Define your generation here. Generation What

يوميات السجن – الحياة العادية للمسجون العادي (حلقة 3) الزيارة، جولة بين الخارج والداخل

في سجن «طرة تحقيق» اقتصرت الحياة عندي على الماضي، لا أفكر سوى فيه؛ أتذكر بلدتي الصغيرة التي عشت فيها، تلك القرية الهادئة والحميمية، أتذكر طفولتي التي اقتصرت على الدراسة والعمل بالحقول في الأجازة. كانت الشمس حارقة، ولكن كل لهيبها، وكل التعب والعرق في الحقل، لم يكن يساوي إذلال ساعة واحدة في السجن.

تخيل الحياة خارج السجن كان عزائي اليومي، لهذا كنت أنتظر موعد الزيارة بفارغ الصبر، كنت متأهبًا لرؤية والدتي؛ السيدة العجوز التي تقاوم مرضها الشديد حتى تتمتع برؤية ولدها الذي حُرمت منه، دون أن تعرف سببًا لهذا. كنت أعرف كم كان قاسيًا عليها أن ترى أحد أبنائها يُسلب منها. ولمجرد التفكير في ضمه إليها، فهي تحتاج لقطع مسافات كبيرة، وللانتظار لفترات طويلة وحساب الأيام المتبقية في كل مرة على الزيارة التالية.

كانت خطاي تسبقني شوقًا للقائها، فوقت الزيارة محدود وأنا أريد النظر لوجه أمي الذي يهوّن عليّ مصيبتي. كانت الدموع تملأ وجهها وهي تضمني إلى صدرها، كما لو كانت تريد أن تُدخلني في فؤادها وتغلق صدرها عليّ وتخرج بي.

عادة ما تكون مدة الزيارة نصف ساعة، وفيها تتبلل وجوه الأباء والأمهات دائمًا بالدموع على حال أبنائهم. وأسوأ اللحظات كانت عندما يُعلن انتهاء مدة الزيارة، حيث يودع كل منا أهله في منظر أقرب لمنظر النهاية، فلا يعلم أي أحد هل سيقدر الله له رؤيتهم مرة أخرى.

الجميع كانوا يخشون أن تكون هذه هي النهاية حقًا، فقد حدث هذا من قبل، فبعد زيارة أهلٍ لابنهم السجين هنا، توفي السجين، وكانت الزيارة التالية من أهله لاستلام جثته.

كان الضباط والمخبرون والشاويشية يشعرون أن حياتهم انغلقت عليهم داخل السجن، لدرجة أنني عندما كنت أجلب علبة عصير من الخارج، كانوا يقلبونها بين أيديهم ويتأملونها طويلًا ويتساءلون متعجبين «إيه دا؟ دا عصير؟ طلع إمتى دا؟»

كنا نشفق على الأهالي الذين يقطعون المسافات ويعانون إجراءات التفتيش المفتقرة للآدمية، من أجل بضعة دقائق يقضونها مع أبنائهم المدفونين أحياء داخل هذه المقابر.

انتهى الوقت وقلبي منفطر على والدتي، السيدة العجوز المريضة. حملت أغراضي وتوجهت للداخل، إلى مرحلة أخرى من المعاملة غير الآدمية، مرحلة تفتيش أغراضي مجددًا، لينهب المخبرون والشاويشية ما يحلو لهم منها رغمًا عن أنف الجميع، في عملية أقرب في وصفها إلى «الإتاوة»، حيث نعطيهم السجائر مقابل عدم إهدار وإفساد الطعام وباقي الأغراض والسماح بدخولها، ولا مانع إن لم تكن مدخنًا أن تعطيهم أموالًا أو بونات شراء من كافيتيريا السجن. في النهاية: ادفعْ لتحصل على البركة.

بعدها نتوجه للعنبر مباشرة ويأتي التفتيش الأخير من مخبر العنبر، وكأن التفتيش مرسوم وفريضة علينا، ثم نتوجه أخيرًا للغرف التي نعيش بها.

أجلس مكاني وأنظر حولي فلا أجد إلا وجوهًا متجهمة، ومهما حاولت رسم ابتسامات الأمل، فسيبقى شبح الحزن المسيطر على حياتنا. لا تقوم حياتنا هنا سوى على الذكريات، تارة نبتسم وتارة نغرق في الأحلام. وبعد كليهما تعاود مشاهد واقعنا الحالي الإلحاح علينا فيداهمنا الحزن.

لم يكن الضباط والمخبرون والشاويشية استثناء من هذاا؛ كانوا يشعرون أن حياتهم انغلقت عليهم داخل السجن، لدرجة أنني عندما كنت أجلب علبة عصير من الخارج، كانوا يقلبونها بين أيديهم ويتأملونها طويلًا ويتساءلون متعجبين «إيه دا؟ دا عصير؟ طلع إمتى دا؟»، ويأخذون علبة أو اثنتين من العلب التي أجلبها.

ربما كان هذا سبب تعاستهم أو إحساسهم بعدم القدرة على التأقلم مع العالم الخارجي.

لا تقوم حياتنا هنا سوى على الذكريات، تارة نبتسم وتارة نغرق في الأحلام. وبعد كليهما تعاود مشاهد واقعنا الحالي الإلحاح علينا. رسمة: رنوة يوسف

أجلس بجوار إسلام، شاب ضخم الجسم رغم صغر سنه ووجهه الطفولي. توفى أبواه في صغره فعاش مع جدته التي ظلت ترعاه بعد وفاتهما.

بعد وفاة جدته طُرد إسلام من المنزل فلم يجد أمامه من مأوى سوى المقابر ليعيش فيها، وهناك اتُهم بالإتجار في المخدرات. وهو يقبع الآن في السجن منتظرًا انتهاء محاكمته مثل الكثيرين ممن تضيع سنوات عمرهم في انتظار انتهاء المحاكمات.

موعد جلسته بعد أيام. يفارقه النوم، هو صاح ويترقب هذا اليوم خائفًا، إذ ربما يكون هو آخر يوم له في هذا الجحيم، وربما يمتد الجحيم طويلًا.

في يوم المحاكمة استيقظ مبكرًا حتى يُرحّل للمحكمة، وكانت الدعوات رفيقته في هذه المحنة التي لا يعرف مداها سوى مفرّج الكروب، أما أنا فقد قضيت يومي منتظرًا ما سيؤول إليه مصيره.

الوقت يمر والأعصاب مشدودة ومتوترة للغاية، ما أقسى الانتظار وما أطول الوقت!

«هنا أحسن لي من برا، هنا على الأقل فيه سقف يحميني من البرد والحر. هنا على الأقل فيه أكل، أما برا فمش هالاقي العيش. أنا عايش في المدافن، وهنا أحسن كتير من حياة المدافن»

عاد إسلام متجهم الوجه ونظرة حزن على وجهه. وضعت يدي على صدري؛ ماذا حدث له؟ هل خاب ظننا؟ هل حكم عليه هناك أم تأجلت جلسته أم ماذا حدث؟ ولكن خلافًا لجميع التوقعات، فاجأنا بالقول إنه جرت تبرئته في الجلسة وسيُفرج عنه.

عمت الفرحة سائر الغرفة إلا أنها لم تجد طريقًا لقلب إسلام. وجدت نفسي أتوجه إليه وأسأله عن سبب حزنه، فنظر لي قائلًا: «هنا أحسن لي من برا، هنا على الأقل فيه سقف يحميني من البرد والحر. هنا على الأقل فيه أكل، أما برا فمش هالاقي العيش. أنا عايش في المدافن، وهنا أحسن كتير من حياة المدافن».

لم أستطع الرد عليه؛ هل أخبره بأن خارج هذا المكان هناك الحرية والأهل والأصدقاء؟ هو لا يأكل الحرية ولا يشربها وهي لن تحميه من برد الشتاء. هل أشير لأهله؟ هو كما أخبرني وحيد في هذا العالم. هل أشير لأصدقائه؟ هو حتى لا يملك أصدقاء.

وجدت نفسي أعود لمكاني مرة أخرى محملًا بهموم أثقل وأثقل؛ هنا بالنسبة له فعلًا أفضل من الخارج!

كان إسلام أول صديق لي في هذا المكان، ولكنه سيُرحّل، ورغم سعادتي بخروجه ولكن كلماته لا تزال تفطر قلبي، فأنا أعرف يقينًا أنه لن يذهب لمكان أفضل من هذا المكان.

الدواعي والتأديب

كان عنبرنا في «طرة تحقيق» شديد القرب من غرف «الدواعي» وعنبر «التأديب»، وهو غرفة صغيرة طولها نحو 150 سنتيمترًا وعرضها نحو 60.

وكان مسؤولا التعذيب، الذي يجري عادة في «الدواعي» و«التأديب»، هما مخبري العنبر، ويقضيان ليلهما في العنبر.

ورغم السعادة التي تنتابنا عندما يقترب موعد جلسة محاكمة لأي منا، فقد كانت سعادة مشوبة بالخوف، ليس فقط من أن تطول إقامتنا في هذا المكان، ولكن مما قد يحدث لنا عند العودة من الجلسة، وخاصة من هذين الجزارين، الذين يرغماننا على شرب المياه المختلطة بمسحوق الغسيل، ومن يرفض يتعرض لحملة شرسة من التعذيب ويُسحب إلى عنبر التأديب، حيث يخرجان يده من النضارة ويصفدانه.

أرضية هذه الغرفة من الأسمنت والزلط البارز، ويُجرَّد من يريدون معاقبته من كافة ملابسه ويُعطى الزي الخاص بالسجن، وهو خشن على الجلد وتسبب خشونته التهابات جلدية، ويُصرف له رغيف وخمسون جرامًا من الجبن يوميًا، وزجاجة مياه يشرب ويستحم منها طول الأسبوع، ولا يخرج من هذه الغرفة طول فترة العقاب المحددة، والتي تبدأ بأسبوع وتنتهي بشهرين، أو «مادتين» بلغة السجن.

بخصوص المساجين العائدين من جلسة محاكمة، ويشتبه أن يكونوا قد هرّبوا شيئًا في بطونهم في رحلتهم هذه، ينص القانون على عرضهم على «غرفة الأشعة» للكشف عليهم، ولكنهم في الواقع، يذهبون لـ«التأديب» ، تُربط أقدامهم بالفلكة ويُضربون

كنا نرى عنبر «التأديب» أثناء «التريض»، وهو الوقت الذي نخرج فيه من الغرف في منطقة بجوار العنبر ونتحرك فيه.

كنت أنتظر ساعة «التريض» يوميًا بفارغ الصبر، حتى أستمتع باستنشاق الهواء النقي بعيدًا عن هواء الغرفة شديد الحرارة والمشبع بالزيوت وغبار الدقيق وخلافه. وكانت هذه الساعة بمثابة طوق النجاة بالنسبة لي. كنا نمر على «التأديب» ونحن عائدون من وقت الزيارة، ولا يُسمح لمن توقع عليه العقوبة في «التأديب» بدخول غطاء سوى بطانية، كما لا يسمح له بدخول الحمام،فيضطر لاستخدام نفس الغرفة كحمام أيضًا.

كان عنبر التأديب في سجن طرة شديد الحرارة، لأنه عبارة عن طابق واحد تقع فيه غرف متراصة بجانب بعضها البعض، والمنطقة كلها مكشوفة والشمس مسلطة عليها طول اليوم، أما السقف فكان عبارة عن خلطة خرسانية من الأسمنت و«السِنّ»، تمتص الحرارة بداخلها، لتصبح الغرفة في النهاية أشبه بالجحيم.

وبخصوص المساجين العائدين من جلسة محاكمة، ويشتبه أن يكونوا قد هرّبوا شيئًا في بطونهم في رحلتهم هذه، ينص القانون على عرضهم على «غرفة الأشعة» للكشف عليهم، ولكنهم في الواقع، يذهبون لـ«التأديب» ، تُربط أقدامهم بالفلكة ويُضربون من قبل مخبري العنبر أو مسؤولي التعذيب، وكنت دائمًا أسمع صراخهم واستغاثاتهم وتوسلاتهم بطلب العفو والرحمة، التي لم يكن يُلقى لها بال.

بعد انتهاء مدة التأديب يُخرج السجين إلى غرفة أخرى تُسمى «الدواعي»، وهي أكبر مساحة ولكن الأعداد بها أكبر وتُقدّم للفرد فيها وجبتان، لا وجبة واحدة، ولا يخرج السجناء منها طول مدة إقامتهم التي تكون عادة لثلاثة أيام، ويُسمح لهم فيها بدخول البطاطين ولكن بكمية محددة.

استوقفني حبه لأحد الإعلانات التليفزيونية، وتظهر فيه فتاة صغيرة تجري وسط الحقول وتداعب بيديها سنابل القمح. رسمة: رنوة يوسف

بعد مغادرة إسلام للسجن أحسست بالوحدة، فقد كان أول صديق لي هنا، وكنت أستمتع بحديثي معه، حيث كان قادرًا على الابتسام رغم كل الظروف الصعبة في هذا المكان.

كانت بعض خطابات أصدقائي التي تصلني هنا بمثابة قبلة الحياة التي تجعلني قادرًا على التغلب على هذه الأيام وعلى محو مرارتها. كلما قرأتها كنت أتذكر اللحظات التي عشناها سويًا؛ لحظات الفرح ولحظات الألم، وتمنيت كثيرًا أن تعود هذه الأيام. وكنت أنتظر موعد الجلسة حتى تتسنى لي رؤية أهلي وأصدقائي الذين كنت أنسى ما أنا فيه عندما أراهم. كانت الفرحة تغمرني كلما وجدتهم بانتظاري ويفعلون كل ما بوسعهم لرؤيتي.

ذهبت للجلسة الأولى لي، وكلي أمل أن تنزاح الغمة عني، ولكن يبدو أن الوقت كان لم يحن بعد. عدت بعد أن تأجلت الجلسة شهرين إضافيين، سأنتظر ستين يومًا آخرين!

وقع الخبر على والدتي كالطامة الكبرى، فقد قطعت مسافة طويلة وكلها أمل أن تعود معي.

في الصباح سمعتُ حركة غير عادية في السجن، أُلغي «التريض» وأُدخل كل المساجين إلى غرفهم وقُطعت الزيارات. ماذا حدث؟

كان أول احتمال فكرنا فيه هو انتشار دعوات التظاهر خارج السجن. حيث تبدأ السجون وقتها في فرض حالة طوارئ، فتمنع الأطعمة والأدوية، كما تُمنع الملابس وخلافه، ونبدأ قبلها بفترة طويلة في حالة من التقشف حتى يمكننا العيش لفترة طويلة بما ندخره لهذه الفترة، ونتعرض لحالة تكدير عامة، حيث يكون التفتيش أكثر ضراوة، وتُحرق فيه البطاطين التي ننام عليها، وتُقدّم لكل شخص ثلاث بطاطين بدلًا من ست بطاطين، واحدة يتغطى بها واثنتان ينام عليهما، لأنهم كانوا يحرقون الملاءات. فكنا نصاب بالأمراض الجلدية بسبب خشونة البطاطين والأتربة التي تسقط عليها، والبرد الذي ينخر العظام متسربًا إلينا من أرضية الغرفة.

كان الكثير من المساجين، وخاصة المحكوم عليهم بسنوات طويلة ممن فقدوا أملهم في الخروج، يتمنون أن تتكرر الثورة وتُفتح السجون مرة أخرى، فلا أمل لديهم في الخروج

كان المساجين ممن قضوا سجنهم وقت الثورة دائمي الحديث عن فتح السجون والهروب منها، وكان هذا جحيمًا بالنسبة لهم، فقد كان الرصاص الحي يُطلق عليهم، بل وماتت أعداد كبيرة منهم جراءه، بحسب شهاداتهم.

أصر جميع من حولي على أن مجزرة سجن «القطّا» كانت أكبر مجزرة، حيث قتل فيها مئات المساجين، وتلتها مجزرة سجن النطرون ثم سجن طرة، الذي لم يُفتح ولكن أطلقت عليهم فيه كميات هائلة من الطلقات لا تزال أثارها محفورة حتى الآن على جدران العنابر. وكان المخبرون وبعض الضباط والجنود من الأبراج المتواجدة حول العنابر، هم من يطلقون النار عليهم داخل العنبر، بحسب شهادة الكثيرين منهم.

في مقابلهم كان الكثير من المساجين، وخاصة المحكوم عليهم بسنوات طويلة ممن فقدوا أملهم في الخروج، يتمنون أن تتكرر الثورة وتُفتح السجون مرة أخرى، فلا أمل لديهم في الخروج، وتملك اليأس والإحباط منهم  حتى أدركوا أن الخروج مستحيل إلا في حالة قيام ثورة.

***

ولكن لم يحدث شيء من هذا، ولم يكن سبب الحركة غير العادية هو انتشار دعوات التظاهر في الخارج. في الحقيقة، فلم يمر سوى وقت قصير حتى عرفنا أن حالة وفاة حدثت في إحدى غرف التأديب، وكانوا يريدون السيطرة على الموقف حتى لا يحدث هياج، فحاولوا إخفاء الأمر، ولكن أمرًا كهذا يستحيل إخفاؤه في السجن!

كان من مات شابًا صغيرًا اسمه عادل من مصر القديمة ولا يتعدى عمره الـ25 سنة. قالت التقارير إنه مات نتيجة انفجار أمبول برشام في بطنه، ما تسب في ضرر في أمعائه، ولكن من عادوا معه من جلسته قالوا إنه رفض شرب «التركيبة»، واندلعت مشادة أودع على إثرها «التأديب»، وكان هناك الكثيرون من منطقته ممن قالوا إن أهله لدى استلامه وجدوا على جسده بعض الندبات والآثار التي تدل على تعرضه لضرب مبرح وتعذيب بدني شديد، وإنهم رفعوا قضية على إدارة السجن.

مرت الأيام ولم نعرف يقينًا ماذا حدث، ولكن موت عادل لم يغير كثيرًا من الوضع القائم، بل زاد المخبرون توحشًا بعد أن عرفوا يقينًا أن الأمر عادي

كانت هذه الرواية هي الأقرب لي، بسبب ما رأيته في هذا المكان بعيني من تفاخر الإدارة بقوتها وبعدم قدرة أحد على الهمس فيها، وإلا سيعاقب أشد العقاب. كان المخبرون هنا دائمًا ما يتحدثون عن براعتهم في التعذيب وتلذذهم به واحترافهم له.

روح جديدة أزهقت بعد أن فشلت في الحصول على العدل على الأرض فذهبت تحمل البغض والسوء والشكوى لقاضي السماء، فهو وحده القادر على القصاص للروح المزهقة.

مرت الأيام ولم نعرف يقينًا ماذا حدث، ولكن موت عادل لم يغير كثيرًا من الوضع القائم، بل زاد المخبرون توحشًا بعد أن عرفوا يقينًا أن الأمر عادي، أما نحن فقد سيطر علينا إحساس بالخوف، فكلنا بلا استثناء معرضون لهذا، وقد يصبح أي منا في أي وقت «عادل آخر».

كان المساجين ممن قضوا سجنهم وقت الثورة دائمي الحديث عن فتح السجون والهروب منها، وكان هذا جحيمًا بالنسبة لهم، فقد كان الرصاص الحي يُطلق عليهم. رسمة: رنوة يوسف

بدأت أحاول كسب صداقات أخرى، وكانت هناك وجوه جديدة دخلت الغرفة بعد نقل من حوكموا إلى سجون أخرى. لاحظت منهم رجلًا مسنًا كان قد نُقل لغرفتنا منذ فترة. كان وجهه مألوفًا ويشبه كثيرًا جدي. كان عم إسماعيل، الرجل المسن، يخفي وراء ابتسامته حزنًا عميقًا، لم يكن يتحدث كثيرًا وإنما حسب الطلب. واستوقفني حبه لأحد الإعلانات التليفزيونية، وتظهر فيه فتاة صغيرة تجري وسط الحقول وتداعب بيديها سنابل القمح، وأثناء ركضها يسقط منها الإيشارب فتعود مسرعة وتفرده بيدها ممسكة بطرفيه، وتجري فيداعب الهواء الإيشارب كالبالون وهي تبتسم.

كنت ألاحظ أن عم إسماعيل يحب هذا الإعلان كثيرًا، و فيما بعد، عرفت السبب؛ هو يحب تلك الفتاة ويرى فيها صورة لحفيدته الوحيدة، ابنة ابنه الذي توفاه الله وترك ابنته الجميلة للجد والجدة اللذين كانا أهلها.

كانت قضيته، حيازة المخدرات، قد لفقها له أحد الضباط في قسم الدقي بعد مشادة بينهما في أحد أماكن تزويد الوقود بعد ارتطام موتوسيكل عم إسماعيل بسيارة الضابط، ثم أخذ عم إسماعيل لقسم الشرطة وحدث ما حدث.

كان نجارًا يمتلك ورشة صغيرة لعمل الأبواب والشبابيك، ويقول دائمًا إنه لم يكن يعرف أنه ضابط: «لو كنت أعرف إنه ظابط ماكنتش شدّيت معاه،  إحنا فقرا ومالناش ضهر ولا سند غير ربنا. هو بس ضهرنا وسندنا».

اعلان