Define your generation here. Generation What
مشروع قانون لـ «تنظيم كاميرات المراقبة»: لا خصوصية في الفضاء العام
 
 

تبدأ اللجنة التشريعية بمجلس النواب الأسبوع المقبل مناقشة مشروع قانون مُقدّم من الحكومة لتنظيم تركيب واستخدام كاميرات مراقبة بالأماكن العامة، اعتبره البعض أنه -حال إقراره- سيمثل اعتداءً على خصوصية الأفراد في الفضاء العام.

جاءت المذكرة الإيضاحية للقانون لتتوسع في تعريف الأماكن المسموح بمراقبتها؛ لتضم الأماكن التي تُمارس الأنشطة الصناعية والتجارية والدينية والتعليمية والتجارية والفندقية والثقافية والرياضية والسياحية والجمعيات الأهلية. 

ويتضمن مشروع القانون 11 مادة، وتلزم المادة الثانية منه المسؤول عن إدارة النشاط بتركيب كاميرات مراقبة بالشروط والمواصفات التي يصدر بها قرار من وزارة الداخلية، مُمثلة في قطاع تنظيم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالوزارة، مع جواز الإعفاء لبعض الأماكن لعدم وجود ضرورة أمنية لتركيب كاميرات بها. ويصدر قرار الإعفاء من وزير الداخلية أو مَن يفوضه. فيما تنَصَّ المادة نفسها على استثناء تركيب كاميرات في أماكن محددة مثل الغرف المخصصة للكشف الطبي والعمليات الطبية والأشعة والعلاج الطبيعي والغرف المُعَدَّة للسكن أو النوم وغرف تبديل الملابس ودورات المياه والاستحمام وأماكن تزيين النساء أو ما يصدر به قرار من وزير الداخلية.

وتُلزم المادة الثالثة من مشروع القانون كل مَن يسعى إلى التقدم بترخيص نشاط أن يُرفق بالطلب شهادة من وزارة الداخلية تفيد بتركيب كاميرات مراقبة، أو تعهد بتركيبها قبل تشغيل النشاط، أو ما يفيد إعفاؤه منها.

وتحظر المادة الخامسة على أي من المسؤولين عن إدارة المكان أو العاملين به أن يمتنع عن تشغيل الكاميرات أو التشويش عليها أو محو أي من تسجيلاتها أو نشرها أو الاحتفاظ بها لأسباب شخصية.

وتُلزم المادة السادسةمن مشروع القانون وزارة الداخلية، بصفتها الجهة المختصة، بربط الكاميرات وأجهزة التسجيل بشبكة مركزية تسمح لهيئات الرقابة الإدارية والأمن القومي والمخابرات الحربية بالإطلاع عليها.

وتسرد المواد المتبقية من مشروع القانون العقوبات المقررة في حال مخالفة أي من المواد الستة السابقة.

سبق مناقشة مشروع القانون عدة إجراءات وقرارات في نفس الاتجاه. في فبراير 2015، أعلن اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث باسم وزارة الداخلية وقتها، عن خطة نفذت بالتنسيق مع الأحياء والمحافظة لإلزام المحال التجارية بتركيب كاميرات مراقبة من أجل الحصول على ترخيص مزاولة النشاط. وجاء ذلك الإعلان عقب سلسلة تفجيرات استهدفت منطقة المهندسين في فبراير من العام قبل الماضي. وأشارت جريدة «الشروق» في تحقيق مُطوّل، نُشر في مايو 2015،  إلى أن خطة الوزارة للتوسُّع في تركيب كاميرات المراقبة كانت قد بدأت منذ نهاية عام 2014، للحدّ من الجرائم. وجاء في التحقيق، نقلًا عن العقيد أيمن حلمي مدير إدارة العلاقات العامة بـ«الداخلية»، أن «إلزام المنشآت والمحال لا يتم عن طريق وزارة الداخلية، بل عن طريق جهات أخرى مثل المحليات والمحافظات، بينما تفرض الداخلية سلطاتها بشكل واضح على كاميرات مراقبة المرور التى تديرها عبر غرف عمليات خاصة بهذا الغرض»، وكل ما تسعى إليه الوزارة هو «الحث والدعم»، على حد قول مدير إدارة العلاقات العامة بالوزارة وقتها.

وجاءت إشارة، في التحقيق السابق أيضًا، إلى اعتزام محافظة القاهرة تثبيت كاميرات في 250 نقطة داخل المدينة للمراقبة الأمنية ومتابعة حركة المرور. ما استلزم تنسيقًا مع الأجهزة الأمنية المعنية، وتمّ إسناد تنفيذ المشروع إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة.

وأصدر محافظ القاهرة قرارًا إداريًا رقم 12675 لسنة 2016، والذي نُشر بعدد الوقائع المصرية الصادر في 22 فبراير الماضي، بإلزام جميع المحال العامة والتجارية والصناعية والسياحية والملاهي بتركيب كاميرات تليفزيونية داخل وخارج المحل، ولا يُسمح بإصدار أو تجديد تراخيص مزاولة النشاط لهذه الأماكن إلا بعد تركيب هذه الكاميرات. كما ألزم القرار الهيئات والمنشآت الحكومية ومراكز الشباب ودور العبادة والمدارس والمستشفيات بتركيب كاميرات مراقبة على جميع المداخل والمخارج بها.

وأصدر هشام عبدالباسط، محافظ المنوفية، قرارًا مشابهًا لتزويد الأماكن والميادين العامة والمباني الحديثة بالكاميرات. كما تقدمت النائبة أنيسة حسونة بمشروع قانون شبيه بما تقدمت به الحكومة لتنظيم تركيب كاميرات مراقبة بالمنشآت المختلفة، وذلك في مارس الماضي.

واستعانت النيابة العامة بتسجيلات كاميرات المراقبة سواء التابعة لوزارة الداخلية أو الموجودة بالمحال العامة في تحقيقاتها بعدد من الجرائم مثل «تفجير دار القضاء العالى»، في مارس 2015، و«اغتيال ضابط الأمن الوطنى محمد مبروك»، في نوفمبر 2013، و«قتل الناشطة السياسية شيماء الصباغ»، في يناير 2015، و«الهجوم على كمين البدرشين»، في يوليو الماضي.

ورغم أن الإجراءات السابقة أدت بالفعل إلى انتشار وجود كاميرات المراقبة، إلا أن مشروع القانون يتوسُّع في تعريف الأماكن العامة التي يمكن مراقبتها، فضلًا عن وضع هذه الكاميرات ضمن نظام مركزي، يخضع لمتابعة ثلاث هيئات بخلاف وزارة الداخلية.

يطرح مشروع القانون تساؤلات حول تعريف الفضاء العام، وإلى أي درجة يكون من المُباح للدولة مراقبته طوال الوقت، فضلًا عن ضمانات خضوع الجهات التي تتابع شاشات رصد ما تسجله الكاميرات للمحاسبة، خاصة أن المشروع يسمح لوزارة الداخلية بتفريغ هذه التسجيلات دون إذن من النيابة أو القضاء.

الحق في الخصوصية في «الفضاء العام»:

يُعرّف المحامي ناصر أمين، عضو المجلس «القومي لحقوق الإنسان»، الأماكن العامة بأنها «الأماكن التي يمكن الدخول إليها أو الخروج منها دون إذن أو موافقة». ويشير إلى أن هذا التعريف هو ما استقرت عليه محاكم القضاء الإداري في مصر، والمحكمة الدستورية العليا.

فيما يرى المحامي عماد مبارك، مؤسس «حرية الفكر والتعبير»، أن التعريف الذي يطرحه مشروع القانون يتوسع في تعريف الفضاء العام ليشمل أماكن لا تقع ضمن ذلك الفضاء عادة، فيقول لـ«مدى مصر»: «هذا التعريف كارثي؛ لأنه يكشف جوانب شخصية في حياة الناس. على سبيل المثال، إذا ما قرر العاملون في مؤسسة ما أن يجتمعوا في مكان عام لمناقشة عملهم، لماذا يكون ذلك مُصورًا؟».

ويضيف مبارك أن «المشكلة الحقيقة أن النظام في مصر ينتهك خصوصية الأفراد من قبل هذا القانون بالتنصت على مكالمات بعضهم وربما نشرها، فما بالنا بما سيحدث بعد إقراره».

ويُعلّق مبارك على مشروع القانون أنه يتسق مع «فلسفة التشريعات التي تصدر أو تُطرح للمناقشة في الفترة السابقة، والتي تأتي لتقنين انتهاكات تحدث بالفعل، وتحصين المؤسسات التي ترتكب هذه الانتهاكات من المُساءلة».

في تصريحاته لـ «الشروق»، يحدد محمود كبيش، أستاذ القانون الجنائي في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، مساحات الخصوصية بأنها الأماكن التي لا يُصرّح تواجد الجمهور فيها، أو تعد «مستودعًا للسر»، على حد تعبيره. ويشرح ذلك قائلًا: «القانون لا يحدد الأماكن التي تعد مستودعًا للسر، ومن يحدد ذلك هو القضاء، كما أن تركيب الكاميرات بشكل عام لا يخترق قواعد الخصوصية ما دام فى أماكن يمر بها أناس مختلفون ولا تنتهك الكاميرات سِتر أحد من المتواجدين».

غير أن عمرو غربية، مسؤول ملف التقنية وحقوق الإنسان في «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، يطرح زاوية أخرى، وهي عدم اقتصار الحق في الخصوصية على الأماكن الخاصة فقط، وامتدادها للأماكن العامة كذلك. يقول غربية لـ«مدى مصر»: «يفترض أغلبنا أن الحق في الخصوصية يقتصر على الأماكن الخاصة ولا يوجد في الأماكن العامة. هذا افتراض خاطئ لأن الحق في الخصوصية يمتد إلى الأماكن العامة، وإلا لما كانت هناك كل هذه الضوابط التي يفترض أن تلتزم بها السلطات أثناء قيامها بالتحريات والتي أكدت عليها مرارًا أحكام المحاكم العليا في مصر. فحتى التحريات الأولية والتي لا ترقى إلى التفتيش بإذن قضائي ينبغي أن تكون لسبب بعينه وموجهة تجاه أفراد بعينهم وبأقل قدر من التعدي على خصوصيتهم. لا يمكن بأي حال تبرير نظام مراقبة يكون المقابل له هو تعيين مخبر لكل مواطن يراقبه طول الوقت».

يتابع غربية موضحًا أن «الحق في الخصوصية حق سياسي بامتياز، ولذلك فإن هناك العديد من أحكام المحاكم العليا في [دول] العالم التي ترى أن أنشطة عامة جدًا مثل الانضمام لجمعية أهلية أو التجمع في مكان عام محمية بالحق في الخصوصية ولا ينبغي للسلطات أن تطلع على سجلات عضوية الجمعيات أو أن تراقب كل الموجودين في تجمع عام إلا في أضيق الحدود ولأسباب تتعلق بجريمة سبق ارتكابها في الماضي».

كان المواطن البريطاني جون كات قد حصل على حكم قضائي من محكمة بريطانية عليا، في مارس 2013، بإلزام الشرطة بمحو المعلومات التي جمعتها عن نشاطه السياسي لمدة أربع سنوات، متضمنة رصد مشاركته في 55 مظاهرة، لأن ذلك يعتبر انتهاكًا لحقوقه. وفسّرت المحكمة قرارها بأن الشرطة لم تتمكن من تفسير قيامها بمتابعة وتسجيل أنشطة الناشط البريطاني. وفي 2009، حكمت محكمة بريطانية مماثلة بإلزام الشرطة بمحو 40% من الصور الموجودة لديها لنشطاء بريطانيين.

وتُعد بريطانيا الدولة الأولى في العالم في استخدام كاميرات المراقبة في الأماكن العامة، وهو الأمر الذي كان محلًا لجدل دائم. ونشر إدوارد سنودن سنة 2013 عددًا هائلًا من الوثائق التي تكشف حجم المعلومات التي تجمعها أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية عن المواطنين بشكل عام من خلال أنظمة المراقبة. وكان سنودن يعمل في المخابرات الأمريكية حتى تسريبه تلك الوثائق، ما اضطره للهرب واللجوء إلى روسيا.

مَن يراقب المُراقِب؟

منحت المادة السادسة من مشروع القانون لوزارة الداخلية، بصفتها الوزارة المُختصة، سلطة تفريغ التسجيلات دون حاجة إلى إذن أو طلب من أي جهة. كما لم يُحدد القانون فترة بعينها للاحتفاظ بهذه التسجيلات، ومَنَحَ اللجنة الفنية التي تحدد شروط الكاميرات وأماكن تركيبها سلطة تحديد الفترة التي يستمر فيها الاحتفاظ بالتسجيلات وفقًا لأهمية المنشأة.

يُعّلق غربية على هذه النقطة قائلًا إنه حتى في بريطانيا التي تُعد أكثر الدول استخدامًا لكاميرات المراقبة في العالم فإن نظام المراقبة بها «يخضع لمفوض مستقل مختص بكاميرات المراقبة ويعمل بالتناغم مع مفوض المعلومات المختص بمراقبة حماية البيانات ويخضع للمحاكم البريطانية والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وبالرغم من كل هذا فهناك حركة واسعة تقاوم هذا الوضع وتراقبه وتعمل على تقليل آثاره الضارة بخصوصية الناس».

يتابع غربية أن هذا وضع مختلف تمامًا عما يطرحه مشروع القانون المصري «الذي لا يملك فيه المواطن العادي أي إمكانية لمراقبة السلطة التي تُسجل له طوال الوقت دون أي ضمان لحذف تلك البيانات بعد انتهاء الحاجة لها أو حمايتها بما ينبغي من إجراءات تقنية أثناء ذلك أو تدقيق الموظفين الذين سيقومون بتلك الأعمال والتأكد من أن هناك جهة مستقلة ترخص لهؤلاء الموظفين باعتبارهم حراس أمن، أو ضمان أن تلك التسجيلات لن يساء استخدامها من الآخرين».

فيما يقول ناصر أمين إن «إقرار [مشروع] القانون على هذا النحو يُعد إعلان دولة بوليسية بالكامل تراقب كل الأماكن والتجمعات دون تمييز بين التجمع العام والخاص». ويتابع: «المشروع يُمثّل انتهاكًا للحياة الخاصة والأماكن المُعدّة للعمل، وينتهك الدستور والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية».

ويضيف أنه «يجب عمومًا الحفاظ على التوازن بين الحقوق الخصوصية الفردية واعتبارات الأمن التي تقتضي مراقبة بعض الأماكن العامة. والجهة المسؤولة عن ذلك هي محاكم القضاء الإداري عمومًا».

لكن هل التوسع في جمع المعلومات بهذا الشكل سيكون مفيدًا؟ يُجيب غربية عن هذا السؤال قائلًا إن الأمر يعتمد على القدرة التقنية على فلترة وتحليل كم بالغ الكبر من البيانات، مضيفًا أن «هذا هو التحدي الأكبر في أنظمة المراقبة بالغة الكبر كما في أنظمة المراقبة الواسعة للاتصالات، وأيضًا في كاميرات الطرق السريعة التي تستطيع التعرف على أرقام لوحات السيارات».

ويتابع: «في هذه الأنظمة، يكون التحدي الأكبر هو الاستفادة من البيانات المجموعة وليس [مجرد] جمعها. وهناك من الأدلة ما يشير إلى أن المراقبة المستمرة والاشتباه المستمر، سواء كان على الإنترنت أو في الكمائن أو عبر نظام مركزي لكاميرات المراقبة يشتت انتباه القائمين على التحريات عن التركيز على ما يستحق التركيز عليه».

اعلان