الأقباط في مناهج التاريخ المصرية (2) المناهج الحالية وجواهر مخبأة في المناهج السابقة

من المهم في البداية الاعتراف بأن كتب التاريخ المدرسية صارت، على مدار العقدين الماضيين، تولي المزيد من الاهتمام للحقبة القبطية، التي تعرّفها بأنها تلك الفترة الممتدة من عام 30 إلى 641 بعد الميلاد. ويتضمن ذلك ذكرًا لبعض المساهمات القبطية، مثل الأدب والفن القبطي القديم، وهي تطورات مهمة في الاتجاه الصحيح.

وكما ذُكر في الجزء الأول من هذا المقال، فبالإضافة إلى أهمية مراجعة السردية التاريخية برمتها، لوقوعها تحت هيمنة منظور عربي إسلامي، فمن المهم أيضًا أن نسكتشف على وجه الدقة أي تاريخ قبطي يُقدّم في المساحة المحدودة المخصصة للأقباط في كتب مناهج التاريخ.

عادةً ما يُقدَّم تاريخ المسيحية في مصر تحت القسم الفرعي الخاص بـ«الحكم الروماني لمصر»، مُقتَصرًا في صفحات قليلة، بما لا يتناسب مع حجمه الحقيقي، وبالمقارنة بحقب أخرى.

ووفقًا لتحليلي لمكانة الأقباط والحقبة القبطية في الكتب المدرسية لمنهج التاريخ منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، تظهر بعض الموضوعات الرئيسية، أسلط الضوء أدناه على ثلاثة موضوعات محورية منها.

ر.م 144، ص 192، 1960

أما البحث عن سبل التقدم للأمام، فلا يعني فقط تبني إطار جديد بالكامل، بل قد يُستلهم أيضًا من النماذج الأفضل عبر أكثر من مائة عام من المناهج المدرسية. لذا أدرجت بعض البدائل المُستلهَمة من محتوى ونهج بعض كتب التاريخ المدرسية الأقدم. وفي نهاية المقالة، أقترح نهجًا بديلًا قائمًا على هذه الكتب.

وتستند هذه المقالة إلى تحليل كل كتب التاريخ المدرسية المتوافرة في أرشيف متحف التعليم التابع لوزارة التربية والتعليم بالقاهرة، والتي تعود إلى العام 1890.

1- المساهمات القبطية تُقدَّم في حدود دنيا وبصورة متقطعة

تحتوي الكتب المدرسية المصرية على بعض الإشارات الموجزة للرهبنة وأديرة الصحراء، وللشهداء الأقباط في نضالهم ضد الرومان، ولبعض الحِرَف التي برع فيها الأقباط مثل ورق البردي وغزل المنسوجات القبطية المعروفة بالـ«قباطي»، مع إشارات أخرى وموجزة للأدب والفن القبطيين. غير أن هذه المساهمات القبطية لا تُقدَّم بطرق توضح أهميتها أو استمراريتها.

وربما تمكن ملاحظة أحد أوضح الإغفالات عن المساهمات القبطية في كتاب منهج الدراسات الاجتماعية للعام 1957، والذي خصص أقسامًا كبيرة لتطور حرف الزجاج والأخشاب والجلود والورق والمعادن والمنسوجات عبر التاريخ المصري.

منسوجات قبطية

في كل من هذه الحرف، يناقش المنهج أشكالها المصرية القديمة وتطورها خلال الحقبة العربية الاسلامية. ومع إشاراته الغزيرة لكل من «العهد الفرعوني والعصور الإسلامية»، لا يأتي الكتاب المدرسي على أي ذكر لأي مساهمات من الحقبة القبطية (ر.م 147 – صفحة 82).

وعلى نحو مشابه، يقدم منهج العام 1994 ست شخصيات مصرية هامة؛ الملك مينا، وصلاح الدين، ومحمد علي، وسعد زغلول، والرئيسين عبد الناصر والسادات (ر.م 64 – صفحة 97 إلى 118). وبصرف النظر عن الملك مينا، فإن الشخصيات الأخرى كلها من المسلمين، وكلها من الرجال.

وفي الكتب المدرسية الحالية، وفي ما يتعلق بالمساهمات الحديثة، فباستثناء ثورة 1919، وبعض الإشارات الموجزة لأهمية انتفاضتي 2011 و2013  في توكيد الشعور بالوحدة الوطنية، لا نقرأ إلا القليل للغاية عن المساهمات القبطية الحديثة. وبالتالى، فمن البديهي أن اقتصار الأقباط وإسهاماتهم، بصورة تكاد تكون حصريةً، في المساحة المحدودة بالأصل والمخصصة لـ«الحقبة القبطية»، يعطي انطباعًا خاطئًا بعدم وجود إسهامات هامة لاحقة جاءت من جانب الأقباط في الأزمنة التالية، بما فيها العصر الحديث.

أمثلة ملهمة من الكتب المدرسية الأقدم:

بشكل عام، يجب تضمين المساهمات القبطية، سواء القديمة منها أو الحديثة، في مناهج التاريخ بطريقة أكثر اتزانًا. وقد يكون التوسع في بعض المساهمات المذكورة في المناهج السابقة بدايةً جيدة.

على سبيل المثال، فمنهج العام 1934 قدّم دور الأقباط في ثورة القاهرة الثانية ضد الحملة الفرنسية بزعامة نابليون عام 1800، متضمنًا قائمة بأسماء بعض من «أكابر الأقباط» (ر.م 390 – صفحة 32). كما أوضح منهج العام 1954 أيضًا أن البريطانيين، ردًا على ثورة 1919، عاقبوا واضطهدوا القادة المسلمين والأقباط على حد سواء (ر.م 97 – صفحة 136).

وكذلك ذكر منهج 1977 أن وفد سعد زغلول إلى مؤتمر السلام في فرنسا، عام 1919، اشتمل على شخصيات قبطية (ر.م 231 – صفحة 95). وفي وصفه للمقاومة ضد المستعمر البريطاني عام 1882، استشهد منهج العام 1970 بما ذكره الزعيم والمفكر الإسلامى الشهير محمد عبده من شغف واستعداد كل من المسلمين والأقباط، وقادتهم، للكفاح ضد البريطانيين (ر.م 226 – صفحة 120).

مكرم عبيد باشا

2- الأقباط يُصوَّرون باعتبارهم مضطهدين وسلبيين إلى حد كبير

كما ذكرنا، التغطية التفصيلية الوحيدة للأقباط تظهر في القسم الخاص بـ«مصر تحت الحكم الروماني»، وفيها يُصوَّر الأقباط إلى حد كبير باعتبارهم ضحايا طالما تحملوا التعذيب والإذلال. وما يضفي تأثيرًا دراميًا على ذلك هو استخدام صور مرسومة يدويًا لمسيحيين يلقي بهم الرومان للأسود.

ويمكن تتبع هذه الصور بالعودة إلى مناهج الستينيات، بل وتستمر هذه الصور في الظهور في كتب المناهج الحالية. ورغم إدراج صور أخرى لأديرة مصرية في الصحراء، وبعض الأيقونات القبطية، فإن هذه الصور المرسومة الناضحة بالعنف، تترك على الأرجح أثرًا عاطفيًا قويًا وعميقًا لدى الطلاب، من شأنه التكريس لصورة الأقباط كضحايا.

الصف الثاني الإعدادي (1)، ص 34، 2013

في ما يتعلق بتصوير سلبية الأقباط، لا تأتي الكثير من كتب المناهج المدرسية، في وصفها للفتح العربي الإسلامي مثلًا (حوالي العام 641 ميلاديًا)، على ذكر الأقباط أو أي دور قد يكونون اضطلعوا به، فتصوّر هذا الفتح ببساطة بوصفه صراعًا بين الجيوش العربية المحرِّرة وجيوش الرومان المستعمرة.

وفي مسعاها لتعزيز الهوية العربية تذهب كتب المناهج الدراسية في الستينيات لأبعد من ذلك حيث تدّعى أن المصريين كانوا عربًا بالفعل قبل الفتح، وبالتالي فإن قلوب المصريين مالت لـ«الانضمام الى الدولة الفتية»، كما أنهم «عملوا على مساندة إخوانهم العرب ضد الحكم الروماني» (ر.م 145، سنة 1960 – صفحة 241)، ولذلك فقد «رحب المصريون بإخوانهم العرب» (ر.م 152، سنة 1967 – صفحة 85).

الكثير من كتب التاريخ الخاضعة للتحليل هنا، بما فيها الكتب الحالية، تتضمن ذكرًا لبعض استراتيجيات الاحتجاج، الإيجابية والسلبية، التي استخدمها الأقباط في مقاومة الرومان، وهكذا تنسب للأقباط شيئًا من القدرة على أخذ زمام المبادرة. غير أنه حين يتعلق الأمر بمقاومة الفتح العربي الإسلامي والحكام المسلمين والانتفاضات ضدهم، تخلو المناهج من أي ذكر لأي دلالة للأقباط كجماعة وطنية ذات مصالح جماعية، ولديها القدرة على المقاومة أوالتنظيم  أوعرض مطالبها.

أمثلة ملهمة من الكتب المدرسية الأقدم:

 وبينما تنقل كتب المناهج الأحدث، والحالية أيضًا، قصة احتضان الأقباط للفتح العربي الإسلامي والترحيب الكامل به، تلمّح بعض المناهج الأقدم إلى سرديات قد يكون من المهم إدراجها.

بعض هذه السرديات يدور حول الموقف المحايد الذي اتخذه الأٌقباط، وتشرح كيف أن الأمر استغرق من الأقباط وقتًا لتقرير ما إذا كانوا سينحازون للعرب أم الرومان (على سبيل المثال: ر.م 336 – صفحة 35. ر.م 285، سنة 1940 – صفحة 248. ر.م 210، سنة 1957 – صفحة 38. ر.م 376، سنة 1990 – صفحة 56).

بينما تظهر بعض التوترات ومظاهر الظلم التي فرضها الحكام المسلمون الأوائل في كتب المناهج الأقدم، فقد صارت تُحذَف بشكل كبير منذ الستينيات.

بل وتذهب بعض المناهج الأقدم إلى أبعد من ذلك، لتصف الغضب الذي شعر به الأقباط تجاه المقوقس، الحاكم البيزنطي لمصر، نظرًا لجور الاتفاق الذي وقعه مع العرب المسلمين على حقوقهم، ومن ثم تشير إلى استمرار المقاومة من قبل سكان الإسكندرية، وغيرها من المدن، ضد الفتح (ر.م 262، سنة 1928 – صفحة 443 و447).

3- حذف الإشارات إلى مظاهر الظلم أو التوترات

في ما يتعلق بالنقطة المطروحة أعلاه، تخلو الكتب المدرسية الحالية لحد كبير من أي ذكر للظلم الذي وقع على الأقباط، إلا خلال الحقبة الرومانية والبيزنطية. وعلى نحو مشابه، حيث تحذف الكتب الحالية التوترات أو الصراعات التي دارت بين المسلمين والأقباط. وبينما تظهر بعض التوترات ومظاهر الظلم التي فرضها الحكام المسلمون الأوائل في كتب المناهج الأقدم، فقد صارت تُحذَف بشكل كبير منذ الستينيات.

ربما يظل تعسف الحاكم بأمر الله الفاطمى تجاه المصريين بشكل عام واضطهاده للمسيحيين واليهود بشكل خاص من مظاهر الظلم القليلة المذكورة بشكل عابر ولكن منتظم فى معظم كتب مناهج التاريخ (على سبيل المثال: ر.م 250، سنة 1890 ـ صفحة 74. ر.م 12، سنة 1916 ـ صفحة 87. ر.م 336، سنة 1934 ـ صفحة 110. ر.م 342، سنة 1949 ـ صفحة 112. ر.م 373، سنة 1975 ـ صفحة 148. ر.م 376، سنة 1990 ـ صفحة 72).

وكذلك، بينما كانت بعض التوترات الطائفية في فترة ما قبل ثورة 1919 تُذكر في كتب المناهج الأقدم، إلا أنه يجري التغاضي عنها حاليًا.

 أمثلة ملهمة من الكتب المدرسية الأقدم:

 تشير بعض الكتب المدرسية الأقدم إلى مظاهر الظلم خلال فترة حكم الخليفة العباسي المأمون، والتي أدت إلى اندلاع انتفاضات قام بها كل من «الأقباط والقبائل العربية» على حد سواء في منطقة الدلتا، وقُمعت بعنف (على سبيل المثال: ر.م 266، سنة 1912 – صفحة 102. ر.م 259، سنة 1923 – صفحة 93. ر.م 337، سنة 1925 – صفحة 109. ر.م 336، سنة 1934 – صفحة 96 و97. ر.م 342، سنة 1949 – صفحة 86 و87. ر.م 210، سنة 1957 – صفحة 77).

ولكن في مقابل هذه السردية، التي اختفت في أوائل الستينيات، تشير بعض كتب المناهج الحالية، بشكل عابر وموجز جدًا، إلى «اضطرار» الخليفة المأمون «لقمع بعض الانتفاضات والصراعات» (على سبيل المثال: الصف الثاني الإعدادي (2)، سنة 2013 – صفحة 42 و45).

تشرح بعض الكتب المدرسية الأقدم كيف شارك المصريون بنشاط وعلى اختلاف أديانهم، بالذات خلال حكم الفاطميين والإخشيديين، في بعض أعياد المسلمين والمسيحيين، مثل عيد الغطاس، الذي تضمن النزول معًا إلى نهر النيل، واستقلال القوارب، وإضاءة المشاعل

وفي ما يتعلق بالتوترات والصراعات الأحدث من ذلك، تذكر بعض كتب المناهج الأقدم النجاح الأوّلي لاستراتيجية الاحتلال البريطاني «فرّق تسدْ»، التي دشّنها السير إلدون جورست، والتي أدت لاحتقان كبير و«تنابذ بالقول» أشعل نزاعًا بين الأقباط والمسلمين (ر.م 460، سنة 1933 – صفحة 259. ر.م 48، سنة 1937 – صفحة 93. ر.م 451، سنة 1948 – صفحة 296. ر.م 243، سنة 1959 – صفحة 174).

غير أن الكتب المدرسية، بدلًا من ذلك، قد بدأت منذ أوائل السبعينيات في استخدام ثورة 1919 بشكل حصري من أجل التأكيد على الوحدة الوطنية، متجنبةً ذكر أي من الصراعات أو التوترات الأولية (على سبيل المثال: ر.م 230، سنة 1973 – صفحة 72. ر.م 423، سنة 1984. ر.م 431، سنة 1993 – صفحة 152 و153. الصف الثالث الإعدادي (1)، سنة 2013 – صفحة 91. الصف الثالث الإعدادي (1)، سنة 2016 – صفحة 83).

يحتاج الطلاب للتعرف على مظاهر الظلم الماضية والحالية، والتوترات وأسبابها وجذورها، للتعلم منها، بالإضافة إلى النماذج التاريخية للتسامح والتعايش السلمي لاستلهامها. على سبيل المثال، تشرح بعض الكتب المدرسية الأقدم، بتفصيل كامل، كيف شارك المصريون بنشاط وعلى اختلاف أديانهم، بالذات خلال حكم الفاطميين والإخشيديين، في بعض أعياد المسلمين والمسيحيين، مثل عيد الغطاس، الذي تضمن النزول معًا إلى نهر النيل، واستقلال القوارب، وإضاءة المشاعل، وارتداء الملابس الجميلة، والإعداد لمآدب طعام جماعية (على سبيل المثال: ر.م 342، سنة 1949 – صفحة 105. ر.م 87، سنة 1976 – صفحة 55 و56. ر.م 90، سنة 1986).

ر.م 285، ص 237، 1940

إرساء نهج بديل: الاستمرارية الثقافية

لعل توفير مساحة أوسع للحقبة القبطية، علاوة على تضمين بعض من المادة المحذوفة المشار إليها أعلاه، يمثلان تحسنًا كبيرًا، لكنه لن يكون كافيًا بأي حال، إذا كنا نتطلع إلى تاريخ شامل يحفز على التفكير النقدي أيضًا.

في ما يلي محاولة لتقديم نهج بديل ممكن، وإطار سردي مستلهم جزئيًا من بعض كتب المناهج الأقدم.

يشدد النهج المُقترح هنا على الاستمرارية الثقافية للشعب المصري على مر التاريخ، ودراسة تطور جوانب معينة من الثقافة، أو استمرارها، أو تغيرها مع الوقت في ظل عوامل متعددة مثل توالي الحكام المختلفين، ونشوء أووفود ديانات جديدة، وتفاعلات المصريين مع الشعوب والحضارات الأخرى، تلك التفاعلات التي تسهّلها ظواهر مثل التجارة والهجرة.

للتوضيح، فهذا النهج لن يتوقف عند عرض التأثيرات في اتجاه واحد؛ تأثير الفن والعمارة عند قدماء المصريين على الفن القبطي مثلًا، وإنما سيحاول أيضًا إظهار استمرارية مثل هذه التأثيرات الثقافية، من خلال تسليط الضوء على التأثير القبطي على الأشكال اللاحقة من الفن والعمارة الإسلاميين.

كتب مناهج الثلاثينيات والأربعينيات، بتوجهاتها القومية المصرية، وصلت لأبعد من ذلك، عبر تركيزها على أبعاد أهم وأكثر أساسية، مثل الأصول المشتركة للنظم العقائدية والممارسات الدينية لدى المصريين

من شأن مثل هذا النهج أيضًا أن يسلط الضوء على القواسم المشتركة ذات المعنى والأهمية بين المصريين، مع عدم إنكار الاختلافات الحقيقية. على سبيل المثال، تُبرز الكتب المدرسية الحالية بعض العادات المشتركة والمستمدة من استمرارية الحضارة المصرية القديمة، مثل لعبة السيجا المصرية القديمة، والتي لا تزال تُمارس في بعض مناطق الريف المصري، أو احتفالات شم النسيم السنوية (على سبيل المثال: ر.م 285، سنة 1940 – صفحة 196. الصف الأول الثانوي، سنة 2013 – صفحة 61. الصف الأول الثانوي، سنة 2016 – صفحة 48).

ووصلت كتب مناهج الثلاثينيات والأربعينيات، بتوجهاتها القومية المصرية، لأبعد من ذلك، عبر تركيزها على أبعاد أهم وأكثر أساسية، مثل الأصول المشتركة للنظم العقائدية والممارسات الدينية لدى المصريين على اختلاف أديانهم الحالية.

ولم يقتصر هذا التركيز فقط على تمرير تعليقات تهدف إلى إبراز الممارسات التي استمرت منذ عهود قدماء المصريين، والتى نجدها  فى إشارات مثل «كمثل الشيخ والقسيس عندنا» (على سبيل المثال: ر.م 7، سنة 1936 – صفحة 52. ر.م 25، سنة 1949 – صفحة 40)، بل أنه سلط الضوء كذلك على تشابه واستمرارية الكثير من المعتقدات الأساسية عبر هذه الأديان، مثل الإيمان المصري القديم بالحياة الأخرى ويوم الحساب، والذي أشار إليه منهج مدرسي للعام 1936 بـ«يوم القيامة»، مستخدمًا نفس الكلمة التى يتداولها المسيحيون والمسلمون المصريون المعاصرون (ر.م 7 – صفحة 105 و106).

لكن هذه السردية تتعارض مع بعض الكتب المدرسية الحالية مثل كتاب الصف الأول الإعدادي (1) للعام 2016، التي تقدّم منطق «الحياة الأخرى» كسبب دفع المصريين القدماء لتبني المسيحية، بينما لا تبرز مثلًا أنه كان بالفعل جزءًا أساسيًا من معتقدات المصريين القدماء، وربما كان سببًا هامًا في جاذبية المسيحية واعتناقهم لها.

ر. م 81، ص. 78، 1963

ولكن خطر نهج الاستمرارية الثقافية المقترح هنا يكمن في إمكانية تعزيزه الشعور بالتعالي والفوقية بين الطلاب المصريين في مواجهة آخرين، أو في مواجهة أقليات غير ذات أصول مصرية، مثل اللاجئين أو المهاجرين القادمين حديثًا إلى البلاد. لذلك، لابد أن يقترن هذا النهج بتطوير المهارات البحثية التاريخية والممارسات النقدية.

ويعتمد تطوير المهارات التاريخية النقدية بصورة كبيرة على الطريقة التي يُدرّس بها التاريخ. ونظرًا لمركزية الكتب الدراسية في الفصول المدرسية المصرية،  فإن الأمر يعتمد على الطريقة التي تُقدم بها السرديات التاريخية في تلك الكتب: إن كانت حقائق نهائية تُدرّس وتُحفظ بشكل سلبي، أم سرديات مصحوبة بتفسيرات ورؤى متنافسة. كتب مناهج التاريخ الحالية تسرد ، إلى حد كبير، منظورًا واحدًا للتاريخ بصوت سلطوي نادرًا ما يحفز الطلاب على التساؤل والبحث بأنفسهم عن سرديات تاريخية بديلة.

وعلى النقيض من المناهج التي تُرجع الفضل في توحيد مصر للملك مينا بمفرده، فمنهج التاريخ للعام 1930 مثلًا يشير لصعوبة إقرار إذا ما كان مينا وحده هو المسؤول عن توحيد مصر العليا والسفلى، أم أنها كانت عمليةً تدريجيةً تطلبت جهود العديد من الملوك المتعاقبين

ولمعالجة ذلك، يمكننا هنا، مرةً أخرى، الاستلهام من المناهج المدرسية الأقدم. على سبيل المثال، وعلى النقيض من المناهج التي تُرجع الفضل في توحيد مصر للملك مينا بمفرده، فمنهج التاريخ للعام 1930 مثلًا يشير لصعوبة إقرار إذا ما كان مينا وحده هو المسؤول عن توحيد مصر العليا والسفلى، أم أنها كانت عمليةً تدريجيةً تطلبت جهود العديد من الملوك المتعاقبين، ليلقي المنهج بذلك ببعض ظلال الشك على تلك السردية الهامة، وبالتالي يساعد الطلاب على تقييم ديناميكية التاريخ وبنيانه وتفسيراته (ر.م 272، سنة 1930 – صفحة 29).

وأخيرًا، كان المفكر المصري البارز طه حسين قد شارك في كتابة بعض مناهج التاريخ، التي قدّم فيها المؤلفون للطلاب قائمةً من المصادر التاريخية الأولية، لتشجيعهم على الاشتباك النقدي مع هذه المصادر، وتفسيرها، وربما استخلاص سردياتهم التاريخية الخاصة (على سبيل المثال: ر.م 399، سنة 1954).

ومن شأن تقديم بعض السرديات التاريخية المتنافسة، أو حتى التشكيك بمهارة في بعض السرديات التاريخية، أن يساعد الطلاب على البدء في تطوير مهارات التفكير النقدي، ورؤية ما هو أبعد من التصور الواهم والمتلخص في كون السرديات التاريخية حقيقة واحدة غير قابلة للنقد أو التشكيك. فيسمح ذلك للطلاب بالبدء في تفهم وجود سرديات متنافسة في غالب الأحوال، وأن هذه السرديات إلى حد كبير هي من بناء المؤرخين، الذين استندوا فيها لبحثهم التاريخي، بالإضافة لاجتهاداتهم الشخصية والتي لابد وأن تتأثر برؤاهم وانحيازاتهم الفكرية. بل ويسمح هذا أيضًا للطلاب بأن يكونوا أكثر تقديرًا وتقبلًا واحترامًا للرؤى ووجهات النظر المختلفة.

لكتابة هذا المقال، بجزئيه، أتيح لي البحث في الأرشيف بين يناير ومارس 2017، وأود التعبير عن امتناني للفريق العامل هناك لحسن ضيافته ودعمه الاحترافي.

 كما أتوجه بالشكر لهيئة تحرير «مدى مصر»، وأيضًا للأشخاص التالية أسماؤهم، على رؤاهم المفيدة للغاية وردودهم النقدية على نسخ أقدم من هاتين المقالتين: فريدة مقار وهديل غنيم ومنى مكرم الله ومها بالي وجويس رفلة.

_________________________

صورة الموضوع: القطعة رقم 3797 بالمتحف القبطي بالقاهرة

اعلان
 
 
إيهاب عبده