Define your generation here. Generation What
«أخضر يابس» .. واقعية هذا الزمان
 
 
مشهد من فيلم «أخضر يابس»
 

في مشهد عابر من فيلم المخرج محمد حماد الأخير «أخضر يابس»؛ تقف شخصية الفيلم الرئيسية «إيمان»، والتي تلعب دورها الممثلة «هبة علي» في ظهورها الأول على شاشة السينما؛ في أحد فروع سلسلة محلات الحلويات التي تعمل بها لتتلقى من زميلتها البائعة كعكتين هدية من صاحب السلسلة بمناسبة خطوبة أختها. لا تتبادل السيدتان حرف تقريبًا أثناء هذا التبادل، قبل أن ينتقل الفيلم إلى مشهد آخر.

في نقاش بين المجموعة التي صاحبتني دخول الفيلم؛ استعادت صديقة المشهد طارحة سؤال يبدو للوهلة الأولى على قدر كبير من السذاجة، إلا أن الإجابة عليه لم تكن بالسهولة المتوقعة: «لمَ لم تتكلم السيدتان؟!». إن فكرنا في الأمر فإن مشهدًا مثل هذا لن يخلو في الواقع من الثرثرة والنميمة حول العريس المحتمَل والمباركات والأمنيات الطيبة المتبادلة، خاصة بين امرأتين من الطبقة الوسطى في أواسط عمريهما وفي حي مثل العباسية. ألا يبدو المشهد صامتًا أكثر مما ينبغي، بشكل يدعو إلى التساؤل حقًا؟!

للوهلة الأولى يبدو «أخضر يابس» مجرد مساهمة أخرى في تيار من الأفلام تعارفت أطراف كثيرة، سواء بتأكيد أو نفي الانتماء إليها، على تسميته بـ «السينما المستقلة». يشترك الفيلم مع مجموعة من أفلام التيار السابق ذكره في عديد من الجماليات المألوفة، وإن جاءت بجودة أعلى هذه المرة.

جماليات مرَّت على المتابِع مرات ومرات على مدار ما يقرب من عقد بدأ بـ«عين شمس» لإبراهيم البطوط (2008)، ولن ينتهي على الأغلب بفيلم حماد. ممثلون غير محترفين، مساحة ضئيلة للحوار، موسيقى تصويرية قليلة أو منعدمة، والتزام معلن بواقعية ما. لكن فيلم حماد يحمل بداخله أحد أكثر المحاولات الجادة والمتمكنة في تحويل هذه الجماليات من كونها تهويمات وتفضيلات شخصية لصناع الأفلام إلى كونها ضرورات درامية ذات وظائف محددة.

تقع أحداث «أخضر يابس» على مدار عدة أيام تسبق قدوم عريس محتمل لخطبة أخت البطلة. وتتمحور الأحداث حول التحدي المفروض على الأخت الكبرى للعثور على ذكر من ذكور الأسرة للجلوس معهما، أمام أسرة العريس للظهور بمظهر لائق، فهما فتاتان يتيمتان كما نستنتج من سياق الفيلم. لكن على بساطة خطه الدرامي الأساسي، يأخذنا الفيلم في رحلة أعمق داخل نفس شخصيته الرئيسية لنشهد بأنفسنا صعوبة العيش كامرأة في القاهرة.

لا يُثقل محمد حماد فيلمه بالاستعراض المُكثّف للقمع الظاهري لبطلته في الشارع ومحل عملها، وإنما يوظّف هذه المشاهد لاستكشاف بنية القمع الأبعد والأكثر خفاءًا. هذه حياة بلا فُرص وبلا احتمالات أكبر.

يبدأ الفيلم بتمثيل بصري لعنوانه الموحي، أوعية مختلفة يحمل أغلبها نبات الصبار، قبل أن يشرع في زرع احتمالاته الدرامية في مشاهده الأولى. فشخصيتنا الرئيسية تعود طبيبًا لخوفها من انقطاع الدورة، ليثار السؤال، أي شيء تخفيه هذه المرأة تحت صمتها التام وصلواتها المستمرة؟! بتقدُّم أحداث الفيلم يتكشّف صراع بطلته بشكل أوضح. صراع بين جفاف حياتها وبين خضرة روحها كما ينبئنا عنوان العمل.

تمر الأيام ثقيلة على «إيمان»، بين رحلتها اليومية للعمل وساعات دوامها وفراغ منزلها وغرفتها، والتي يُكرِّر حماد تصويرها من زوايا مشابهة كل مرة؛ إمعانًا في نقل المُشاهد شعوريًا إلى حيث تقف بطلته، وبين متابعة سعيها للعثور على ذكر من العائلة يقبل بالجلوس معها هي وأختها في استقبال عائلة العريس.

تتكشَّف لنا إيمان، كإمرأة وحيدة في أواسط ثلاثيناتها بلا سند أو معين؛ لكنها ورغم ذلك ما زالت تجد في نفسها القدرة على أن تكون مخلصة في بذلها لأختها لعلها تحظى بما لم تحظ هي به. تؤرقها إحباطاتها ولكنها مستمرة بالرغم من كل شيء.

في حواره مع جريدة القاهرة؛ يسوق حماد أسباب عدّة لاختياره «هبة علي» لدور البطولة. لفت نظري منها ما قاله عن أن «شرط وصول قصة الفيلم بصدق إلى المتلقي يكمن في ألا يكون لديه أي انطباع مسبق عن هؤلاء الممثلين الذين يشاهدهم على الشاشة».

بالإضافة لاهتمام حماد بمعيار ترشيح الممثل، فإن اختياراته التعبيرية الأخرى، كباليتة الألون وكادراته المركّبة تكوينيًا، وخلو شريط صوته من الموسيقى؛ لعبت دورًا ساهم في تلك العملية؛ عملية «وصول قصة الفيلم بصدق» للمشاهد.

ففي «أخضر يابس» تسود باليتة ألوان باردة تنتقل بين الأخضر والأزرق والرمادي والكاكي أحيانًا، لتعكس روح العالم الذي تعيش فيه إيمان. كما يحرص حماد في أكثر من موضع على التلاعب بفكرة الانعكاس في المرآة كإشارة مستمرة للشخصيتين اللتين تسكنا البطلة. أيضًا يظهر منزل إيمان كمساحة متعددة المستويات تتدرج فيها الظلمة والنور لتدعو عين المتفرج إلى الغوص أكثر في تفاصيل المكان.

وعلى المستوى ذاته يحرص حماد على شريط صوت لا تتدخّل فيه الموسيقى للتلاعب بالمشاهد موحية بمشاعر معينة يدعوه إليها المخرج، بل يبقى موضوعيًا راصدًا كل الأصوات الفعلية التي قد تخرج من الموقع. لا يكمن ذكاء حماد في ابتكار هذه العناصر، وإنما في الكيفية التي يستخدمها بها والمنطق وراء التوليف بينها. ولهذا السبب تحديدًا تتوقف تلك العناصر عن أن تكون «أسلوبًا» لتؤدي أدوارًا سردية حاسمة في مسار القصة التي يرويها الفيلم.

في عدد من المقابلات يحدد حماد طموحه في أن يصنع فيلماً واقعياً، الأمر الذي يجتر مقارنة مع تراث الواقعية في السينما المصرية. لكننا في «أخضر يابس» بصدد واقعية مختلفة، واقعية لا تستمد لغتها البصرية وأدواتها التعبيرية من تيار الواقعية الجديدة أو المحاولات الأسبق في نقل تمثيل دقيق للواقع على شريط الفيلم السينمائي بكاميرا محمولة على الكتف وشريط صوت عشوائي، وإنما هي واقعية جديدة بالكلية، واقعية تعتمد تفسير طازج لذلك الواقع كما يُفصِح عن نفسه في ذهن الصانع.

تطرح هذه النقطة تفسيرًا أوسع للفيلم ولماهية «الواقعية» المبتغاة، وربما في كل ذلك تكمن الإجابة عن سؤال لماذا صمتت السيدتان بينما كان الأوقع، أو الأكثر قابلية للحدوث في الواقع، أن تتحدثا.

اعلان
 
 
محمد الحاج