Define your generation here. Generation What

لماذا صمت السينمائيون عن منع «اللي حصل في الهيلتون»؟ في انتظار بارد لـ«خالد سعيد الأفلام»

قبل أيام، أعلنت إدارة بانوراما الفيلم الأوروبي عن إلغائها عرض فيلم «اللي حصل في الهيلتون» في دورتها العاشرة، رغم نشر المواد الدعائية للفيلم قبلها بأيام، مُبرِّرة تراجعها بالظروف الخارجة عن إرادتها.

لم يتطلب الاعتذار من متابعي البانوراما التفكير مرتين في سبب المنع، فالجميع في مصر أصبح يعي أن المنع بهذه الصيغة يعني أن هناك رفضًا رقابيًا لعرض الفيلم.

وجرى العرف على أن أي أسباب أخرى لإلغاء العروض يُعلن عنها بشكل شفاف وصريح، كأن يُصرَّح بتعذر وصول النسخة، أو بكونها غير صالحة للعرض، أو حتى بوجود خلاف حول الحقوق مع أصحاب الفيلم. أما في حالة التدخُّل الرقابي فيظل السبب مجهلًا، حيث تُفضِّل جهة العرض عادة عدم التصعيد حفاظًا على ما تبقى من علاقات، متوترة بالأساس، مع الرقابة.

لم يكن الخبر مفاجئًا لكثير من السينمائيين والمهتمين بالعروض «المختلفة» في مصر. فمن نجح في مشاهدة الفيلم، سواء لدى عرضه بالخارج، أوعن طريق روابط التحميل، يدرك جيدًا أنه يصطدم بشكل مباشر، وفج في نظر البعض، بجهاز الشرطة المصري، بتصويره كعصابة من الفاسدين المرتشين، وبالتالي كان من الطبيعي بالنسبة لهم منع الفيلم.

أما البقية ممن لم يشاهدوه، فقد اعتادوا في الثلاث سنوات الأخيرة على فكرة المنع بشكل عام، ولأسباب مختلفة، يتعلّق أغلبها بانطباعات وهواجس شخصية لدى مسؤولي الجهات الرقابية أو المؤسسات ذات النفوذ في الدولة. كل شئ وارد مع أجهزة الرقابة في مصر.

حالة «التطبيع» مع استقبال أخبار منع الرقابة، حالة الاستياء الصامت والرضوخ على مضض، اتضحت في تعليقات المتابعين على منشور صفحة البانوراما على فيس بوك. «متوقع جدًا» كان أكثر التعليقات تواترًا. لم يكن هذا الاعتياد قائمًا في الوقت السابق على الثورة، وقت كان الحماس السريع لتدشين حملات تضامن إلكترونية يحشد بسهولة جمهور المتعاطفين سويًا، فما الذي حدث؟

نجيب محفوظ والفيلم المسيء لليابان

في نهاية الخمسينيات تولّى الأديب والسيناريست نجيب محفوظ منصب مدير جهاز الرقابة علي الأفلام العربية. في شهادته عن جهاز الرقابة، والتي نُشرت في مجلة الفن السابع (عام 2000)، يحكي محفوظ عن استيائه من عرض فيلم أجنبي بدور العرض المصرية، لأنه وجده مسيئًا لدولة اليابان.

ورغم حصول الفيلم على التراخيص الرقابية وقتها من الجهة المختصة، إلا أن هذا لم يمنع محفوظ من الاختلاف مع محمد علي ناصف، مدير جهاز الرقابة وقتها، حيثُ أصرَّ محفوظ على موقفه بضرورة منع الفيلم، لأن اليابان كانت حليفة لمصر في صراعها مع الولايات المتحدة.

وصل الأمر لجمال عبد الناصر، الذي أوقف عرض الفيلم بعد نزوله بالفعل في الحفلات الصباحية. فسُحب من دور العرض ليختفي من «حفلة ستة» ولا يعود للأبد.

بالتأكيد يختلف وضع «اللي حصل في الهيلتون» عن وضع الفيلم الذي نعرفه الآن بـ«الفيلم المسيء لليابان»، من ناحية قدرة الأول على مواجهة الاختفاء، فبسهولة شديدة يمكن الآن تحميل الفيلم من الإنترنت أو حتى انتظاره حتى يُعرض في القنوات التلفزيونية المتخصصة في عروض الأفلام ذات الإدارة والسيطرة الخليجية.

لكن لماذا تشابه مصيرا الفيلمين، بمنعهما دون ضجة، رغم علمنا باختلاف الزمن تمامًا، ورغم أن «اللي حصل في الهيلتون» يحكي حادثة قتل مصرية مثيرة؟

على مدار السنة الماضية اصطدم السينمائيون المصريون بجهاز الرقابة بسبب تعنته ومماطلته، حتى اللحظة، في منح فيلم تامر السعيد «آخر أيام المدينة» التصاريح اللازمة للعرض. فرغم نزول دعاية الفيلم في دور العرض المصرية من شهور طويلة، ورغم رحلة الفيلم الطويلة في العديد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم، لا يزال الفيلم ممنوعًا من العرض في بلده الأصلي.

المخرج والمنتِج المستقل محمد حماد شكا أيضًا من المماطلة في حصول فيلمه «أخضر يابس»، والذي يُعرض حاليًا في قاعات محدودة، على التصاريح الرقابية. وهما حادثتان نتج عنهما موجات تضامن مختلفة الحجم والمساحة والأثر.

على الجانب الآخر، ورغم أن طارق صالح، مخرج «اللي حصل في الهيلتون» سويدي من أصول مصرية، وورغم أن أحداث فيلمه تدور حول تكليف ضابط بالتحقيق في حادثة قتل مستوحاة بشكل كبير من قصة سوزان تميم وهشام طلعت مصطفى، إلا أن المواد الدعائية للفيلم، من الإعلانات التشويقية والملصق الدعائي، خلَّفت انطباعًا أننا أمام فيلم شبه مدبلج.

كما أن البوستات الترويجية للفيلم، والتي تدعي أن صالح يمثل قصة نجاح مصرية في الخارج على شاكلة أحمد زويل، جاءت مكرَّرة ومضمونة الرواج لنموذج حلم الهروب من واقع مأزوم، والانطلاق للعالمية.

هذه العوامل رَسَّخت شعورًا أن هذا المُخرج ليس من هنا، وأن فيلمه لا ينتمي في طريقة صنعه ولا صورته النهائية للتيارات المتنوعة في السينما المصرية، ولا حتى يعاني من صراعتها وتحديّاتها. وبالتدريج ظل يتسرّب ذلك الشعور أننا أمام فيلم يُمثّل معبرًا آمنًا لمخرجه إلى هوليوود. فالمكان في الفيلم ثانويٌ، حتى لو كان ذا تأثير ملموس في الأحداث، كما أن الشخصيات عابرة لخصوصيتها المحلية في التكوين والنشأة، واللكنة المستخدمة تبدو بعيدة عن المصرية الدارجة.

كما لم يهتم صناع الفيلم، في أي من مراحله، بربط أنفسهم بجيل سينمائي مصري جديد يشترك معهم في التجربة والهموم. بل أصبحت الأصول المصرية ماضيًا شخصيًا للمخرج، ساعدته فقط في فهم دراما فيلمه، لكن لم تعاونه في أن يكون جزءًا من التيار السينمائي المصري الجديد.

كل هذا، بالإضافة لإحساس السينمائيين المصريين بعدم خطورة «منع الفيلم» على مستقبل كل منهم، لكونه فيلمًا أوروبي الإنتاج، ولأن مخرجه يعيش بالخارج، جعلهم يتابعون الأزمة كأنها خبر عابر متكرر، وليس باعتبارها انتهاكًا جديدًا يمس مشاريعهم الشخصية.

في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، وقف الناقد الراحل سمير فريد في مركز الإبداع الفني في افتتاح مهرجان «حوار الحضارات» قبل عرض فيلم «11 سبتمبر»، والمعروف أيضًا باسم «11 دقيقة 9 ثواني، صورة واحدة»، ليعتذر للجمهور عن عدم قدرته على عرض الفيلم كاملًا، والذي شارك في إخراجه 11 مخرجًا من مختلف أنحاء العالم، ومنهم المصري يوسف شاهين، نظرًا لاعتراض وزارة الثقافة على عرض فيلم المخرج الإسرائيلي عاموس جيتاي.

اعتذر فريد وقتها عن إقامة العرض، مُبررًا ذلك بعدم قدرته على عرض الفيلم ناقصًا، وقطع جزء من الفيلم.

اختلفت ردود الأفعال وقتها وسط السينمائيين والمهتمين بالحقوق والحريات في مصر، واتفق كثيرون أن المعركة خاسرة ولا تستحق، البعض بسبب اقتناعه بأن عرض الفيلم يُعد تطبيعًا بالفعل، ولكن البعض الآخر رأى أن هذا الفيلم ليس هو ما يستحق أن تلتف حول معركة عرضه جموع السينمائيين والمهتمين بإدارة معركة ضد الرقابة.

هذا الطرح تكرر بصورة مختلفة نسبيًا في النقاش بخصوص فيلم «اللي حصل في الهيلتون»؛ هذا الفيلم ليس هو ما يستحق، ولا ما يمكن البناء على معركته. السطحية في التعامل مع الشخصيات الدرامية، رجال الشرطة بالتحديد، تجعل من الدفاع عن قضية منعه خاسرة في التسويق لجمهور أوسع.

ابتعاد الفيلم عن تقديم نقد حقيقي لشبكات الفساد في مصر، جعل التعامل معه يجري بمنطق أنه ليس الفيلم المنتظر للمعركة، لكن هل هناك فيلم من الأساس يمكن اعتباره «الفيلم المنتظر» لدخول معركة الرقابة، «خالد سعيد الأفلام»، على حد وصف زميل سينمائي؟

المعركة مؤجّلة في انتظار فيلم يرضي أكبر عدد من الاطراف، يخرج من تحت يدي صانع أفلام مصري مثابر مهموم ومهان، ويشعر معه أكبر عدد ممكن، بالتوحد والتمثيل المشترك، فيلم لا يحمل ارتباكًا سياسيًا ولا يختلف حوله المتضامنون، مثير للجدل في صراعه مع الرقابة ولكنه غير مثير للجدل لنا (وأحاول التفكير: هل هناك مواصفات اخرى أم أن هذه تكفي؟)، المعركة مؤجلة في انتظار بارد يليق بمناخ سينمائي راكد تمامًا، يلام فيه السينمائيون، من قبل الدولة التي تحاصرهم، على قلة إنتاجهم، وعلى عدم وجود فيلم مصري لهم في مهرجان القاهرة السينمائي، وهو نفس المهرجان الذي سحب في دورته السابقة الفيلم المصري «آخر أيام المدينة» من مسابقته، ليترك الفيلم وحيدًا أمام لرقابة، تحظر عرضه بالصمت والتواطؤ.

في وسط سينمائي يشعر بغربة شديدة عن العالم من حوله، رغم الإنترنت والمهرجانات والعروض، وسط مضغوط يضطر لإدارة معاركه الخاسرة المتكررة مع الدولة ومع الجهات الرقابية، أصبحنا أسرى في حركتنا وتضامننا، حتى لا نخسر القليل مما تبقى. ربما لهذا نظر الكثير بأسى لإزالة «اللي حصل في الهيلتون» من جدول البانوراما، دون القدرة على الغضب، وبجرعة جديدة من الأسى على انحصار موقعه في الصراع.

اعلان
 
 
بسام مرتضى