قوميون بلا قومية.. مواطنون بلا دولة

في كتابه «هكذا تحدث زرادشت»، وبترجمة علي مصباح، يقول نيتشه على لسان النبي الفارسي:

«لا يزال يوجد في بعض الأمكنة شعوب، أما فيما يختص بنا فتوجد دول، وتُسمّى الدول وحشًا من أجرأ جميع الوحوش، وأنها تكذب بجرأة فتقول: «أنا الدولة، أنا الشعب». وما أعجبها أكذوبة، فالعباقرة المبدعون هم من خلقوا الشعوب، إنما المفسدون هم الذين ينصبون الشراك للكثرة من الناس ويسمونها «الدولة» فكل ما تقوله الدولة كذب، وكل ما تملكه قد سرقته، وحين تزول تلك الدولة سيبدأ وجود الفرد الذي لا غنى عنه. »

قد تعبّر كلمات نيتشه بشكل كبير عن الاضطرابات التي ضربت منطقتنا العربية، من صراع دائم بين الأفراد والأنظمة، وقد تناقض الصورة المثالية عن الدولة منذ أن نادى بها أفلاطون وأرسطو، وتطرح سؤالًا مهمًا لا يمكن إغفاله.

نحن لا نسأل هل يفنى الأفراد، والمفروض أنهم سيفنون. ولا نسأل هل تدوم الدولة، والمفروض أنها لن تدوم. ولكننا نسأل هل يمكنهما الاجتماع سويًا، أم كُتب على أحدهم الفناء لبقاء الآخر؟

من القبيلة إلى الدولة

حين بدأ الإنسان القديم رحلته باتجاه تكوين المجتمع، بدأ بالأسرة مرورًا بالعشيرة ثم القبيلة. كان واضحًا احتياج الفرد للتواجد داخل تجمع إنساني يوفر له الحماية ويستمد منه القوة، بسبب المخاطر التي تلاحقه، نتيجة لاختلال موازين القوى، وصولًا إلى الحروب النووية.

قد تشكّل القبائل والعشائر من سكان غابات أمريكا وإفريقيا، دليلًا على الغريزة الإنسانية التي تميل للتجمع والتوحد، حتى أن البعض يذهبون في تفسيرهم لكون «غريزة الانضمام لجماعة» أسبق من الرسالات السماوية، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في الحديث عن رسول الله نوح حينما اُرسل لقومه، أي عشيرته أو قبيلته، فالتجمع الإنساني هنا سبق أقدم رسالة سماوية معروفة لدينا. وبعده جاءت الرسالات السماوية، ومهمتها الأولى بعد الدعوة إلى وحدانية الإله، كانت التنسيق وإرشاد تلك التجمعات إلى طريق الصواب، والوحدة ونبذ الخلاف بين بني البشر.

تنبع قوة العشيرة والقبيلة، كما يصفها الباحث الكويتي خلدون النقيب في كتابه «في البدء كان الصراع»، من كونها «بسيطة بدائية، منغرسة في أعماق الوجدان الإنساني، انغراسًا لا يمكن معه اختزالها أو تفكيكها إلى علاقات أبسط»

تنبع قوة العشيرة والقبيلة، كما يصفها الباحث الكويتي خلدون النقيب في كتابه «في البدء كان الصراع»، من كونها «بسيطة بدائية، منغرسة في أعماق الوجدان الإنساني، انغراسًا لا يمكن معه اختزالها أو تفكيكها إلى علاقات أبسط». وتتصدر قوة العشيرة المشهد حين تتعرض الأفراد، مجتمعة أو منفردة، إلى خطر داهم، فتحاول الوصول لانتماء تجد فيها الأمان والطمأنينة. والانتماء إلى القبيلة يقوم على عدة عوامل، مثل النسب والدين واللهجة والطائفة والمهنة والإقليم الجغرافي. ودائمًا ما تحاول القبيلة الواحدة تقوية الروابط بين المنتمين لها عن طريق حصر التزاوج بينهم، مما يقوّيها ويجعل التحكم بها أسهل.

أدّت كثرة القبائل واقترابها من بعضها، مع النزعة الإنسانية تجاه الحصول على القوة والسلطة، لخلق صراعات لا تنتهي بينها، لأسباب عدة، أهمها التفاخر والثأر ومحاولة بسط السلطة والحصول على الثروة، فتقوم الحروب لأتفه الأسباب. وأي اعتداء من قبيلة أخرى، سواء كان هذا عملًا فرديًا أم جماعيًا، يُعد بمثابة إهانة لكل الأفراد المنتمين لها، وهكذا تستمر المعارك والصراعات في دائرة لا يمكن الهروب منها.

لذا فالهدف الأسمى الذي انطلقت منه الرسائل السماوية ومحاولات الفلاسفة، كان خلق إطار واحد لمنظومة تحتوي كل الأفراد، يتخطى حاجز القبيلة الواحدة، ويجمع كل الطوائف المختلفة.

قسّم الباحث اللبناني إيليا حريق التنظيمات التقليدية، التي سبقت إنشاء الدول العربية الحديثة، لعدة أنماط، تبدأ بدول «الإمام الرئيس» التي كانت الزعامة الدينية فيها تتحد بالزعامة السياسية، كما في بلدان الخلافة الإسلامية. والنمط الثاني كان دولة «الإمام والرئيس»، وفيها تستمد التنظيمات السياسية شرعيتها من دعم علماء الدين، كما حدث بين آل سعود والحركة الوهابية. أما النمط الثالث فهو أقدمها وأكثرها تقليدية، وتقوم فيه الدولة على أساس احتواء التنظيمات الأقوى للأخرى الأضعف، كما في دول مثل الإمارات والبحرين والكويت. ويضم النمط الرابع دولًا أسّسها حكام عسكريون تابعون للدولة العثمانية، يستغلون حالات الضعف التي ضربتها، فيعلنون استقلالهم، كما في حالة محمد علي في مصر، والدولة القرمانية في ليبيا، وحكم البايات بتونس، والدايات بالجزائر.

البداية كانت هنا

أغلب الظن أن الأفكار القائلة بأصالة فكرة «الدولة القومية» في الفكر العربي، والاستشهاد، في سبيل ذلك، بالحضارات الناشئة في الشرق الاوسط، هي مغلوطة ومضللة عمدًا في أحيان كثيرة، فالحضارات القديمة لم تقم يومًا علي عرق واحد، حيث امتدت الحضارة الفرعونية في لحظات كثيرة لمساحات شاسعة، حكمتها وعاشت بها أعراق مختلفة ومتنوعة، إما عن طريق الحروب أو التجارة. أما بالنسبة لفكرة «الدولة المصرية الحديثة»، وصاحبها محمد علي وأبناؤه، فتدحضها فكرة ألا دولة تُنشئ من أجل خدمة الجيش، كما أنه لا توجد دولة قومية تُحكم من قِبل قوميات أخرى. في الحقيقة، لم يتبلور مصطلح «الدولة القومية» إلا أثناء معركة التحرر من الاستعمار، كذلك الحال بالنسبة للدولة العراقية وبلاد الشام والمغرب العربي.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في 1918 بالانتصار الساحق لدول الحلفاء على دول المحور، أوفدت المملكة البريطانية الدبلوماسي مارك سايكس للتفاوض مع نظيره الفرنسي جورج بيكو، حول تقسيم تركة الدولة العثمانية، فقُسّمت بجرّة قلم المنطقة الواقعة من عكا على ساحل المتوسط إلى كركوك شمال ما بين النهرين، أو ما يُسمّى بـ«الهلال الخصيب»، بين منطقة نفوذ بريطانية جنوبية، ملونة بالأحمر على الخريطة، ومنطقة نفوذ فرنسية شمالية ملونة بالأزرق، فيما خُصّص اللون الرمادي للمناطق الدولية. كانت للمستعمر اليد العليا في التقسيم، وفي حين كانت سياسته تقوم على إنشاء الدول بناء على القوميات، كان يتغاضى عن هذه القوميات أحيانًا بناء على مصالحه الخاصة، فالسودان مثلًا بقيت تحت الإدارة المصرية ولم تستقل، بموجب معاهدة 1840، ولكن أيضًا لأن استقلالها كان يعني خروجها من دائرة الانتداب البريطاني على مصر، وبالتالي عدم قدرة بريطانيا على ممارسة نفوذها عليها.

من الدولة، رجوعًا إلى القبيلة

منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى بدايات العشرين، كانت الدولة هي الموضوع الأول للغناء من قِبل الشعراء، ثم تحولت مع الوقت إلى موضوع للعبادة من قبل الفلاسفة. لكن المديح تحول إلى انتقاد، والانتقاد إلى هجاء، إلى أن وصلنا ليومنا هذا حيث يتساءل البعض عن فائدة قيام الدول القومية؟

أجاب إرنست رينان عن هذا التساؤل، قائلًا، كما يستشهد به المفكر اللبناني جورج طرابيشي: «إن الدولة هي تعبير، لا عن واقع مادي قائم، بل هي إرادة مشتركة، والطبيعي أن الإرادة المشتركة تتدخل لكي تخلق ما هو غير موجود في الواقع. »

أما الدول العربية الحديثة فلم تنجح، بشكل عام، في إيجاد شكل للدولة يتوافق عليه الجميع، حيث لم تستطع هذه الدول تقديم تجربة وحدوية وطنية، يعتمد عليها الأفراد ويركنون إليها، نظرًا لظروف نشأتها القسرية على يد الاستعمار، الذي لم يكن يعبّر عن إرادة الشعوب ومصالحهم بأي شكل من الأشكال.

مواطنون في عمّان الأردن يشاهدون تقريرا عن إزاحة الحكم الهاشمي من العراق

ظلت الدول العربية الحديثة تعاني من فقدان الشرعية، لعدة أسباب، أهمها مركزية الحكم، وتوغل الأجهزة البيروقراطية، وبقاء طبقات السياسيين من الحلفاء القدامى للاستعمار، وضعف مؤسسات الحكم بعد انسحاب الموظفين الأجانب، واستمرار النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي للمستعمر، كما أن اكتساب السلطة أصبح يجري عن طريق الانقلابات/الثورات، حتى ظهرت الدول العربية كوليدة للاستعمار ووريثة لمؤسساته.

لضمان سيطرتها على شعوبها، اعتمدت الأنظمة الجديدة على التغوّل في المجتمع وتعظيم جهازها البيروقراطي وإضعاف القوى التقليدية، وزيادة حجم الجيوش والأجهزة الأمنية لضمان الاستقرار الداخلي. ومن الواضح أن تلك الخطوات استطاعت منح الدول العربية الناشئة بعضًا من الاستقرار المؤقت، إلا أنها سرعان ما تهاوت أمام الأزمات، كما حدث في هزيمة 1967 أمام الكيان الصهيوني.

أثناء هذا كله، لم يجد المواطن العربي نفسه، إلا عبدًا لأفكار الدولة الصارمة، بالإضافة لكونه شهيدًا وقت الحاجة.

النهاية أيضًا كانت هنا

عدة أسباب صعّبت بناء الهوية الوطنية بحدودها الجغرافية المرسومة، والحصول على ولاء المواطنين فيها، أولها الوضع الاجتماعي المزري والمتمثل في انتشار الفقر والمرض والجهل، والانقسامات العرقية والطائفية والمذهبية التي اهتم الاستعمار بإشعالها ثم بالإبقاء عليها مشتعلة، بالإضافة إلى تواجد الأيديولوجيات الإسلامية المناهضة للاستعمار الغربي، وهجومها الشرس على مفهوم «الدولة الوطنية» المحدد من قبل المستعمر، مع محاولات تقديم بديل منافس لها، يتمثل في محاولات إحياء الخلافة، والتي شكلت خطرًا كبيرًا على تواجد الدولة القومية.

في ظل كل تلك التناقضات، فشلت كل التجارب العربية، بشكل عام، في إيجاد جو من الطمأنينة لدى أفرادها، يقوم على رعاية المواطنين وتوفير الأمن والحقوق والعدالة الاجتماعية وتحقيق سبل المشاركة الشعبية. كما أن انفراد النخب الحاكمة بالسلطة، وتغليب مصالح فئات بعينها على المصالح العامة، والفساد في التعامل مع الموارد والطاقات، وتقييد الحريات، كل هذا جعل تحقيق مبادئ المواطنة شبه مستحيل.

عادت الولاءات الأولية، الدينية والمذهبية والقبلية، لتطغى على قيم المواطنة، بمساعدة من السلطات المحلية الحاكمة نفسها، سواء كانت معادية للاستعمار أو ممالئة له

كانت نشأة الدول القومية مصحوبة بقصور سياسي مؤسسي حال دون تخطي العصبيات، وكانت نتيجته دساتير هجينة ما بين طائفية ومدنية ودينية وملكية وجمهورية .فحتى وإن بدأت الدول العربية قوية ومستقرة، إلا أنها لم تصمد كثيرًا واجتاحتها الفوضى، وتمزقت أكثر مما كانت، وعادت الولاءات الأولية، الدينية والمذهبية والقبلية، لتطغى على قيم المواطنة، بمساعدة من السلطات المحلية الحاكمة نفسها، سواء كانت معادية للاستعمار أو ممالئة له، والتي سعت لشَرْذَمة القوى المختلفة في تحالفات صغيرة، إلى أن بدأت الدولة في التنازل عن وظيفتها الحصرية في حفظ الأمن، لصالح بعض القبائل والطوائف التي تملك القدرة على فرض الأمن في منطقتها، مقابل حصول الدولة على بعض المكاسب الاقتصادية والسياسية.

اليوم، نشاهد تغيرات جذرية في المنطقة العربية، على يد جماعات ممن لا تزال تناهض مفهوم «الدولة القومية»، كما نشاهد صعود الملكيات الاستبدادية، كما في حالة إمارات الخليج وممالكه، على حساب الديكتاتورية العسكرية، كما في حالة مصر وسوريا والعراق.

تدفعنا الفوضى التي ضربت المنطقة، من ثورات وانقلابات وحروب، مع كل ما طرأ على الدول الوليدة من تغيرات، للتوقف عند بدايات النشأة، لإعادة التفكير من جديد حول قيم المواطنة ودور المجتمعات التقليدية في توفير النظام وبقاء المجتمع الإنساني سلميًا متعايشًا.

أم أن الفيلسوف البريطاني، توماس بين، كان علي حق، حين قال في كتابه العظيم، «حقوق الانسان» إن الشطر الأكبر من النظام السائد بين البشرية ليس ثمرة الحكومة، وإنما «ينشأ من أصول المجتمع والتكوين الطبيعي للناس. وقد تقدم النظام في وجوده على الحكومة، وسيوجد حتى لو أُلغي شكل الحكومة. ذلك أن اعتماد الناس بعضهم على بعض، يخلق تلك السلسلة العظيمة من الاتصال، وصفوة القول أن المجتمع يكاد أن يحقق لنفسه كل شئ دون حاجة لحكومة»؟

اعلان