Define your generation here. Generation What

البحث عن «معركة انتخابية»: نشارك أم لا نشارك؟

في ظل الشروط الموضوعية التي أنتجتها تحولات الأعوام الخمسة الماضية، منذ يوليو 2013 وحتى الآن، من تماسكٍ معتبر لنخبة الحكم، وتحولها لحلقة مهمة من حلقات حلف دولي وإقليمي رجعي يحيا على مطاردة إرث سنوات الثورات العربية القصيرة، وفي ظل حالة الشلل التي ضربت مكونات المجال السياسي المصري وجمّدت عقارب ساعته عند صيف 2013 الدامي، وكذلك في ظل تململ قطاعات واسعة من المصريين من مسار السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة وذات الانحيازات الفجة في وضوحها، وعجز هذه القطاعات في نفس الوقت عن الاحتجاج أو حتى مجرد التعبير عن الرغبة في بديل، يصبح خوض القوى المدنية الديمقراطية الساعية للبناء على شعارات يناير 2011، مع تجاوزها في نفس الوقت، لمعركة الرئاسة خيارًا منطقيًا وضروريًا، أو هو الخيار المنطقي والضروري الوحيد في الواقع.

ذلك على أمل خروج القوى المدنية الديمقراطية من أزمتها المستحكمة وتجديد بنيانها التنظيمي والخطابي وإنقاذ مجمل المجال السياسي والأيديولوجي المصري من تكرار ثنائيات «العسكر والإسلاميين»، ومن ثم فتح الطريق أمام نضال ديمقراطي مستمر قد يسهم في المستقبل القريب في تحولات ذات شأن في بنية وآلية عمل النظام المصري.

سلطوية فتية في عالم متداعٍ:

كيف يمكن أن يتغير نظام سلطوي كالنظام المصري؟ وكيف يمكن أن يأتي هذا التغيير في اتجاه ديمقراطي، أيًا كانت حدود هذه الديمقراطية ومضمونها؟

تخبرنا الخبرات المشابهة لتحلل السلطويات، بل وخبرة يناير 2011 نفسها، عن ثلاثة شروط لا غنى عنها: بروز تشققات جدية بين أجنحة النخبة الحاكمة ناتجة عن تنافس مؤسسي أو فردي أو نتيجة خلافات تتعلق بتمثيل مصالح الطبقة الحاكمة ككل، تراجع الدعم الخارجي الذي يسند هذه النخبة، ونمو مطرد لتيار ديمقراطي يسرع من وتيرة هذه التشققات وكذلك من وتيرة رفع الدعم الخارجي عن تلك النخبة الحاكمة.

بنظرة سريعة على تطورات الحال في مصر منذ يوليو 2013 لا يبدو أيٌ من هذه الشروط متحققًا أو في وارد التحقق في المدى المنظور، أي في الشهور القريبة التي تسبق نهاية الفترة الرئاسية الأولى لعبد الفتاح السيسي. نخبة الحكم الحالية لا تزال فتية وقيد التشكل في الحقيقة، لم يمرّ على واقعة تدشين سلطتها أكثر من خمس سنوات. وإذا خصمنا السنة الأولى من عمر سطوتها، والتي تميزت بصراعات ضارية مع التيار الإسلامي، وصراعات أجنحة داخلية، وكذلك صراعات على المستوى الدولي لترميم شرعيتها، نجد أنفسنا أمام نخبة صاعدة في الواقع. لا يجب علينا نسيان أن الحديث عن إزاحة مبارك بشكل جدي لم يبدأ إلا بعد ربع قرن بالتمام والكمال من سنوات حكمه المديد، ربع قرن تكفل بتبديد أي أوهام راودت داعميه عن إمكانية الإصلاح من الداخل.

تخبرنا الخبرات المشابهة لتحلل السلطويات، بل وخبرة يناير 2011 نفسها، عن ثلاثة شروط؛ بروز تشققات جدية بين أجنحة النخبة الحاكمة، تراجع الدعم الخارجي الذي يسند هذه النخبة، ونمو مطرد لتيار ديمقراطي يسرع من وتيرة هذه التشققات

كذلك تبدو نخبة الحكم الحالية أكثر تماسكًا بكثير مما كانت عليه نخبة مبارك في سنواته الأخيرة. فمنذ الانفجار الكبير في يناير 2011، يعاد ترتيب التحالفات الأساسية الحاكمة تحت قيادة حازمة للسيسي ومجموعات مختلفة من أجهزة الأمن العسكري والسياسي.

لا تشي الأمور بتململ دال من هذه السيطرة، قد يدفع أصحابه لتحدي السيسي علنًا أو الانشقاق على هذا الترتيب.

من المؤكد أن التنافس والتشاحن موجودان وقد يتصاعدان، مما لا يخلو منه أي نظام حكم، سواء كان ديمقراطيًا أو سلطويًا. ولكن ما يعطي هذه التنافسات الطبيعية مظهر الصراع هو غياب أي جسم سياسي حاكم، في صيغة حزب أو تنظيم، على غرار «الحزب الوطني الديمقراطي»، يتولى مهمة تلطيف حدة هذه المشاحنات والتوصل لصفقات وترضيات قابلة للحياة والاستمرار.

هكذا، وفي ضوء خبرة انهيار الحزب الوطني التي كان السيسي شاهدًا عليها خلال الست سنوات الأخيرة من حكم مبارك، يُفهم إحجامه عن تنظيم أنصاره في جسم واحد. فقد اختبر السيسي جيدًا تحول الحزب الوطني لبؤرة تتكثف فيها كل انحيازات النظام ومظاهر عجزه وفساده، ومن ثم تتحول لعامل في تصاعد السخط الجماهيري أكثر من تحولها لحائط صدّ في مواجهته. ولا يجب الخلط بين غياب هذا الجسم واستمرار التنافسات، وبين صراعات النفوذ الكبرى على النحو الذي وسم الصراع بين قيادات المؤسسة العسكرية مثلًا وبعض قيادات غابة الأجهزة الأمنية، من جانب، والمجموعة المتحلقة حول جمال مبارك، من جانب آخر، في السنوات الأخيرة لمبارك.

لا يجب الخلط بين استمرار التنافسات، وبين صراعات النفوذ الكبرى على النحو الذي وسم الصراع بين قيادات المؤسسة العسكرية مثلًا والمجموعة المتحلقة حول جمال مبارك

وكذلك لا تدّخر هذه النخبة الحاكمة الآن جهدًا في تمثيل شبكة بالغة التعقيد من المصالح الرأسمالية المتشابكة إقليميًا ودوليًا ومحليًا، بل تحولت هي نفسها، وعن طريق الأنشطة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية بالأساس وعبر تسييد نمط استبدادي من الحكم يتسم بتمركز غير مسبوق للقرار، إلى مكون عضوي من مكونات هذه الشبكة. ربما لم يشهد التاريخ المصري الحديث، وفي أي لحظة من لحظاته، انكشاف انحيازات نخبة الحكم الاقتصادية والاجتماعية بهذا الشكل الفج وبدون رتوش.

وبالتوازي نجحت تلك النخبة، بذكاء غريزي، في إعادة اختراع نفسها كحلقة من حلقات حلف عالمي يميني رجعي تشكّلَ بسبب الأزمة الرأسمالية العالمية الممتدة وأزمة الديمقراطية الليبرالية المرتبطة بها. فقد تحول السيسي إلى شريك أصغر في ما يُسمّى بـ«الحرب على الإرهاب»، ولو بالإبقاء على جبهته هادئة قدر الإمكان، وكحائط صد ضد موجات هجرة عشوائية للسواحل الأوروبية، وكطرف ضاغط وضامن لاتفاقيات تهدئة على الجبهة الفلسطينية لا تعيش إلا في ظل الإقرار بالأمر الواقع لسلطة الاحتلال والفصل العنصري الإسرائيلي.

في هذا الصدد لا يجب أن يغيب عن ذهننا للحظة واحدة أن تململ حلفاء مبارك الغربيين من استمراره في مقعد الرئاسة لم يكن إلا بسبب ما رأته تلك النخب من تلكؤ ومماطلة في تنفيذ تحولات رأسمالية يمينية الطابع وفي الضغط على أطراف النخبة الحاكمة الفلسطينية، وهو تلكؤ أصبح، مع السيسي، من مخلفات الماضي، بل ربما يسرع الرجل في الطريقين بوتيرة أسرع مما يتحملها حلفاؤه!

رهان الكثيرين من الأصوات، على تآكل سريع في شرعية النخبة الحاكمة داخليًا وخارجيًا، هو رهان يقوم على تحليلات متقادمة، لا ترى الفوارق بين سلطوية مبارك في أيامه الأخيرة وسلطوية السيسي في أيامه الأولى

في المقابل، فالإحباطات الناتجة عن تحميل الغالبية العظمى من المصريين للكلفة الاجتماعية لهذا التحول الرأسمالي يجري التعامل معها باستخدام القمع العاري، والهيستريا الوطنية في الإعلام والخطاب الرسمي للرئيس نفسه، بشكل يرسّخ انطباع حلفائه وداعميه بتماسك موقفه.

بالتالي فرهان الكثيرين من الأصوات، في مراكز البحث العالمية أو وسائل الإعلام السيارة، على تآكل سريع في شرعية النخبة الحاكمة داخليًا وخارجيًا نتيجة أزمات تحوِّلها الرأسمالي أو تصاعد الإرهاب وما يقترن به من ممارسات قمعية، هو رهان يقوم على تحليلات متقادمة، لا ترى الفوارق بين سلطوية مبارك في أيامه الأخيرة وسلطوية السيسي في أيامه الأولى، وكذلك لا ترى الفارق بين تحالفات السيسي وتحالفات مبارك التي تشكلت عشية انهيار الاتحاد السوفيتي وما رافقه من انتعاش في النموذج الليبرالي الجديد للنمو والإدارة الرأسمالية وما رافقه من جاذبية للنموذج الديمقراطي الليبرالي.

هذه باختصار رهانات تقوم على تصور عالم لم يعد موجودًا. ومن ثم، فالاستراتيجية التي تطرحها تلك التحليلات، والمتمثلة في ترك هذا النظام لمصيره البائس، والذي تراه حتميًا، عبر مقاطعة كل ما يصدر عنه من أعمال أو ما يتيحه من استحقاقات، تبدو وصفة للعزلة في الحقيقة، ولا تمثل إلا خسارة صافية لمن يتبناها.

ولنا في استراتيجية من تبقى من الإخوان وحلفائهم أسوة وعبرة، وهو ما ينقلنا للشرط الثالث والأخير من شروط التحول عن السلطوية، وهو نمو واستمرارية النضال الديمقراطي.

معارضة مجمدة وأخرى محتملة:

رغم التحولات الصاخبة التي مرَّ بها الإقليم والعالم منذ صعود السيسي وزمرته لواجهة المشهد في منتصف 2012، ورغم التحولات الحادة وغير المسبوقة للنخبة الحاكمة خلال السنوات الأربع الماضية، يبدو المجال السياسي المصري المعارض مجمدًا تمامًا منذ تاريخ الثالث من يوليو 2013. كافة التجمعات السياسية الموجودة على الساحة اليوم في مصر، سواء اتخذت شكلًا تنظيميًا محددًا أم لا، هي بنت تجاذبات وصراعات الفترة من يناير 2011 وحتى منتصف 2013.

لم تتطور هذه الجماعات، لا على مستوى الخطاب ولا القوام التنظيمي ولا القاعدة الجماهيرية. بالعكس، فقد شهدت هذه الجماعات تراجعات حادة على المستويات الثلاثة.

من زاوية، تتخندق الجماعات المشكلة لقوام التيار الإسلامي، تيار المعارضة الرئيسي في مصر، في مواقعها عاجزة عن تجاوز تجربة العامين الأولين من عمر الثورة المصرية. وقاد فشل تجربة إدماج التيار الإسلامي، عبر مكوّنه الإخواني بالأساس، في جسم نخبة الحكم، وما أعقب هذا الفشل من انقلاب دموي، إلى تحولات حادة إلى اليمين في الحقيقة، وليس إلى اليسار كما توقع الكثيرون.

جمهور التيار الإسلامي يبدو اليوم أكثر تشككًا بالآليات الديمقراطية من أي وقت مضى، ويحمّل ما وسم تجربة الإخوان من مرونة وانفتاح نسبي، خلال العقدين الأخيرين من زمن مبارك، مسؤولية فشل تجربتهم القصيرة في الحكم. ولم يعد هناك لدى أغلب الإسلاميين أي ميل للنقد الذاتي الجاد الذي يحاول تحليل تركيب مشروع الإسلاميين الفكري والسياسي نفسه بوصفه المسؤول الأول عن الأزمة.

تعبر تلك الحالة عن نفسها بالمزيد من التحلق حول مسألة الشرعية ومقاطعة النظام كاستراتيجية وحيدة ممكنة للتعامل مع واقع الحكم الحالي.

جمهور التيار الإسلامي يبدو اليوم أكثر تشككًا بالآليات الديمقراطية من أي وقت مضى

في المقابل، فما يسمى بـ«المعارضة المدنية التقليدية»، وهو تعبير يشير عمليًا لكل القوى تقريبًا التي انضوت تحت لواء «جبهة الإنقاذ»، لا تزال هي الأخرى متجمدة في الزمن عند لحظة الثالث من يوليو. فلا تزال هذه القوى تدرك أزمات مصر المعقدة والمتشابكة من زاوية معركة الدولة المدنية، أو «الدولة» بألف لام التعريف، مع خصومها الإسلاميين.

لا تطوّرُ هذه المعارضة، بما فيها الشق المسمى «يساريًا» أو «يساريًا وطنيًا» منها، أي تحليل يذكر لانحيازات النخبة الحالية الاجتماعية، وتختلف في قراءتها لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، فبينما يميل إلى تأييدها تجمع كـ«المصريين الأحرار» مثلًا ، ويراها خطوات شجاعة يجب أن تترافق مع تحولات ثقافية باتجاه العلمنة الشاملة، يراها القسم اليساري من هذه المعارضة المدنية بوصفها تأثيرات سلبية لبقايا رأسمالية مبارك على قيادة وطنية بالأساس، ويتململ هذا القسم كذلك من تباطؤ خطوات ما يراه إصلاحًا دينيًا أو علمنة.

تبدو أقسام تلك المعارضة المدنية اليوم كمنّ يحارب طواحين الهواء في الواقع. تتوقع تلك المعارضة خطوات أكثر جدية من النظام في محاربة «الظلاميين» والابتعاد عن «الوهابيين» – دون الابتعاد عن فوائضهم المالية بالطبع- ولكنها لا تقدر أبدًا على تمييز نفسها بشكل كامل عن هذا النظام، إذ أن أي معارضة جادة موصومةٌ لديهم بالتلوث الإخواني المحتمل. عمليًا، تصطف هذه القوى مع نخبة الحكم الحالية، حتى ولو منّت النفس بأن تجدد تلك النخبة دمائها عبر الانتخابات القادمة وأن تفتح صفحة جديدة مع الشباب أو القوى المدنية. حظ طيب للجميع في أمنياتهم!

لم تعد شعارات يناير 2011 كافية للتعبئة، وهموم الفئات والشرائح الاجتماعية التي تسعى تلك القوى لتعبئتها تحولت بشكل حدّي عما كانت عليه في يناير

تتبقى المعارضة المدنية الديمقراطية والتي سعت لتمييز نفسها سريعًا داخل مسار ما بعد الثالث من يوليو، عبر تحميل النخبة الحاكمة والتيار الإسلامي أنصبة متساوية أو متفاوتة من المسؤولية عن الأزمة، وتشديدها على ضرورة رفع راية مستقلة عن كليهما. تستند تلك المعارضة إلى خزان بشري كبير من الشرائح الدنيا والمتوسطة من الطلاب والمتعلمين تعليمًا عاليًا وحديثي التخرج، سواء كانوا مهنيين بالقطاع الخاص أو من شرائح البرجوازية الصغيرة المنخرطة في أنشطة مرتبطة برأس مال عالمي الطابع، وليست منغلقة داخل حدود السوق المحلي، هذا بخلاف عناصر طليعية من الطبقة العاملة الصناعية والعاملين بالجهاز المدني بالدولة، ممن تدهورت أحوالهم المعيشية بشكل متسارع طوال الأعوام الأربعة الماضية.

البرنامج الديمقراطي لهذه القوى، وشعاراتها، تبدو مغرقة في المثالية. لم تعد شعارات يناير 2011 كافية للتعبئة، وهموم الفئات والشرائح الاجتماعية التي تسعى تلك القوى لتعبئتها تحولت بشكل حدّي عما كانت عليه في يناير. أيّ حديث عن برنامج ديمقراطي في مصر اليوم سيكون بالضرورة حديثًا عن برنامج اجتماعي يسعى لاستعادة الحد الأدنى من سيطرة الغالبية العظمى من المصريين على مصيرهم، ولن يحدث ذلك إلا بالاشتباك مع سياسات النظام الاقتصادية والاجتماعية على مدار السنوات الخمس الماضية.

البرنامج الديمقراطي لهذه القوى، وشعاراتها، تبدو مغرقة في المثالية

ومن جهة أخرى، فالحلفاء السابقون لتلك القوى، سواء في معسكر التيار الإسلامي أو داخل أروقة الدولة، قد ذهبوا في غيبة ستطول فيما يبدو. فالتيار الإسلامي الذي التقت قيادته، وشقٌ من قواعد مكوّنِه الإخواني، مع تلك القوى في لحظة نادرة واستثنائية في يناير 2011 قد انحرف يمينًا كما سبق الذكر، بعيدًا عن مواقع تلك القوى الديمقراطية المثالية، وتبدو فرص التلاقي الجاد مع مكونات معتبرة من هذا التيار بعيدةً بدورها.

أما بعض الأجنحة داخل أجهزة الدولة التي تقاربت مع تلك القوى في لحظات مختلفة عقب زلزال يناير، فهي تبدو اليوم موحّدة خلف القيادة الجديدة للنخبة الحاكمة كما سبق الذكر، ولا يعني إحباط بعضها أنها في وارد الرهان على أي طرف من خارج تلك النخبة.

البحث عن معركة:

يساعدنا توصيف الوضع السابق على هذا النحو في تحديد الهدف من الاستحقاق الرئاسي الذي يحلّ علينا بعد أقل من ست شهور.

لا يتمثل التحدي المطروح هنا في البحث عن مرشح بديل لنظام يتداعى، لأن النظام ببساطة لا يتداعى، كما لا يتمثل التحدي في البحث عن أقصر الطرق للدفع بأزمة الشرعية إلى نقطة اللا-عودة عبر المقاطعة، لأن أزمة الشرعية ليست على هذا القدر من الحدّة، في ضوء تماسك نخبة الحكم وتماسك تحالفاتها الإقليمية والدولية. وإنما التحدي الحقيقي هو كيفية التأسيس لخطاب ديمقراطي جديد، ابن المرحلة الحالية بأزماتها، وانتظام معارضة ديمقراطية جذرية للنظام الحالي قد تلعب أدوارًا في المستقبل في الإسراع بعملية تفكيكه.

من مفارقات الوضع الراهن في مصر، والمتسم بتمركز القرار في يد رئيس الجمهورية، وتحوله إلى اللاعب الأوحد في المشهد السياسي العلني، أن معركة الرئاسة تتحول بدورها للمعركة الجادة الوحيدة التي تسمح بتشكل تلك الكتلة الديمقراطية الجديدة.

تعريف الهدف على هذا النحو يسهم بدوره في تحديد التكتيك الأكثر واقعية. يحتاج هذا الهدف باختصار إلى «معركة»، ولا أنسب من معركة الرئاسة المقبلة لدفع بلورة هذا الخطاب الديمقراطي وانتظام جماعاته خطوة للأمام.

ومن مفارقات الوضع الراهن في مصر أن معركة الرئاسة تتحول بدورها للمعركة الجادة الوحيدة التي تسمح بتشكل تلك الكتلة الديمقراطية الجديدة.

كافة قنوات المشاركة السياسية الأخرى هي إما مغلقة، من اتحادات طلابية ونقابات عمالية ومهنية، أو لا تحظى بالحد الأدنى من اكتراث جمهور الكتلة الديمقراطية المحتمل، كانتخابات البرلمان والمحليات. أربع سنوات، كان السيسي فيهم ملء السمع والأبصار، رسخت انطباعًا بعدم وجود مؤسسة ذات شأن في هذا البلد إلا مؤسسة الرئاسة، وبأن أي تغيير مرهون بتحدي الجالس في القصر الرئاسي.

أربع سنوات، كان السيسي فيهم ملء السمع والأبصار، رسخت انطباعًا بعدم وجود مؤسسة ذات شأن في هذا البلد إلا مؤسسة الرئاسة

المقاطعة ليست خيارًا، بقدر ما أنها وصفة لموت هادئ بدون صخب وإخلاء للساحة بشكل نهائي ومعلن لكل من الاستبداد الحالي وخصمه الإسلامي. ولا يمكن الانتظار للعثور على مرشح «توافقي» لا يعرف أحد صفاته. الأخير قد يكون له دور في المستقبل، في حالة وجود انتخابات رئاسية فعلية وفرصة شبه جادة لإزاحة رأس النظام من موقعه، ووقتها يمكن الحديث عن مرشح توافقي.

ولكن البحث عن توافق في هذه اللحظة، حيث لا تتوافر أدنى فرصة لمعركة جدية يخوضها هذا «التوافقي المنتظر» فهي محاولة لا تعني إلا مزيد من تمييع خطاب القوى الديمقراطية، ومزيد من الإغراق في رطانته الوطنية والمثالية، ومن ثم عرقلة تبلورها الخطابي والتنظيمي. لا بديل عن أن تخوض تلك القوى معركة الانتخابات الرئاسية بالأصالة عن نفسها، وبرفع شعاراتها، وعبر أحد وجوهها، بعد مزيد من التطوير والتعميق والبلورة.

مرشح رئاسي ديمقراطي جذري واضح في خطابه وانحيازاته هو ما نحتاجه اليوم من أجل بلورة تيار قادر على خوض معركة ديمقراطية معتبرة في المستقبل، عندما تتوافر شروط تأزم النظام الأخرى. وهذا المرشح هو القادر عبر «المعركة» على انتزاع الحد الأدنى من ضمانات نزاهتها، أما إذا فشل في ذلك، سواء بسبب القمع الأمني أو بأي تخريجة قانونية أخرى، فساعتها يكون لكل حادث حديث.

اعلان
 
 
عمرو عبد الرحمن