Define your generation here. Generation What
فيلم «الأم».. معالجة تشاؤمية للتاريخ البشري
 
 
البوستر الدعائي للفيلم
 

كم عدد الأفلام المستلهَمة من قصص الأنبياء على مدار تاريخ السينما؟ الكثير على الأرجح، ربما كان أشهرهم «الوصايا العشر» (1956) عن قصة خروج موسى من مصر، و«الإغراء الأخير للسيد المسيح» (1988) للمخرج الكبير مارتن سكورسيزي، والفيلم المصري«المهاجر» (1994) عن قصة النبي يوسف للمخرج يوسف شاهين. أمّا حديثًا فعندنا (نوح) عام 2014، للمخرج الأمريكي دارين أرنوفسكي، الذي قرر هذه المرة في فيلمه الجديد (! Mother) أو «الأم» 2017؛ تلخيص تاريخ البشرية المسيحي في حوالي ساعتين.

كما يوحي العنوان، فالأم المعنيّة هي مريم والدة المسيح. ولكن على خلاف الأفلام المذكورة، فـ «الأم» ليس عملًا دراميًا يُجسِّد معاناة أو إخفاقات أو تاريخ حياة الأنبياء وفقًا لرواية الإنجيل أو التوراة، فالمُخرج هنا هو أرنوفسكي الشهير بأعماله المصنفة بالرعب النفسي كـ «النافورة» (2006) و«البجعة السوداء» (2010)،والتي قدّم فيها قصصًا عن أناس مشوَّشين ذهنيًا وما يتراءى لهم من اضطرابات نفسية، موظّفًا  المتاهات البصرية والمؤثِّرات  الخاصة بشكل يرمي لإفزاع وإرباك المُشاهد. تتبع الكاميرا الأم (جينيفر لورانس)، من زوايا قريبة للغاية، لدرجة اهتزاز الصورة؛ ما يُحفِّز الشعور بالضيق الشديد أو «الكلاوستروفوبيا».

الشخصيات كلها بلا أسماء، ولا تتخطى أحداث الفيلم عتبات البيت الكبير الذي تسكنه لورانس مع زوجها الشاعر (خافيير بارديم). ويعلم المُشاهد من خلال حواراتهما أن البيت الكبير مِلك الشاعر، وأن زوجته تعيد ترميمه وتجهيزه بعد أن تعرّض لحريقٍ هائل، ولم يتبق منه سوى كريستالة صغيرة، يحتفظ بها الشاعر في غرفة مكتبه.

لا تبدأ حكاية الفيلم بالتبلور إلا بعد ظهور الممثل المخضرم (إيد هاريس)، الذي يؤدي دور طبيب يحتضر، وهو قارئ مهووس بالشاعر، يحلّ ضَيفًا عليه، فيرّحب الشاعر باستضافته رغم اعتراضات زوجته.

تبعًا للتأويل الذي يقول بأن الفيلم يُلخِّص تاريخ البشرية المسيحي، فهاريس ليس سوى آدم، أمّا زوجته التي تلحق به في بيت الشاعر،  فهي حواء الشريرة والنّمّامة (ميشيل فايفر)، التي وفقًا للسرديات الدينية، هي السبب في خروجهما من الجنّة. وكما في القصة الدينية، يتمّ السماح لهما من قبل الشاعر، بالتجوُّل في البيت كله، ماعدا غرفة مكتبه، كي لا يقتربا من الحجر الكريم الذي يمثّل «التفاحة المحرّمة».

ومع أن البيت الكبير (الجنّة)، محاط من الخارج بأشجار وحديقة كبيرة، تعزِله عن أي مبانٍ أُخرى؛ إلا أنه في الداخل مليء بالدهاليز والممرّات والأنفاق الخفيّة. وحين تلاحق الكاميرا لورانس في محاولتها لاكتشاف تلك الممرات، يتعمَّد المُخرج إفزاع المُشاهد بإقحام صور مخيفة ومفاجئة. فلا ندري إذا كانت لورانس مضطربة نفسيًا، أم أن البيت مسكون بالأشباح. ربما أراد المُخرج التلميح بأن الكَوْن؛ وحتى في صورته الحالية (كبيت مجهّز حديث)، يظل غامضًا ومبهمًا على الإنسان، رغم محاولاته المضنية لتفسيره من خلال الدين والعلم.

تتقدّم أحداث الفيلم، ليدخل للحكاية ابنا الزوجين، وهما شابين يمور بينهما الحقد والكره والصراع، حيثُ يمثلان قصة قابيل وهابيل. يكتشف أحدهما أن الأب (آدم) أوصى لأخيه بتركة أكبر منه، فيتشاجران، وترتعب أمهما المفزوعة، التي تحاول بلا طائل الحفاظ على خصوصية بيتها. تقع جريمة القتل المتوقّعة، فيقتل الأخ أخاه، ويتعقّد الأمر باستضافة الشاعر حفل المأتم في بيته.

تثير عائلة «آدم وحواء» الفوضى والفساد في البيت، فيهدمون ويخرّبون الأثاث، بل ويتحرشون بلورانس. يعرض أرنوفسكي تلك المشاهد ببراعة بصرية، حيثُ يجعل كاميرته تلتصق بلورانس؛ التي تسير وسط جموع من البشر لا يستمعون ولا يبالون بتحذيراتها حتى يخيّل للمشاهد أنه داخل أحد تلك الكوابيس التي يحاط فيها بأناس كارهين له غير مكترثين بوجوده.

يسخر أرنوفسكي من العادات والتقاليد، فأول مأتم في تاريخ البشرية، يتحوّل إلى حفلٍ صاخب، عندما ينعي الشاعر القتيل بكلماته الحكيمة، تتبعه زوجته لورانس بعد رجاء من والد القتيل، فتتفوه بكلمات لا تعنيها، ما يجعل الأمر أشبه بملهاة.

من زاوية أخرى يمكن مقاربة الفيلم برواية «أولاد حارتنا» الصادرة عام 1988 لنجيب محفوظ، والتي يبسّط فيها التاريخ الجماعي للديانات التوحيدية، بتحوّيله إلى قصص تجري في حارات القاهرة القديمة، حيثُ يمكن تشبيه دور بارديم في الفيلم بشخصية الجبلاوي؛ المنزوي الذي لا يتدخل فيما يخص أولاده. أما وجه الشبه الأبرز فهو أن أرنوفسكي يروم من خلال استعراضه انتشار المسيحية وما تبعها من حروب، والصراعات على الموارد الشحيحة والإرهاب، أن يقدّم تاريخًا شاملًا لحكاية الكَون، مثلما فعل محفوظ.

في الجزء الثاني من الفيلم، نتابع عواقب نشر الشاعر لأحدث دواوينه، والذي يتهافت عليه الشعب كأنه الإنجيل. يحاصَر بيت الشاعر بجموع من الغوغائيين والمناصرين له والمهووسين به إلى حد العبادة. ويشرعون في تخريب منزله، لأنهم يرغبون في انتشال أي شيء من روحه. وعندما تتعقّد الأمور، وتلد لورانس ولدًا (عيسي)، يتوجّب عليها إنقاذه من الأصوليين الذين يريدون خطفه والتهام جسده كي يتباركوا به. يستطرد المُخرج في مشاهد طويلة ومكرَّرة تصويره للدمار الذي يحلّ بالبيت، ما يثير اشمئزاز المُشاهد، فضلًا عن إطالتها الفيلم زمنيًا بلا داعٍ.

يتراءى للمُشاهد شِقّ الفيلم السياسي، عندما يصور اجتياح جماهير من أمم مختلفة بيت الشاعر، متهافتة على تدميره واحتلاله عُنوة، لكي يبقوا قربه فقط. فمشاهد الإرهابيين الذين يسعون لتفجير البيت وتتصدى لهم قوات الأمن، تُحيل إلى قضية اللاجئين أو المهاجرين غير الشرعيين إلى الغرب، الجنة الموعودة، وكيف ينظر المتشددين البيض لهم، وكأنهم يجلبون معهم الإرهاب والخراب. ومنذُ بداية الفيلم أصلًا  تٌكّن لورانس العداء لـ «آدم» وأقاربه، لخشيتها على جنتها منهم.

أثار «الأم» ردود فعل غاضبة لدى بعض المشاهدين في أمريكا، لدرجة أن الشركة المنتِجة «باراماونت»؛ اضطرت لإصدار بيان للدفاع عنه. ورغم توقعات النقاد بترشيحه للأوسكار هذا العام، إلا أن مأخذي عليه هو ضعف عنصر التمثيل. فبارديم قدّم أداءً ساذجًا ونمطيًا حتى النهاية، لأن أرنوفسكي لم يعطه أي مجال لإظهار صراعات نفسية، تُمكِّنه من توظيف قدراته كممثل. كذلك الأمر مع لورانس، التي لم تستطع استعراض قدراتها التمثيلية، لأن المخرج بالغ في جعلها ممثلة «للبراءة»، فنشاهدها مثلًا تمشي حافية طوال الفيلم، ما خلق إحساسًا بالبدائية، جاء على خط رتيب، بشكل منعها من إظهار نفسها كممثلة محترفة، وغير ذلك لم نشاهد إلا صراخها المتواصل، ونهرها للمتسللين إلى البيت. فعلى نقيض ما فعله أرنوفسكي في فيلمه «البجعة السوداء»؛ حين أعطى لناتالي بورتمان المجال كي تنتشل لنفسها أول جائزة أوسكار كأفضل ممثلة، حصر في فيلم «الأم» ممثليه المخضرمين في أدوار نمطية، لا تتطلب الكثير من الإبداع.

بتركيزه على زاوية الصراعات والتدمير والخراب في روايته لحكاية العالم، فإن تاريخ البشرية كما صورّه أرنوفسكي يبدو كتاريخ ملىء بالهوس والجنون، يجعل من الفيلم رؤية تشاؤمية عن العالم بصورته الحالية.

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد