Define your generation here. Generation What
عام من «التعويم».. كيف مَرّ على المواطن والمستثمر؟
 
 

في 3 نوفمبر من العام الماضي قررت الحكومة المصرية تحرير سعر الجنيه في سوق العملات، أو ما يعرف بـ «التعويم»؛ ما أفقد العملة المصرية، بين ليلة وضحاها، جزءًا كبيرًا من قيمتها أمام الدولار، فيما تضاعفت أسعار السلع والخدمات خلال هذا العام، ووصل مُعدَّل التضخم ﻷعلى مستوى له منذ 30 سنة، وذلك رغم تأكيد البنك المركزي، وقتها، على أن قرار «التعويم» لن يرفع الأسعار.

أكد طارق عامر محافظ البنك، يوم الإعلان عن قرار التعويم قبل عام، على أن «التضخم بقى تاريخ وحدث بالفعل»، وأشار إلى أن ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه حدث بالفعل في السوق السوداء؛ وانتقل أثره للأسعار وانتهى الأمر.

لكن موجة الغلاء ظلت تتسع خلال الأشهر التالية للتعويم، ليتحمّل المواطن فاتورة باهظة لإنعاش الاقتصاد، بينما لم تحدث الطفرة التي توقعتها الحكومة في النمو والاستثمارات، بحسب اقتصاديين تحدّث معهم «مدى مصر».

وكان التعويم أحد القرارات التي اتفقت عليها الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي كجزء من البرنامج الاقتصادي المصاحب لمنح مصر قرض قيمته 12 مليار دولار. واعتبر كل من الحكومة والصندوق أن تحرير سعر الصرف ضروري للإصلاح، وأنه سيؤدّي إلى تعزيز تنافسية الصادرات المصرية ويشجع الاستثمار، فضلًا عن القضاء على مشكلة توفّر العملة الأجنبية التي تصاعدت بشكل كبير خلال 2016.

لكن «صندوق النقد» أعلن، بعد التعويم، أن انخفاض قيمة الجنيه كان أكبر من توقعاته، ففي حين وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى 13 جنيهًا قُبيل التعويم، ليرتفع في قفزات متتالية حتى لامس قيمة الـ  20 جنيهًا، وذلك قبل أن يستقر قريبًا من حدود 18 جنيهًا.

وكان هذا الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه أحد الأسباب الرئيسية للارتفاعات القياسية لمعدَّل تضخم أسعار المستهلكين التي شهدتها مصر في العام الماضي، بحسب ما قاله «صندوق النقد» في تقرير الخبراء الذي أطلقه، في يناير الماضي، وأكد عليه بعدها في تقرير المراجعة الأول لأداء الاقتصاد المصري الذي نُشر في سبتمبر.

تدهور مستوى المعيشة

شهدت مصر معدَّلات تضخّم قياسية في العام الماضي، تمثل أوجها في شهر يوليو الماضي، وذلك بالتزامن الأثر الممتد للتعويم مع رفع أسعار الوقود في بداية العام المالي الجاري، ليبلغ معدَّل التضخم السنوي في ذلك الشهر 34.2% على مستوى الجمهورية.

وفي آخر إحصاء عن الزيادة السنوية في أسعار المستهلكين (التضخّم)، ارتفعت أسعار الغذاء واستمرت في تصدر الزيادات السنوية في شهر سبتمبر، وارتفعت بنسبة 42.2%.

فيما أكدت هبة الليثي، أستاذ الإحصاء في جامعة القاهرة والمسؤولة عن ملف الفقر في «المركز المصري للدراسات الاقتصادية»، على أن التضخّم كرقم مجرد لا يعكس آثاره على أغلب المواطنين المصريين، وقالت لـ «مدى مصر»: «التضخّم يعني تدهور القوة الشرائية لدى المواطنين، ويؤدّي إلى تدنّي مستوى معيشتهم».

وأضافت: «عندما يكون مستوى التضخم مرتفعًا بهذا الشكل، يلجأ مواطنون كثيرون لشراء أغذية قيمتها أدنى من التي كانوا يستهلكونها قبل ذلك، ويخفضون من الكميات الكلية للمأكولات». وأوضحت «الليثي»، أن معدَّلات سوء التغذية عند الأطفال مرتفعة في مصر وأن ثلثهم يعانون من التقزم، بحسب بيانات منظمة «الأغذية والزراعة للأمم المتحدة».

ولا يؤثر الغلاء فقط على الغذاء إنما على مختلف الأوجه المعيشية، حسبما قالت هبة الليثي. ففي حين يمتنع البعض عن العلاج أحيانًا لغلاء الأدوية، يضطر آخرون لتحوّيل أولادهم إلى مدارس أقل تكلفة، وذلك مع التضحية بجودة المستوى التعليمي. وأضافت أستاذة الإحصاء أن كل ذلك يؤدّي إلى تدهور مستوى المعيشة ورأس المال البشري على المدى البعيد، فتنخفض كل من صحة وتعليم المواطن.

وبلغ متوسط إنفاق الفرد في اليوم الواحد (قبل التعويم) حوالي 64 جنيهًا وذلك في فئة أعلى 10% من المصريين في مستوى الدخل، بحسب البيانات الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أي إن 90% من الأفراد المصريين ينفقون مبلغ أقل من ذلك في اليوم الواحد. فيما كان هذا المبلغ يساوي نحو 7.4 دولار قبل التعويم، فأصبح يعادل 3.6 دولار.

وقالت سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية والمعنية بملف العدالة الاقتصادية في «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، إن التضخّم «يعد نوعًا من الضرائب التي يقع عبئها على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود». وأكدت على أن الطلب الكلي صار ضعيفًا لأول مرة، ما يعكس بوضوح تأثير التضخّم على الاستهلاك. وظهر ذلك الضعف بوضوح في الإحصائيات الأخيرة، فانخفض معدَّل نمو الاستهلاك الخاص والحكومي إلى 4.2 % في الفترة من يوليو 2016 إلى مارس 2017، وذلك مقارنة بـ 5.3% في نفس الفترة من السنة الماضية، بينما كان يتجه للارتفاع في السنوات الثلاث السابقة.

ورصد «مدى مصر» في عدة موضوعات، نشرها خلال السنة الماضية، تغيّر أنماط الاستهلاك لمواطنين من مستويات متفاوتة للدخل بسبب معدلات التضخّم المرتفعة التي كان التعويم عاملًا أساسيًا وراء استفحالها. فهل كان هذا التدهور في مستويات معيشة المصريين ثمنًا تمّ دفعه لتحقيق انتعاش للاستثمار يعود عليهم في النهاية؟

التعويم والمستثمر

في بيان صاحب مراجعته الأولى للبرنامج الاقتصادي، قال «صندوق النقد الدولي» إن ثقة المستثمر في السوق المصري زادت منذ تطبيق البرنامج، وبدأ رأس المال في التدفق إليه. كما أكّد الصندوق على أن مشكلة توفّر النقد الأجنبي انتهت بسبب  التعويم واختفت السوق الموازية للعملة، مما قضى على الصعوبات التي واجهت المستثمرين في ممارسة أنشطتهم. كانت أزمة عدم توفّر العملات الأجنبية معوقة للإنتاج والاستهلاك خلال فترة ما قبل التعويم.

ترى رضوى السويفي، رئيس قطاع البحوث في بنك الاستثمار «فاروس»، أن التعويم حقق بعض أهم أهدافه، ومنها ارتفاع استثمارات الأجانب في أذون الخزانة بشكل ملحوظ، فقفزت منذ التعويم من مستوى لا يتجاوز النصف مليار دولار لتصل إلى نحو 18 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي.

وقالت «السويفي» لـ «مدى مصر» أن انخفاض قيمة الجنيه «جعل السوق المصرية جذابة جدًا للاستثمار الأجنبي»، فصار قادرًا على شراء الأوراق المالية المصرية بعدد أقل من الدولارات.

وأدى توفّر الدولار لدى الجهاز المصرفي إلى حل مشكلة القطاع الصناعي، بعد أن كان يعمل بأقل من طاقته نتيجة لعدم قدرته على الحصول على العملة الصعبة التي يحتاجها لتمويل مستلزمات الإنتاج، وذلك قبل قرار التعويم. فيما ارتفع النشاط الصناعي 43.3% في الربع الأخير من السنة المالية 2016/2017 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

ورغم ذلك أكّدت «السويفي» أن الارتفاع يعكس تشغيل موارد كانت غير مستغلة بعد توقفها عن الإنتاج وقت أزمة الدولار، وهو ما أكده  تقرير لمؤسسة الأبحاث الاقتصادية «كابيتال إيكينومكس» كذلك. موضحة أنه لا يزال من الضروري الاستثمار في القطاع الصناعي لتحقيق نمو في الفترة التالية.

بينما اعتبر نعمان خالد، محلل الاقتصاد الكلي ببنك استثمار «سي آي كابيتال»، أن بنية الاقتصاد المصري لم تتغير قبل التعويم وبعده، وأشار إلى أن  مساهمة القطاعات الاقتصادية المختلفة في الناتج المحلي لم يطرأ عليها أي تغيّر جوهري.

وأوضح خالد: «لا يزال قطاع الزراعة والغابات والصيد يساهم بنسبة تقترب من 10% من الناتج، والقطاع الاستخراجي بنسبة تدور حول 9%، والتكرير 7% والتشييد والبناء 18%»، وذلك في الفترة من يوليو 2016 إلى مارس 2017 مقارنة بنفس الفترة من السنة المالية السابقة.

وأضاف محلل الاقتصاد أن «الأزمات ستتكرر إن لم تضع الدولة خريطة للاستثمار تضمن أن يتم توجيهه إلى قطاعات تنموية ذات عائد طويل الأجل في الاقتصاد الحقيقي، مثل الصناعة والزراعة والتعليم أو المواصلات العامة مثلًا»، لأن المشاريع العملاقة مثل العاصمة الإدارية الجديدة أو تفريعة قناة السويس، أو الاستثمار الأجنبي في حقول غاز مثل حقل ظهر، والتي ساهمت جميعها بشكل كبير في النمو في السنتين الأخيرتين، لا تحقق نموًا مستدامًا.

وعكس ما قد يكون متوقعًا مع ارتفاع النمو العام الجاري عن العام السابق له، فقد رصدت مؤسسات بحثية انخفاض في أداء الشركات وثقتهم في السوق. وقال «المركز المصري للدراسات الاقتصادية»، في سبتمبر الماضي، إن الشركات لا تزال غير واثقة في السوق وأن توقعاتها الخاصة بالنمو في الربع الحالي سيكون أقلّ من الربع الأخير بالسنة المالية، وذلك في تقرير المركز ربع السنوي عن أداء وتوقعات قطاع الأعمال المصري.

وبينما أوضح التقرير أن الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة تتوقّع أن يزيد التصدير في الربع الحالي متأثرًا بانخفاض قيمة الجنيه، ولكنه رصد أيضًا أن مستويات التضخم المرتفعة، ما اعتبرها المسح، الذي قام به المركز لـ 120 شركة، أكبر المعوقات للنشاط الاقتصادي لهم.

وشهد شهر سبتمبر الماضي انكماشًا حادًا في النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص غير المنتج للنفط بحسب مؤشر مديري المشتريات الصادر عن بنك «الإمارات دبي الوطني»، واستمر المؤشر أسفل 50% طوال العام، ما يعني الاستمرار في انخفاض نشاط الأعمال كما يوضح التقرير، مؤكدًا على أن التضخم يعد سببًا أساسيًا وراء انكماش الطلب المحلي والنشاط الاقتصادي في «المؤشر» الذي أجراه للشركات.

وأوضح نعمان خالد، أن الاستطلاعات التي أجرتها «سي آي كابيتال» أظهرت أن شركات تنتج سلعًا مثل الحديد والأسمنت، أكّدت أن إنتاجها انخفض في الشهور الماضية، «وهذا ببساطة هو معنى الركود»، بحسب تعبيره.

ورغم التحسن الذي شهدته الصادرات المصرية في عام التعويم مقارنة بالعام السابق عليه؛ فارتفعت بنسبة 16% لتبلغ قيمتها نحو  21.6 مليار دولار، إلا أن هذا التحسّن يعتبر متواضعًا، ومازال أقل من السنوات السابقة حيث كانت تتراوح بين 26 و27 مليار دولار خلال الأعوام  2012/ 2013 و2013/ 2014.

وأكّد المحلل أن التعويم لا يشجّع الاستثمار في المطلق بالبساطة التي تفترضها النظرية الاقتصادية القائلة «إن انخفاض قيمة العملة سيجعلها أكثر تنافسية في الأسواق الخارجية»، موضحًا هذا قد يحدث في سياق صناعات محددة، مثل الغزل والنسيج، ولكن الواقع في قطاعات صناعية أخرى أعقد من ذلك.

وقال «خالد» إنه ليس من السهل على شركات كثيرة أن تزيد استثماراتها لتنافس في الخارج بعد أن ارتفعت التكاليف لأن أسعار السلع الوسيطة الداخلة في التصنيع والرأسمالية مثل آلات الصناعة، ارتفعت بدورها بعد التعويم.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي