Define your generation here. Generation What

تشيلي: كيف يدخل الانقلاب العسكري بيوت الناس من رواية «باولا» لإيزابيل ألليندي

في رواية «باولا» للكاتبة التشيلية إيزابيل ألليندي، تسرد الكاتبة قصة حياتها على مسامع ابنتها الواقعة في غيبوبة طويلة، ومن خلال هذا تحكي لها وقائع الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال بينوشيه في عام 1973 على الرئيس الاشتراكي المنتخب ديمقراطيًا سلفادور ألليندي.

ولأن سلفادور هو عم الكاتبة نفسها، فما يعنينا في هذا المقال هو كيفية تسلّل الانقلاب العسكري لحياة البشر العاديين، لتجمعاتهم وبيوتهم وأحاديثهم اليومية، حيث تستفيض إيزابيل في وصف تفاعلات الانقلاب وأثره على البشر والعلاقات الاجتماعية والعائلية بينهم.

في الستينيات، كانت إيزابيل ألليندي صحفية تكتب في إحدى المجلات النسائية ومقدمة لبرنامج تليفزيوني في تشيلي. لم تكن شديدة الاهتمام بالسياسة، وإن كانت تميل لتشجيع تحرر المرأة وإحداث صدمة اجتماعية تغيّر من الأفكار التقليدية الشائعة.

غلاف رواية «باولا» لإيزابيل ألليندي

في عام 1965 حقق الحزب الديموقراطي المسيحي انتصارًا كبيرًا في الانتخابات البرلمانية بعد معركة انتخابية مع اليسار، الذي كان يأمل في استثمار نجاح الثورة الكوبية التي منحت القارة اللاتينية أملًا جديدًا.

في هذه المعركة الانتخابية استخدمت الديموقراطية المسيحية سلاح التخويف من ألليندي، الذي شبّهته بالديكتاتور السوفييتي جوزيف ستالين.

انهزم اليسار هزيمة ساحقة، ورأى كثيرون أن سلفادور ألليندي قد انتهى سياسيًا، متوقّعين أن يمتد حكم الحزب المسيحي لخمسين سنة قادمة، ولكن مع عدم تحقيق الحزب الديمقراطي المسيحي للنتائج المرجوة منه، تغيّرت بعض اتجاهات الناخبين. فنتيجة لتحالف بين الماركسيين والاشتراكيين والشيوعيين وفئات من الطبقة المتوسطة وآلاف الفقراء، انتُخب سلفادور ألليندي رئيسًا لتشيلي في سبتمبر 1970، أي بعد خمس سنوات من هزيمته، ليتخذ قرارًا بالتوجه لبرنامج اشتراكي دون تغيير في تقاليد البلاد الديموقراطية.

 كان هذا الترشح الرابع لسلفادور ألليندي للرئاسة، بعد أن انهزم لثلاث مرات سابقة. وقد نجح أخيرًا في مفاجأة حتى مؤيديه، ليصبح أول رئيس ماركسي منتخب في العالم.

الاستقطاب يفرّق بين المرء وزوجة ابنه

منذ بداية المعركة الانتخابية بدأ انقسام المجتمع، بين المحبين والأصدقاء وحتى داخل الأسرة الواحدة.

كان حمو إيزابيل يغطي جدران منزله بملصقات دعائية لليمين، وكان الجدال محتدمًا بينه وبين زوجة ابنه، وإن لم يصل لحد الشتائم، فالعلاقة العائلية ووجود أحفاده منعا الأمور من تخطي الحدود.

ومع فوز سلفادور توقع المهزومون اندلاع اضطرابات طبقية يهاجم فيها الفقراءُ بيوتَ الأحياء الراقية، غير أن المظاهرات لم تكن إلا مسيرات سلمية تحتفل بالفوز.

ينبؤنا هذا عن نجاح عملية «التخويف» في البلاد وقتها، فبينما كان صاحب دار النشر التي تصدر المجلة التي تعمل بها إيزابيل يجمع أمواله وأسرته لمغادرة البلاد بطائرة خاصة، كان حمو إيزابيل يسحب نقوده من البنك كما فعل العديد من الخائفين، ويستعد للهرب مع قدوم الجيوش الكوبية أو الإعدامات السوفيتية المتوقعة.

لم تتحقق المخاوف والشائعات التي كان ينشرها اليمين، بل أن سلفادور حرّر وثيقة تفيد باحترام التقاليد الدستورية ليصبح أول رئيس ماركسي منتخب في التاريخ، على حد تعبير إيزابيل.

لا يعني هذا أنه لم تكن هناك أخطاء من جانب الحكومة. فبعد أن أمّمت حكومة الوحدة الشعبية ثروات البلاد من المعادن التي كانت تسيطر عليها الشركات الأجنبية، وبعد أن وزّعت أراضي الإقطاعيات على الفلاحين ورفعت دخل الفئات الفقيرة وقدّمت لهم المزيد من الخدمات، اضطرت لطبع المزيد من النقود، في ما تصفه إيزابيل بـ«الخطأ من الحزب الحاكم»، وبالتالي وصل التضخم لدرجة غير مسبوقة وشحّت العديد من السلع، وظهرت سوق سوداء موازية لبيعها.

اشتد التوتر في البلاد، واندلعت مظاهرات احتجاجية على ندرة المؤن، عبر طَرْق الأواني المعدنية، وأصبحت صحف اليمين تنشر عناوين مثل «أيها التشيليون راكموا الحقد»، وتحرّض العسكريين على الاستيلاء على الحكم

في نفس الوقت، كانت الولايات المتحدة، التي كانت تموّل اليمين المتطرف وتحاصر تشيلي اقتصاديًا، تحاول إغراء الجنرالات للقيام بانقلاب عسكري.

اشتد التوتر في البلاد، واندلعت مظاهرات احتجاجية على ندرة المؤن، عبر طَرْق الأواني المعدنية، وأصبحت صحف اليمين تنشر عناوين مثل «أيها التشيليون راكموا الحقد»، وتحرّض العسكريين على الاستيلاء على الحكم، طالبة من سلفادور الاستقالة أو الانتحار أو إجراء استفتاء شعبي على بقائه، ليجنّب البلاد حربًا أهلية محتملة، فيما كانت إيزابيل مطمئنة لعدم احتمالية قيام القوات المسلحة بانقلاب عسكري، احترامًا منها للديموقراطية، وفيما كان سلفادور ألليندي نفسه، بحد وصف الكاتبة، شخصًا وفيًا لا يتوقع الخيانة.

في أوائل عام 1973 تطوّرت الأحداث، ليتنامى العنف بين جماعات من اليمين واليسار، حيث بدأت جماعات من اليسار تستولي على الأراضي الخاصة وتقيم عليها وحدات سكنية ومصانع مؤممة، ليشتد الخوف لدى المعارضة اليمينية التي كانت بدورها تنشر الشائعات وتحرق المحاصيل وتخفي المواد الأساسية وتدعو الناس لسحب أموالهم من البنوك لتصاب المصانع بالشلل، ثم يطرد العمال مديريهم ويتولون المصانع بأنفسهم.

كل هذا بينما تمتع التحالف الحاكم، لكثرة المشاركين فيه، بأسلوب بطيء في مواجهة المشاكل، حيث كان لا بد من اجتماعات وموافقات من كل أطراف التحالف على كل قرار. وتحولت الحياة اليومية في المدينة إلى كارثة، إما بسبب الإضرابات وتوقف وسائل النقل أو لأعمال العنف المتبادل.

كان سلفادور يدين أعمال التخريب، ولكن صوته لم يكن مسموعًا، في ظل عدم امتلاكه السلطة والقوة الكافيين لمواجهة المشاكل، ورغم كل ذلك، فعندما جرت انتخابات برلمانية في مارس 1973، ارتفع عدد الأصوات التي حصلت عليها الوحدة الشعبية الممثلة لتحالف اليسار، وعندها بدأت تنتشر شائعات بقرب وقوع انقلاب عسكري، كما حدث في دول لاتينية مجاورة، ولكن كان هناك يقين عند البعض أن تشيلي دولة ذات ديموقراطية راسخة وليست من جمهوريات الموز.

كان قائد القوات المسلحة، الجنرال براتس، من أنصار استكمال ألليندي لفترته الرئاسية، ولكن تمردًا وقع في إحدى الوحدات العسكرية تبعته مطالبات من الجيش بإقالته، حتى أقيل بالفعل، وعُيّن مكانه صديقُه، الجنرال أوجستو بينوشيه، والذي تصفه إيزابيل بأنه كان «شخصًا غامضًا لم يسمع به أحد من قبل»، وقد أقسم على احترام الديموقراطية.

أعلن سلفادور ألليندي قبوله إجراء استفتاء شعبي على بقائه في الحكم، أو إجراء انتخابات جديدة. ورحّب حمو إيزابيل بالاستفتاء باعتباره سيقضي بهزيمة الاشتراكية للأبد، كما رأى في نفس الوقت أن الجيش سيزيح سلفادور ثم تُجرى انتخابات، ولكن في كل الأحوال، لم يخطر ببال حتى معارضي ألليندي أن العسكريين، بعد إزاحتهم له، سيبقون في الحكم.

حركة تمرد ضد الرئيس المنتخب

في 11 سبتمبر 1973، بدأ تمرد قطاعات الجيش، واقترح البعض على سلفادور الدعوة لمظاهرة حاشدة لتأييده، ولكنه رفض لأنه قدّر أن هذا سيؤدي لمقتل الآلاف؛ كانت الوحدات العسكرية تسقط في يد الانقلابيين ويُصفّى كل من يتمسك بالدستور في الثكنات، بينما تقوم القوات العسكرية بحصار القصر الرئاسي، ثم تقصف القصر بالطيران وتهاجمه بالدبابات، ليخرج سلفادور ألليندي في النهاية حاملًا البندقية والعلم التشيلي ويطلق النار على نفسه، حسب الرواية الرسمية.

كانت إيزابيل بعيدة عن البيت وقتها، وعادت للمنزل مسرعة بعد ملاحظتها إطلاق النار وخلو الشوارع من البشر وعدم إذاعة شيء بخلاف الموسيقى العسكرية، ثم أتتها مكالمة سرية عرفت منها بوفاة عمها.

وعلى خلفية العلم التشيلي، ظهر في التلفزيون أربعة جنرالات معلنين قيامهم بتحرك عسكري، وكان من بينهم الجنرال بينوشيه. وأذيعت بيانات عسكرية، بمفادها فالوطن كان بين أيدي قتلة سوفييت ورجال حرب عصابات كوبيين، وكانت لديهم قائمة سوداء تضم آلاف المعارضين، ممن كانوا ينوون اغتيالهم ولكن الجنرالات استبقوا الأحداث، كما أن ألليندي قد انتحر خوفًا من فضائحه المتعددة التي كشفتها «القوات المسلحة الشريفة».

الجنرالات الأربعة في التليفزيون التشيلي

وانفجرت حالة من القمع؛ إعدامات سريعة واعتقالات وتعذيب وإخفاء قسري وفرض حظر التجوال، كما ظهرت مجموعة كبيرة من الوشاة والمتعاونين مع النظام العسكري.

كانت قوات الجيش تقتحم الأحياء وتقبض على أعداد كبيرة، تضرب بعضها من أهالي الحي، وتعذب البعض وتعيدهم أحياءً ليحكوا عن بشاعة التعذيب، كما تُلقى أجساد المتوفين الممزقة في مقالب القمامة ليعرف الجميع عقاب من يقاوم.

وفي اليوم التالي للانقلاب صدر أمر عسكري برفع العلم التشيلي على كل المنازل، وعندما جاء ضابط ليسأل عائلة إيزابيل ألليندي عن سبب عدم رفعها للعلم أخبرته أنها على صلة قرابة بسلفادور ألليندي، وأنها لو رفعت العلم فلن يكون إلا منكّسًا، حدادًا على وفاة عمها.

بعد رفع حظر التجوال، عادت إيزابيل لمجلتها ذات الطبيعة الخفيفة، وقد اجتمعت السلطات بالصحفيين لتبلغهم بقائمة المواضيع الممنوعة، بل وحتى بالمفردات الممنوعة كتابتها، على غرار كلمة «الرفيق» مثلًا، والكلمات التي يجب استخدامها بحذر مثل «العامل»، «الشعب»، و«العدالة»، أما كلمة «الديموقراطية» فلا يجب ذكرها، إلا بوصفها «الديموقراطية المشروطة» أو «الديمقراطية الشمولية».

أربع غوريللات.. أربعة جنرالات

ورغم ابتعاد المجلة عن السياسة، وظهور أول عدد، والذي كان معدًا من قبل، مع صورة لأربع غوريللات شرسة وموضوع صحفي عنها، فقد اعتبرت القوات المسلحة أن الصورة قُصد بها الجنرالات الأربعة، قادة الحركة العسكرية. وعاد صاحب المجلة، الذي كان قد هرب بمجرد نجاح سلفادور، ليفصل إيزابيل ويعين مديرًا للتحرير بديلًا عنها، لتتحول المجلة إلى مجلة نسائية تافهة، لا تعمل حتى على تحرير المرأة الذي كان غير مرحب به من قبل الجنرالات.

استمر التحول ليشمل كافة نواحي البلاد، فأعيدت الأراضي والمناجم لأصحابها الأمريكيين، وفُتحت البلاد لرأس المال الأجنبي وانتشرت العمولات والفساد وبيع الثروات البحرية والحيوانية لليابانيين.

دون أن تقصد، أصبحت إيزابيل جزءًا من شبكات مساعدة الهاربين وعلاج المصابين ومن يساعدون ضحايا النظام على اللجوء لسفارات دول أخرى هربًا من الواقع الحالي.

قوات بينوشيه تقبض على المعارضين

استطاعت إيزابيل التعاون مع بعض ممن كانوا يغيثون الضعفاء والجوعى والملاحَقين داخل الكنيسة الكاثوليكية، حتى أنها طلبت من أصدقاء زوجها من رجال الأعمال التبرع للمحتاجين بثمن الغداء الفاخر الذي يتناولونه كل أسبوع.

وبينما كان حمو إيزابيل يحتفل بانتصار الديكتاتورية ويصف ما يسمعه من قصص مأساوية باعتباره «أكاذيب شيوعية سوفييتية تستهدف النيل من سمعة تشيلي»، كانت زوجته، حماتها، تفزع عندما تسمع القصص المرعبة خشية على إيزابيل، أم أحفادها، مطالبة إياها بتوخي الحذر.

ومع مكالمات التهديد وأجواء الرعب وهجرة الأصدقاء، وتهديد إيزابيل عبر الاعتداء على أبنائها، قررت الأخيرة الخروج من تشيلي لفنزويلا، دون أن تدري أنها لن تعود إلا مع نهاية نظام بينوشيه الذي سيستمر لـ17 عامًا. وقبل سفرها هذا، قررت توديع جدها في مرضه الأخير.

وهناك، في بيت الجد المحتضر، وعندما سألته عن تورطه في حادثة قتل قديمة أجابها، فيما وصفته بأنه أول تعليق سياسي له تسمعه منه، قائلًا: «هذه البلاد تغص بالقتلة، ولكنني لست واحدًا منهم».

اعلان
 
 
محمد يحيى