يوميات السجن – الحياة العادية للمسجون العادي (حلقة 4) رمضان من منظور آخر

في نحو السادسة صباحًا، داهمت القوات الغرفة للتفتيش، دخل الجنود وانقضوا علينا كسرب من الصقور الجارحة التي تنقض على فريستها. أيقظونا من النوم بأرجلهم و دفعنا المخبرون لخارج الغرفة وكأننا قطيع من الماشية.

كانت العملية أشبه بمداهمة وكر، أو كأن بيننا وبينهم حربًا. دمروا كل شيء وقطّعوا البطاطين والملاءات ورموا كل أغراضنا من طعام وشراب على الأرض. كان مخزوننا من الطعام هو ما نستعين به في فترات ما بين الزيارات، ولكن كل ما همهم كان الظهور في صورة المخلصين أمام الضابط المسؤول.

بعد خروجهم منها، دخلت الغرفة، بحثت عن أوراقي وكتبي وخطابات الأصدقاء، فلم يشغلني سوى مصيرها، لأنها كانت رفيقتي في طريقي الذي لا أعرف نهايته، ولكن لحمد الله، فلم يكونوا يهتمون بالكتب والأوراق، وإنما كان أكثر ما يشغلهم هو السجائر. عثرت على كتبي وأوراقي في النهاية.

بدأنا في ترتيب الغرفة مرة أخرى، حاولنا قدر الإمكان الحفاظ على ما تبقى من أي شيء، ولكن الغالبية كانت قد تدمرت أو لم تعد تصلح للاستعمال.

وبعد الانتهاء من إعادة الغرفة إلى وضعها السابق، وبعد ساعات شاقة ومدمرة بدأت مشكلة أخرى، فالجميع يريدون الدخول الحمام للاستحمام، وكنا نحو خمسين شخصًا.

في هذه الفترة حوكم عدد كبير من المتواجدين في الغرفة، وقريبًا سيُرحّلون، وبدأت مجموعات جديدة بالقدوم. رسمة: رنوة يوسف

كان هذا يومًا عصيبًا، كنت بحاجة لقسط من الراحة ولا أقدر على إعداد الطعام، كل ما كنت أبحث عنه هو النوم ولو قليلًا؛ كل جسدي كان يؤلمني.

في هذه الفترة حوكم عدد كبير من المتواجدين في الغرفة، وقريبًا سيُرحّلون، وبدأت مجموعات جديدة بالقدوم، وما هي إلا أيام حتى رُحّل المحكومون لسجون مختلفة وجاءت أعداد جديدة غير قليلة.

لم يكونوا يتكلمون في البداية، ولكن بعد فترة بسيطة بدأوا في الكلام وعرفت أن لهم دورًا في إجهاض الثورة؛ منهم من كان يعمل على حماية الأقسام، ومنهم أحد بلطجية دار السلام، وهو يتاجر في المخدرات أيضًا. وفي مقابل وقف قضيته، طلب منه رئيس مباحث قسم دار السلام حماية القسم، وأُعطي سلاحًا وضوءًا أخضر لإطلاق الرصاص الحي على أي من يقترب منه.

بعدها وضعوه في أحد مواقف العربات الخاصة بدار السلام ليأخذ الكارتة من السائقين، ثم نكثوا بعهدهم معه وقُبض عليه في قضية إتجار في المخدرات.

أثناء حديثه شهد بعض المساجين، ممن كانوا يعرفونه سابقًا، أنه أطلق النار بالفعل على بعض المواطنين.

كما كان من القادمين الجدد أخوان من عابدين، وكانت مهمتهما جمع بعض المسجلين وأصحاب القضايا ومنحهم المال مقابل مهاجمة المتظاهرين والاعتداء عليهم في التحرير أو في المظاهرات القريبة من منطقتهم، وقد اعتدوا على المتظاهرين فعلًا وأحرقوا الخيام مرات عدة، ثم جرى تصويرهما بالسلاح وقُبض عليهما بتهمة الإتجار في المخدرات وبمحاولة فرض السيطرة.

كانت الداخلية تستخدم مثل هذه المجموعات وقت احتياجها لهم، وفي النهاية يكون مصيرهم مثل مصير خيل الحكومة؛ طلقة نار.

كان الجميع في الغرفة يعرفون أني جئت لهذا المكان في قضية سياسية، وأنني أدخله لأول مرة.

كلما اقتربنا من رمضان كان إحساسي بالوحدة يتزايد، فلا صديق يؤنسني هنا ولا رفيق، ولا مقرب لي أتجاذب معه أطراف ما يهمني من حديث.

كلما اقترب موعد جلستي، اشتد خوفي من أن يُحكم علي بالبقاء هنا مدة أخرى، ومع الخوف تزداد السعادة أيضًا، لأنني على الأقل سأرى أصدقائي في الجلسة، كما أنها فرصة لرؤية أهلي لفترة طويلة.

مرت الأيام في انتظار موعد جلستي، وكل يوم كأنه دهر كامل، والأقسى أننا نقترب من شهر رمضان بمكانته الخاصة عند الجميع؛ هل سأكون في هذه الأيام المباركة بعيدًا عن أهلي؟

كنت أعلم أن أكثر من سيتضرر من مكوثي هنا في هذه الأيام هو والدتي، فسيشق عليها قطع هذه المسافة مع الصيام، خاصة مع مرضها.

جاء موعد جلستي وقررت المحكمة التأجيل لشهرين. حدث ما كنت أخشاه؛ سأقضي هنا ستين يومًا أخرى، ومنها رمضان، يا لمرارة الأيام وما أطولها!

كلما اقتربنا من رمضان كان إحساسي بالوحدة يتزايد، فلا صديق يؤنسني هنا ولا رفيق، ولا مقرب لي أتجاذب معه أطراف ما يهمني من حديث.

جاء الشهر الكريم وانتظرتُ أمي في بدايته، ولكنها لم تأت كما وعدتني آخر مرة، فاشتد خوفي وقلقي عليها، لأنها لم تتعود التأخر، وأنا أعرف يقينًا أنها لو كانت بخير لما فوّتت هذه الفرصة. انقطعت الأخبار عنها وبدأت نفسي تسوّل لي بما كل هو شر: هل توفى أبي؟ هل حدث مكروه في البيت؟ أصبحت كالمجنون غير قادر على الأكل ولا الشرب. حتى الموت تمنيته واشتهيته.

كنت أنتظر بلهفة كل صباح «مُسيّر الأسماء» وهو ينادي أسماءنا، على أمل أن يكون اسمي بينها. في ثالث أيام رمضان سمعته يذكر اسمي. لم أستطع تمالك نفسي ولم أقوَ على انتظار السجان ليفتح باب الغرفة. أردت الخروج بسرعة حتى أنني نسيت ارتداء ملابسي الخاصة بالزيارة.

سألتها بلهفة إن كان الجميع بخير، فردت بالإيجاب. بدأ إحساس الراحة يتسلل لكل جسمي. لعبت مع أبناء إخوتي راسمًا بسمة كبيرة على وجهي، وتناسيت ما أنا فيه، حتى أقوّيها وأصبّرها على المحنة.

بعدما انتهى وقت الزيارة أحسست أن جسمي لا يحتاج سوى لمكان يرتمي فيه. صعدت غرفتي ورحت في نوم عميق ولم أستيقظ إلا عند آذان المغرب.

اختلفت تجربة رمضان كثيرًا عن الخارج. كانت هنا عبارة عن مشاهدة المسلسلات فقط، فهي السبيل الوحيد لتمضية الوقت. ولكن في مقابلها، كان الصيف قاتلًا، نتشوق إلى قليلٍ من المياه الباردة لنطفئ لهيب أجسادنا، ولكنه بالنسبة لنا حلم بعيد المنال، فكنا نلف قطعة قطن حول الزجاجة ونضعها في الماء طول اليوم حتى تبرد المياه بالداخل، ومع هذا لا يصل الماء إلى ما نتمناه من البرودة، وإنما يكاد يصبح فاترًا على آخر اليوم.

كان الجو شديد الحرارة، وكان علينا خلع ملابسنا الداخلية كل دقيقة لعصرها. لم تكن الشفاطات تعمل، وطلبنا إصلاحها أو تركيب أخرى جديدة، ولكن إدارة السجن لم توافق، كما رفضت دخول المراوح الفريش

كانت هناك ثلاجات لتبريد المياه في مدخل العنبر، ولكن لم يكن مسموحًا لنا ملء الزجاجات منها.

تعرفت على شاويش عرض علينا زجاجة مياه باردة مقابل علبة سجائر يومية، ووافقنا.

كانت الغرفة مقسّمة في رمضان إلى خمس مجموعات، كل مجموعة تأكل مع بعضها. نجهّز الطعام من السابعة صباحًا لينتهي عند العشاء، وكلٌ منا يتفنن في ما يجيده؛ هناك من يحضّر العصير ومن يعد السلطات ومن يجهز الطعام، وهناك المسؤول عن السحور وإيقاظ النائمين.

كان الجو شديد الحرارة، وكان علينا خلع ملابسنا الداخلية كل دقيقة لعصرها.

لم تكن الشفّاطات تعمل، وطلبنا إصلاحها أو تركيب أخرى جديدة، ولكن إدارة السجن لم توافق، كما رفضت دخول المراوح الفريش، لأن مراوح السقف لم تفعل إلا أن توزع الحرارة علينا. كنا كتلًا من اللحوم المتراصة القادرة على تحويل الهواء لهواء مسمم، وكنا نجلس في الغرفة بالملابس الداخلية، ومع ذلك كانت هناك حالات إغماء لا حصر لها، خاصة بين كبار السن.

كنت تارة أقف على الباب الحديدي محاولا لمسه بجسمي حتى أتمتع ببعض البرودة، وتارة أضع وجهي على النضارة لأحاول خطف ذرات من الهواء البارد والنظيف لعلها ترطّب جسمي.

وجاء العيد، مصحوبًا هو الآخر بأحاسيس سيئة، ولكن بالنسبة للأباء بالأخص، الذين كانوا أكثر منا حزنًا وألمًا لفراق أبنائهم، حيث كانوا يعرفون أن الفرحة لن تجد لقلوب الأطفال طريقًا هذه الليلة. كنت أجلس ليلة العيد محاولًا تذكر ما كنا نفعله في الخارج؛ الأهل والأصدقاء وأطفال البيت، صبيحة العيد والصلاة في العراء والأطفال يمرحون ويلعبون.

استيقظنا مبكرًا، صلينا العيد داخل الغرفة. كان الحزن يخيم على الجميع. كلٌ يسلم على الآخر ويهنئه؛ لا خصام بين أحد بين أحد فالخلافات سُويت اليوم، ولكن أيضًا بلا ابتسامات.

أجّل القاضي جلستي هذه المرة لأربعة أشهر. كانت صدمة كبيرة لي، فهذا أطول تأجيل أحصل عليه. رسمة: رنوة يوسف

في انتظار الجلسة

تحدد موعد جلستي بعد العيد بعشرين يومًا.

في صباح يوم الجلسة توجهت إلى المحكمة ودخلت القاعة ناظرًا لوجوه من حولي باحثًا عن أهلي وأصدقائي، وعندما رأيتهم أحسست بالأمان.

أجّل القاضي جلستي هذه المرة لأربعة أشهر. كانت صدمة كبيرة لي، فهذا أطول تأجيل أحصل عليه. عدت للسجن أحمل على كتفي همًا كبيرًا؛ أربعة أشهر أخرى في هذه المقبرة.

أحسست بالانهيار يحاصرني من كل اتجاه، وتملكني اليأس وتوقفت عن الكتابة والقراءة وبدأت أقضي معظم الوقت نائمًا.

في أحد هذه الأيام سمعت حركة غير طبيعية من حولي في العنبر. نظرت من النضارة فوجدت مجموعة كبيرة من الجنود والضباط والمخبرين يحاصرون مجموعة من الشباب وينقضون عليهم كالكلاب المسعورة محاولين نهشهم. كان الضحايا مرتدين ملابس مدنية، ومن الواضح أنهم إما قادمون من الأقسام أو من المحكمة، وفي الغالب من المحكمة، حيث لم تكن معهم أغراض.

عدت لمكاني مرة أخرى فأنا لا أحب أن أرى أحدًا يُهان أو يُضرب أمامي، لأن هذا يضاعف إحساسي بالعجز.

في المساء سمعت باب الغرفة يُفتح، ونظرت إلى الباب فرأيت صديقًا قديمًا لي يدخل الغرفة، متجهًا للنوم في الطرقة وراء الباب، ما يعُدُ تكديرًا في السجن، فكل من يتحرك يدوس على النائم خلف الباب.

لم أصدّق عيني في البداية. ناديت عليه فنظر لي ولم يرني؛ كان الضوء خافتًا، ولكنه كان كافيًا لأتأكد من كونه صديقي. اتجهت إليه سريعًا وحملت أغراضي ووضعتها. كانت سعادتي غامرة، فرغم كل شيء لم أعد وحيدًا.

أخذته لمكاني، وبعد عناق حار جلسنا وأخذ كل منا يطمئن على الآخر. عرفت أنه قُبض عليه في أحداث مجلس الشورى مع مجموعة من الأصدقاء ممن تفرقوا بين العنابر والغرف.

عرفت وقتها لماذا فُعل به هذا، وأدركت سياسات الوقيعة التي يسلكها المخبرون، وتذكرت كم حذرني هؤلاء من إخبار زملائي الجنائييين بكوني متهمًا سياسيًا، كي لا يستعرض الجنائيون قوتهم عليّ. ولكن هذه كانت مجرد خدعة للإيقاع بيننا.

تركت مكاني له كي يستريح وعرضت أن أنزل مرة أخرى لأنام في الطرقة بدلًا منه، ولكن كان هناك من رفض ممن يشاركوننا الغرفة، عارضًا عليه مكانه.

في الصباح ناداني نوبتشي العنبر كي أجلس معه لنتحدث حول أمر ما، وإذ به يخبرني أن هناك توصية من المخبرين على صديقي، وأنهم طلبوا منهم تكديره ومضايقته ودفعه للنوم في أسوأ الأماكن، في الحمام أو خلف الباب.

رفضت بشدة وقلت إني لا أسمح به، وإنه إذا أراد فعل هذا فليفعل، ولكنه لن يحب العواقب. سألني عن حل المشكلة فقلت له: «بس قل لهم تحت في الإدارة إن الموضوع دا حصل». واتفقنا على هذا.

لا أعرف إن كان ما قلته لهم يعد تخاذلًا، أم أنه الموقف الصحيح. في هذا الوقت كنا عندهم، وليس من الحكمة أن تأخذنا عنترية غاضبة فيذهبون بنا إلى حيث يريدون من ضرب وتعذيب وإهانة

كان لي صديق آخر في الغرفة المجاورة، وكنا نستيقظ مبكرًا في وقت التريض حتى نقابل بعضًا ولنجلس مع بعض لأطول فترة ممكنة، وكانت هناك مجموعة أخرى من الأصدقاء في العنبر ولكنهم كانوا في الجانب الآخر، وكنا نقابل بعضنا عند الحديد الفاصل بيننا وبينهم، لنطمئن على بعضنا وعلى سائر الأصدقاء في السجن.

كانت هذه هي الفترة المضيئة وسط كل هذه العتمة.

في صباح أحد الأيام فاجأني صديقي المجاور لي في الغرفة بأنه يتعرض لمضايقات، وأنه يرغب في نقله من تلك الغرفة. نصحته بعدم إعلان كراهيته وبغضه، هو زملاؤه، لإدارة السجن، وبأن عليه الصبر قليلًا حتى ننقله معنا.

لا أعرف إن كان ما قلته لهم يعد تخاذلًا، أم أنه الموقف الصحيح. في هذا الوقت كنا عندهم، وليس من الحكمة أن تأخذنا عنترية غاضبة فيذهبون بنا إلى حيث يريدون من ضرب وتعذيب وإهانة.

كنت أوزع الروايات على الأصدقاء وأحاول الاطمئنان عليهم وتوصية من أعرفهم في الغرف المجاورة وفي العنابر الأخرى حتى نطمئن على بعضنا. فهنا، وفي هذه الظروف، يمكن الاستئثار بأحد الأصدقاء دون علم الباقين، وبالتالي كان لابد من حملة اطمئنان يومية على الجميع.

كنت أجلس أنا وصديقي نتحدث طول الليل عن الماضي وأحوال الأصدقاء في الخارج وكيف أصبحوا، وهل يتذكروننا أم نسونا كما نسوا أشياء جميلة أخرى اندثرت مع سرعة الحياة.

كنت أستمتع كثيرًا بالحديث مع الأصدقاء ولا أرغب أن ينتهي.

مرت الأيام بسرعة وجاء موعد جلستي في شهر نوفمبر من سنة 2013.

في صباح الجلسة دخلت على القاضي فوجدت وجهه فظًا غليظًا لا يبتسم. قرَّ في قلبي أني محاكَم لا محالة، وخرجت من عنده وأنا أحدس قراره. كنت سمعت الكثير عن هذا القاضي، ولكني تعبت وأريد معرفة ماذا سيحل بي. نزلت إلى طابق أسفل في المحكمة، في غرفة صغيرة مكتظة شديدة الحرارة تسمى بلغة السجن «الحبسخانة». كنت قد وُعدت برؤية رفاقي وأهلي لكن هرب أحد المساجين تسبب في أن يُرفض هذا.

جاء موعد عودتي للسجن ولم يخبرني أحد بحكمي. وحاولت والدتي احتضاني ولكن بعض أعمال الشغب التي وقعت أثناء صعودنا سيارة الترحيلات حالت دون هذا. كانت والدتي تذرف دمعًا غزيرًا حزنًا عليّ.

تحركت سيارة الترحيلات متخذة طرقًا مختلفة، وعندما سألت عما حدث لم يجبني أحد. ووصلت للسجن وأنا لا أعرف، ثم أخبرني أحد الأصدقاء أنه قد جرى تثبيت الحكم بحبسي لثلاث سنوات.

بعد أيام قليلة جاء التصديق على الحكم، وعملت الفيش لاستكمال أوراقي مستعدًا للرحيل من هنا لأرض أخرى ومعاناة أخرى.

ولكن إلى أين؟ الله وحده يعلم ما أنا مقبل عليه وما سوف أتجه إليه.

اعلان