Define your generation here. Generation What

قيام وانهيار الدول الكردية في القرن العشرين خمس محاولات مجهضة لممارسة حق تقرير المصير

«الشعوب التي لا تمتلك دولة معرضة دومًا للمجازر والإبادة الجماعية»، جملة منسوبة لعالم الاجتماع التركي إسماعيل بيشكجي الذي سُجن لحوالي العشرين عامًا بسبب مواقفة الداعمة لقضية الأكراد.

تنطبق الجملة بشكل كبير على القومية الكردية، فالكرد من أكثر الشعوب التي تعرضت للإبادة والمجازر الجماعية، وهم أيضًا من أكثر القوميات التي قامت بثورات شعبية وحركات استقلال من أجل تأسيس دول لهم، حتى وإن لم يُكتب لها البقاء. حيث لم تنجح أي دولة كردية خلال القرن العشرين وحتى الآن في البقاء سوى لأيام معدودة أو شهور قليلة على الأكثر.

في مطلع القرن العشرين، وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، بدأ الكرد بالتفكير في إنشاء دولة مستقلة باسم «كُردستان». حيث وضع الحلفاء الغربيون المنتصرون في معاهدة سيفر، الموقعة في العام 1920، تصورًا لدولة كردية، إلا أن هذه الآمال تحطّمت بعد ثلاث سنوات، إثر توقيع معاهدة لوزان التي رسمت الحدود الحالية لدولة تركيا، بشكل لا يسمح بوجود دولة كردية.

شهد القرن العشرين وحده قيام خمس دول وجمهوريات كردية، تفاوتت أعمارها واختلفت أماكنها، ولكنها اتفقت جميعًا في سرعة سقوط التجربة

انتهى الوضع بالأكراد كأقليات في دول تركيا والعراق وسوريا وإيران وأرمينيا، وعلى مدار السنوات الثمانين الماضية، فشلت كل المحاولات الكردية لتأسيس دولة مستقلة، وكان آخرها استفتاء إقليم كردستان للاستقلال عن العراق، الذي انتهى بإزالة علم كردستان واستقالة رئيس الإقليم مسعود برزاني.

يتشابه ما حدث بكردستان العراق بعد الاستفتاء مع الكثير من فقرات التاريخ الكردي المليئة بمحاولات الاستقلال، حيث شهد القرن العشرين وحده قيام خمس دول وجمهوريات كردية، تفاوتت أعمارها واختلفت أماكنها، ولكنها اتفقت جميعًا في سرعة سقوط التجربة.

خلال السطور القادمة، نحاول تسليط الضوء على الثورات ومحاولات الاستقلال الكردية خلال القرن العشرين، بحثًا عن سبب فشل كل هذه التجارب، والظروف التي نشأت فيها وكيفية تعامل المجتمع المدني معها.

مملكة كردستان (1922 – 1924)

ما بين أكتوبر 1922 ويونيو 1924، أسّس الشيخ محمود الحفيد زادة البرزنجي في شمال العراق مملكة كردستان.

لم تنل المملكة وقتها الاعتراف الدولي، فبعدما أعلن البرزنجي نفسه ملكًا على كردستان في نوفمبر 1922 بعدة أشهر، أرسلت بريطانيا إلى السليمانية حملة عسكرية لنزع سلطاته، وتحركت القوات العراقية بدعم جوي وبري من الاستعمار البريطاني لتسيطر على المدينة في 19 يوليو 1924.

الشيخ محمود الحفيد في منفاه بالهند

استطاع «الحفيد» مجددًا الإغارة على القوات العراقية، وأخرجها من المدينة لتعود إلى سيطرته مجددًا، ولكن الجيش العراقي، وبدعم البريطانيين، استعاد السيطرة على السليمانية وأجبر الحفيد على مغادرة المنطقة واتخاذ الجبال مقرًا لشن حرب عصابات استمرت حتى عام 1926، حتى تمكنت القوات الإنجليزية، عن طريق مشير هماوندي الجاش، شيخ عشيرة «هماوند»، من اجتياز شعاب الجبل والالتفاف من الخلف حول القوات الكردية، فجُرح الشيخ محمود وأُلقي القبض عليه وسيق إلى بغداد، حيث حكمت عليه المحكمة البريطانية بالإعدام، ثم خفّفت الحكم إلى عشر سنوات مع غرامة قدرها عشرة آلاف روبية، قبل أن تنفيه إلى الهند.

جمهورية كردستان الحمراء (1923 – 1929 )

تأسست جمهورية «كردستان الحمراء» في بداية عهد لينين في يوليو 1923، وكانت جمهورية حكم ذاتي تابعة لحكومة أذربيجان، لكنها لم تستمر سوى لمدة ست سنوات، حيث انتهت بشكل تراجيدي عام 1929.

عاصمة هذه الجمهورية كانت مدينة لاجين، وحوالي 70% من سكانها كانوا أكرادًا.

جاءت فكرة إعلان الدولة نتيجة للكثير من الظروف الصعبة التي تعرض لها الأكراد المتواجدون هناك، حيث أعلن عدد من كبار رموزهم تأسيس منطقة حكم ذاتي عام 1923، بإيعاز من رئيس الاتحاد السوفييتي لينين نفسه، وبالفعل تشكّلت المؤسسات الإدارية في الإقليم الجديد، وانتخب كوسي حجييف كأول رئيس للبرلمان وأول رئيس لكردستان السوفييتية.

خريطة كردستان الحمراء

ورغم أن درجة الحكم الذاتي الممنوحة للرئيس كانت محدودة، قياسًا على أقاليم وقوميات أخرى، إلا أن تجربة كردستان الحمراء شكّلت على الصعيد السياسي أول تجربة لدولة كردية في العصر الحديث، وحدث تقدم ملموس على صعيد نشر الدراسات حول اللهجة والثقافة الكردية، كما مُنح الإقليم الحق في البث الإذاعي، وإصدار جريدة «كردستان السوفييتية»، وافتُتح معهد تربوي، وبدأ تعليم الأطفال اللغة الكردية.

لم تستمر هذه الدولة فترة طويلة، وكما بارك الاتحاد السوفييتي قيامها، كان هو أيضًا من يقف وراء نهايتها، نتيجة لمعارضة بعض الرموز السوفييتية، مثل جوزيف ستالين، ووزير الشؤون الخارجية السوفييتي، لأي «تحرك كردي قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بكل من تركيا أو إيران».

جاءت نهاية هذه الجمهورية بعدما رُحّل كثير من الأكراد من هناك، وأعيد دمج من تبقى منهم تدريجيًا مع السكان الآذريين، وجرت إعادة توزيع للمنطقة في عدة وحدات إدارية جديدة تحت سيطرة الآذريين، وتغيّر اسم المنطقة إلى «إقليم نقشوان».

بعدها، تعرض الكرد لسياسات عنصرية بشعة من قبل السلطات الآذرية، فمُنعوا من التحدث باللغة الكردية، من أجل صهرهم ضمن الأكثرية الأذرية، وهُجّرت أكثريتهم إلى جمهوريات آسيا الوسطى وسيبريا، وصودرت أراضيهم وممتلكاتهم.

جمهورية آرارات (1927 -1930)

في العام 1927، وبالتزامن مع احتجاجات اندلعت في جنوب شرق تركيا، اندلعت ثورة كردية وأُعلنت فيها جمهورية «آرارات الكردية المستقلة».

في هذا العام، قاد أكراد تركيا سلسلة من المواجهات مع السلطة، بدأت بثورة في مناطق جبال آرارات باسم «ثورة آغري» أو ثورة «أرارات»، عام 1930، بقيادة إحسان نوري باشا (1896-1976) الذي أسس حزبًا سياسيًا كرديًا باسم «خويبون»، وأعلن مناطق جبال آرارات دولة كردية مستقلة، ليبدأ مع الدولة التركية حربًا شاملة في المنطقة الكردية بتركيا.

في البداية، مُنيت القوات التركية بخسائر فادحة، وهو ما استدعى من الأتراك إعلان النفير العام واستدعاء آلاف الجنود والمتطوعين لمحاصرة تلك المنطقة وارتكاب الجرائم بحق المدنيين حتى لجأ نوري باشا وعائلته ولفيف من الثوار إلى إيران، ونتيجة لعدم وجود دعم عسكري أو مادي كافيين، فقد تم القضاء على جمهورية آرارات في العام 1930 على يد الجيش التركي.

جمهورية مهاباد (يناير – ديسمبر 1946)

تأسست جمهورية مهاباد في أقصى شمال غرب إيران عام 1946، ونشأت نتيجة الوجود السوفييتي في إيران، فرغم إعلان إيران الحياد خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن القوات السوفييتية دخلتها بذريعة تعاطف شاه إيران رضا بهلوي مع هتلر.

في عام 1945، نشأ الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP)، ليطالب بالحكم الذاتي، وبالاعتراف بالكردية كلغة رسمية، والمزيد من الحكم الديمقراطي المحلي، وقوانين أفضل في التعامل بين الفلاحين وملاك الأراضي.

قاضي محمد في المنتصف

في 24 يناير 1946، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني قيام جمهورية مهاباد في احتفال في مدينة صقيز، شارك فيه مندوبون من المناطق المحيطة، وأصبح قاضي محمد زعيم الحزب رئيسًا للإقليم، بينما أصبح مصطفى بارزاني، والد الزعيم الكردي الحالي مسعود البرزاني، قائدًا عامًا.

في مايو من نفس العام، انسحبت القوات السوفييتية من إيران، لتترك الجمهورية الوليدة عرضة للهجوم من قبل القوات الحكومية الإيرانية. وفي ديسمبر 1946، دخلت القوات الإيرانية مهاباد لتقضي نهائيًا على الحكم الكردي في المنطقة، وفي 30 مارس 1947، شنق الجيش الإيراني قاضي محمد مع شقيقه بينما هرب مصطفى البرزاني مع عدد من رجاله إلى الاتحاد السوفييتي .

جمهورية لاجين الكردية 1992

تعد هذه آخر دول الأكراد التي أعلنت استقلالها بشكل فعلي، فبعد القضاء على كردستان الحمراء في أذربيجان، لم تتوقف المحاولات الكردية هناك لإقامة دولة في المنطقة بين أذربيجان وأرمينيا.

وشهد عام 1992 إعلانًا لولادة جمهورية لاجين الكردية برئاسة ويكيل مُصطفاييف في مدينة لاجين، وجاء هذا بعد أن استولت القوات الأرمينية على لاجين، حيث نُقل المثقفون والشباب الأكراد الموجودون في أرمينيا إلى لاجين بأذربيجان من خلال حافلات.

ومع ذلك، لم تنجح الدولة وانهارت بسرعة، نتيجة لممارسات الحكومة الأذربيجانية، التي تلقت دعمًا مباشرًا من الأتراك، جنبًا إلى جنب مع الصمت الروسي والمحاولات الأرمينية للسيطرة على المنطقة، ما اضطر مُصطفاييف في نهاية المطاف للهروب إلى إيطاليا طلبًا للجوء السياسي.

بين النشأة والسقوط

نظرة عامة على ظروف نشاة وسقوط ما يمكن تسميته بـ«الدول والجمهوريات والكردية»، التي نشأت خلال القرن العشرين، نجد أنها جميعًا تتشابه في عوامل الصعود والسقوط.

قد يكون للعوامل الخارجية الأثر الأكبر في نشأة أي كيان كردي أو سقوطه. وظهر ذلك بوضوح في جمهورية كردستان الحمراء التي وُلدت بقرار من الزعيم السوفييتي لينين وسقطت بقرار من مساعده ستالين، كما ظهر في جمهورية مهاباد، عندما دعم الاتحاد السوفييتي الجمهورية الكردية الوليدة، ثم تركها وحيدة تواجه القوات الإيرانية التي أسقطتها وأعدمت رئيسها، وسط تواطؤ سوفييتي كامل.

الأكراد والمصلحة الغربية

في كتابه «كردستان مستعمرة دولية»، يرى عالم الاجتماع التركي إسماعيل بيشكجي أن أكبر مصيبة قد تحل في تاريخ أمة أن تصبح هدفاً لسياسة «فرّق تسد»، وذلك لأن «هذه السياسة تدمر كيان الأمة وتقطع أوصالها»، هذا ما حدث بالنسبة للأمة الكردية في الربع الأول من القرن العشرين.

ويرى بيشكجي أن «الأكراد أمة بلا دولة، والهدف الرئيسي للاستعمار الدولي أن يحول دون تأسيس دولة كردية، الأمر الذي يسهل الاستغلال المستدام للموارد الطبيعية ولآبار النفط والمياه والمعادن الأخرى من ثروات كردستان».

من جانبه، لخّص مسعود برزاني، الرئيس المتنحي مؤخرًا لإقليم كردستان العراق، مأساة الكرد مع الاحتلال في كتابه «البرزاني والحركة التحررية الكردية» بقوله إن «الاستعمار البريطاني لم يكن صادقًا أبدًا في وعوده بمنح كردستان الإستقلال».

الموقف البريطاني خاصة، عبّر عنه الكاتب الإيراني حميد رضا جلائي في كتابه «المشكلة الكردية»، بـ«نظرية المصلحة»، حيث يرى أنه كلما سارت حكومات تركيا والعراق وإيران في طريق مصالح الدول الغربية القوية، دافعت الدول الغربية بدورها عن مشاريع حكومات الدول الثلاث في المناطق الكردية

كلام برزاني تؤكده الوقائع التاريخية، فقد وعدت بريطانيا الأكراد بإقامة دولة لهم في اتفاقية سيفر 1920، وألزمت الحكومة التركية بالاعتراف بذلك، وحصل الكرد، للمرة الأولى في التاريخ، على الاعتراف العالمي بالدولة. ولكن بريطانيا تجاهلت هذا النص وأخلفت وعدها للكرد، وفي اتفاقية لوزان التي وقعت بين دول الحلفاء وتركيا، لم يُذكر أي شيء عن حقوق الكرد في الاستقلال وإقامة دولة.

في كتابه «الإمبريالية والمسألة الكردية»، يرى المستشرق السوفييتي م. س. لازاريف أن الدور البريطاني ضد الكرد بدأ يظهر بوضوح بعد الحرب العالمية الأولى، إذ سعى الإنجليز لاحتواء ثورات الأكراد بتقسيم كردستان بين تركيا والعراق وإيران وسوريا، حيث عقدوا اتفاقيات بين هذه الدول، باستثناء سوريا التي لم تكن خاضعة للنفوذ البريطاني، لحفظ أمن الحدود، ولحصار الأكراد ومنعهم من توحيد كردستان.

كما ساند الإنجليز القوميين الأتراك، ودعموا أتاتورك لدوره في العلمنة وإلغاء الخلافة هناك، ووقفوا ضد الكرد، ودعموا الحكومات العراقية التابعة لهم لإخماد ثورات الكرد بكل قسوة، كما سلكوا نفس السلوك في إيران، لمنع الأكراد الإيرانيين من الثورة، ومن التواصل مع أكراد تركيا والعراق.

في الدول الثلاث الخاضعة لهم، إيران وتركيا والعراق، قدّم الإنجليز السلاح والدعم للحكومات التابعة لهم، وساندوا جهودهم في التصدي لأي حركة لاستقلال الكرد، واضطروا للتدخل بنفسهم، ولاستخدام سلاح الجو الملكي لقصف الأكراد في العراق، وعلى الحدود الإيرانية العراقية أكثر من مرة.

الموقف البريطاني خاصة، والغربي بشكل عام، عبّر عنه الكاتب الإيراني حميد رضا جلائي في كتابه «المشكلة الكردية»، بـ«نظرية المصلحة» التي تحكم سياسات الدول الغربية بعيدًا عن أي مبادئ أو شعارات زائفة، حيث يرى أنه كلما سارت حكومات تركيا والعراق وإيران في طريق مصالح الدول الغربية القوية، دافعت الدول الغربية بدورها عن مشاريع حكومات الدول الثلاث في المناطق الكردية.

كراهية قديمة

بعيدًا عن نظرية المصلحة، يعتبر بعض المؤرخين أن هناك أسبابًا عقائدية ودينية وراء الموقف الغربي الرافض لقيام أي دولة كردية، ويستدل هؤلاء على ذلك بالموقف البريطاني من ثورة الشيخ محمود الحفيد في أوائل العشرينات، حيث تدخل الإنجليز بكل قواتهم البرية والجوية لإخماد الثورة بالتعاون مع الحكومة العراقية، وطاردوا الرجل في الجبال حتى أصابوه ولم يزالوا به حتى نفوه في الهند.

الموقف البريطاني من الشيخ الحفيد، يفسّره مراقبون بخوف الإنجليز من الشيخ لتدينه وكونه أحد أقطاب الطريقة القادرية وتأثره بالخلافة العثمانية.

يتوافق هذا الرأي مع نظرية الخلاف العقائدي وحالة العداء التي يكنها الغرب للأكراد، كما يراها عثمان علي صاحب كتاب «الحركة الكردية المعاصرة». حيث يرى الكاتب أن كراهية قادة الغرب للأكراد تفوق كراهيتهم لأي شعب آخر، فقد سمحت بريطانيا ودول أوروبا بانفصال شعوب وأعراق كانت تابعة للدولة العثمانية، في الشام والخليج وشمال إفريقيا، والبلقان وشرق أوروبا، وجرى الاعتراف بها والقبول بانضمامها إلى عصبة الأمم، ثم الأمم المتحدة بعد ذلك، ولكنهم لم يقبلوا بتشكيل الكرد لأية دولة.

بحسب الكاتب، تؤكد التجربة التاريخية أن الدول الغربية تتلاعب بالأكراد وبحلمهم في إقامة كردستان الكبرى المستقلة، وثبت خلال قرنين من الثورات والانتفاضات الكردية أن هناك «فيتو» غربيًا ضد إقامة دولة موحدة للأكراد على حساب التقسيم المعلن في اتفاقية سايكس بيكو، عام 1916 عقب الحرب العالمية الأولى، وإن هدف نشجيع تلك الأحلام لا يخرج عن إطار الدفع بالأكراد طوال الوقت للصدام مع الدول القائمة لإضعافها.

خلافات وخيانات

بعيدًا عن الموقف الدولي، فهناك أزمات داخل الصف الكردي نفسه، حيث الخلافات الداخلية والصراع على السلطة جزء رئيسي من الحياة الكردية، كما حضرت الخيانة بشكل كبير في الثورات الكردية، كما ذكرنا سابقًا من وشاية شيخ قبيلة هاموند بالشيخ الحفيد ملك كردستان، وكما ظهر في الاتهام بالخيانة الذي أطلقه مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان بحق حلفائه بحزب الاتحاد الكردستاني في السليمانية .

هذه الحالة الكردية رصدها المفكر والسياسي الكردي عبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني في مرافعته المعنونة بـ«الكرد الذين بين فكي الإبادة الثقافية».

يقول أوجلان متحدثًا عن النخبة الكردية: «السبب الأول في العجز عن تطوير الحركة القومية الكردية المعاصرة، هو نمط التكوين التاريخي للشريحة الفوقية الكردية. إذ هناك اعتلالٌ وانحرافٌ في طراز تكوين هذه الشريحة». ويرى أوجلان إن هذه الشريحة الفوقية الكردية المتواطئة، طالما أهدت نفوذ السلطة إلى مؤسّسي الهيمنة على شعوبها «القوى الدولية والإقليمية»، من أجل مصالحها الشخصية أو العائلية البسيطة.

عبد الله أوجلان

عالم الاجتماع التركي إسماعيل بيشكجي كان أوضح من أوجلان في توصيفه للأزمة الداخلية الكردية، حين تحدث عمن وصفهم بـ«طبقة العملاء» وهي مجموعة من القوى التقليدية الكردية، التي سعت الدول التي تقتسم كردستان، للسيطرة عليها وشراء ولاءاتها مقابل امتيازات يحصلون عليها، كتعيين بعضهم نوابًا في البرلمانات المركزية أو وزراء أو موظفين كبارًا في الدولة، لقاء تخليهم عن هويتهم القومية.

في كتابه «كردستان مستعمرة دولية»، يرى بيشكجي أن هذه الطبقة من العملاء التي تخون قضية شعبها وتزداد ثراء أصبحت ظاهرة عامة وتعكس تحولًا سياسيًا في المجتمع الكردي، مشيرًا إلى أن مهمة هؤلاء تنحصر في تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية والمخابراتية.

يعبّر توصيف بيشكجي بدقة عن الأوضاع بإقليم كردستان، حيث تنقسم نخبة الإقليم وأحزابه بين أجهزة الاستخبارات الإقليمية والعالمية، وقد اتضح هذا الدور في سيطرة القوات العراقية على مدينة كركوك، وفي طرد البشمركة الكردية منها.

ختامًا، فرغم كل التحليلات والقياسات تبقى للقضية الكردية أسرارها التي لم تُكتشف بعد، ويبقى هناك الكثير من الاتفاقات والمؤامرات الدولية التي لم تظهر للنور، ولكن من المؤكد أن كل العوامل السابقة، متفرقة أو مجتمعة، قد ساهمت بشكل أو بآخر في سقوط الحلم الكردي بالدولة، أو في تأجيله على الأقل.

اعلان
 
 
محسن عوض الله