتابِع، أن تامر أبو غزالة ربما وجد علاقة بين موسيقى أفلام الغرب الأمريكي وبين الأغاني الشرقية، وقدّم توليفات بينهما عدة مرات في في فرقة «الألف»، بتطبيق تقنيات الجيتار المعدني[4] على البزق، لتنتج في النهاية؛ صوتًا لا شرقيًا ولا غربيًا.

ينتِج تامر نغمات مماثلة بطول أغنية «متحف فنون الغش»، تتماشى بغير تضاد مع تأثير «الكي-بورد الغربي» وغناء مريم على مقامات شرقية. بناء الأغنية جديد على الأذن الشرقية. تترافد الآلات الموسيقية، ثم تتشعب، لتصنع زخمًا موسيقيًا حينًا، أو تترك صمتًا مربكا حينًا، كأن الموسيقيين جالسين في غرفة ملآنة بالآلات الموسيقية، يجرِّب كل منهم آلة ثم يلقيها جانبًا.

مع ذلك لا توجد مساحات كبيرة للارتجال في ألبوم «الإخفا» (مثلما ينطقها فريق العمل)، خاصة عندما تؤدَّى المقطوعات بتطابق دقيق أثناء الحفلات الحية، وكل التوزيع العشوائي ليس مجرد ارتجال وليد اللحظة. في منتصف الأغنية تتراكم الآلات كأنها تصادف وجودها كلها في وقت واحد، وتتنافر، وترجع مريم تغني كلام مبعثر مثل الآلات، وتعمل الكلمات بشكل انطباعي، فتكرر مريم قائلة: «عيش هايش وقش»، الكلمات في معناها وفي أصواتها تؤكد على تلك اللحظة مبعثرة المعالم، حتى تعود لتتكاثف مرة أخيرة في ذروة موسيقية فوضوية. وكأن كل موسيقي منهم يقوم بنفس ما كان يقوم به، ولكنهم من باب المصادفة قاموا بذلك في نفس المكان بنفس اللحظة. ما يردنا مرة أخرى للتساؤل عن طبيعة هذا الائتلاف.

غلاف ألبوم الإخفاء

ما حدث موسيقيًا لا يعد ائتلافًا، ولا تعاونًا، بقدر ما بدا وجود الموسيقيين معًا مصادفة سعيدة. ثلاثة أشقياء أحياء باقين في هذا المشهد الموسيقي التعيس، وفي وسط سياسي واقتصادي أشد تعاسة. تصِف الكثير من المقالات الألبوم بـ «حالة مصرية، قاهري بامتياز»، الأمر الذي أكَّده تصميم الغلاف، وضجيج الأغنيات والنماذج الصوتية المستخدمة فيه. ولكن أكثر ما يشبه «القاهرة» فيه، هو جمعه لهذه التوليفة من الأفراد البالغين، الذين وجدوا أنفسهم مصادفة في نفس المكان، وضاقت بهم الأحوال فصرفوا ضيقهم في بعضهم البعض، ليس كمتنمرين يستقوون على مستمع أُضل سبيلًا، وأكثر وحدة واهتزازًا و أقل تعليمًا، لكن كنادبين للحظ والظروف، يغنون لمستمع يشعر بضياع متساوٍ، فاختلقوا شجارًا بدافع التنفيس عن الضيق، لأنه لم يعد لأحد شيئًا يخسره.

[1] مليون متابع تقريبا لصفحة مريم الرئيسية على فيس بوك و300 ألف مستمع لأكثر مقطوعاتها رواجا على يوتيوب، بالمقارنة ب80 ألف متابع لصفحة تامر أبو غزالة و6 آلاف متابع لصفحة موريس، والرقم الأعلى لمعدلات الاستماع لتامر أو موريس على التوالي هي 52 ألف مستمع لأغنية الخد و23 ألف لأغنية بنحيي البغبغان

[2] ألبومه الأول صدر عام 2002 ويحتوي على أغاني قام بتأليفها ما بين سن الخامسة والخامسة عشر ووقد اصدر بعدها خمسة ألبومات أخرى بفريقه الخاص أو مشارك كعضو رئيسي في مشاريع فنية

[3] fillers

[4] Steel guitar

اعلان