Define your generation here. Generation What
«الشيخ جاكسون»: قصة رنانة مجوفة من الداخل
 
 
أفيش فيلم الشيخ جاكسون
 

فيلم «الشيخ جاكسون» دراسة تحليلية لشخصية بطله الشيخ، مستوحاة بصفة رئيسية من التجربة الحياتية لمخرج الفيلم عمرو سلامة، كما صرّح في عدد من المقابلات. يتطرَّق الفيلم لقضايا متعددة كالهوية، والتديّن السلفي، وعلاقتهما بفكرة الموت. ولكن بسبب طبيعة مقاربته الحذرة والمحسوبة بدقة، لا يكاد الشيخ جاكسون يخدش سطح قضاياه.

يُفتتَح الفيلم الذي كتب له السيناريو عمرو سلامة وعمر خالد؛ بتقديم شخصيته الرئيسية، الشيخ السلفي الشاب (أحمد الفيشاوي)، وهو يؤم المصلين في صلاة الفجر في المسجد؛ متضرعًا في وصلة بكاء حارة.  يفسِّر لنا بعد ذلك؛ حرصه على البكاء في صلواته باقتباس من الحديث الإسلامي (حُرّمت النار على عين بكت من خشية الله). في المشهد التالي، نتابع الشيخ مع زوجته (أمينة خليل) وهو يُريها خاتمه الجديدة ذو الشاشة الرقمية والزِريّن اللذين يسجّل بهما حسناته وسيئاته التي اقترفها أثناء يومه. بهذا الهوس الكمي بهواجس الثواب والعقاب، يؤسِّس الفيلم رؤيته السطحية الساخرة  لنمط الحياة السلفي.

عندما يعلم الشيخ بخبر وفاة مايكل جاكسون، مثله الأعلى السابق، ورمز مراهقته المضطربة، يهتز داخليًا، وتلعب هذه التفصيلة دور المحرك للأحداث، لأنها تقوم بإزكاء نار الصراع الخامد داخله، ليجد نفسه في مواجهة أزمة هوية مكتملة، ما يدفع حياته إلى التدهور.

يبدأ الشيخ في المعاناة من كوابيس متكررة، نتيجة إحساسه بالذنب من ما يُطلِق عليه «انتكاسة إيمانيّة»، بعد أن بات غير قادر على البكاء في صلاته ما يسبب له ضيقًا شديدًا يدفعه لطلب العلاج النفسي، واسترجاع ذكريات الماضي لفهم مشكلته الحالية. بالتالي، ومن خلال المَشاهد التي تعود بنا إلى الوراء، حيثُ نقابل نسخته المراهِقة (أحمد مالك)، يتم تأسيس الصراع الأساسي للفيلم، والذي يتلخَّص في: الحب مقابل الخوف.

يُمثّل طرفي هذا الصراع والدا البطل: الأب مدرِّب الرياضة القاسي حاد الطباع الذي يبدي إعجابه بصدام حسين و احتقاره للمخنثين أمثال (مايكل جاكسون)، والأم الحنون الملائكية التي تعترف لابنها بحبها لجاكسون وتسأله كتمان السر. اختيار أن يكون التبايُن بين المكوِّنيْن الأساسيين المساهميْن في تشكيل شخصية البطل، صارخًا بهذا الشكل، رسَّخ لسطحية المعالجة. بالإضافة إلى أن الاستعانة بالكدواني لتجسيد شخصية الأب الغليظة، دون المجازفة بالاستغناء عن بصمته الكوميدية المعتادة التي يتخلَّلها بعض الملاحظات الفلسفية العميقة، نتج عنها تشويه في تركيبته الدرامية، فتحوّل بدوره لشخصية كارتونية كغيره من الشخصيات التي يمتلئ بها الفيلم.

عقب إحدى خلافاتهما العنيفة يتوعَّد الأب ابنه أنه سيكون دومًا رقيبًا عليه، محذرًا إياه من نسيان ذلك، ومجذّرًا داخله إحساسيّ الخوف والذنب اللذين يعاني منهما بعد الوفاة المفاجئة للأم. ولتبرير قرار المراهِق (جاكسون) كما يطلِق عليه أصدقاؤه؛ بالتحوّل لطريق التديّن السلفي المتشدّد، يزج المخرج في إحدى لقطات الفلاش باك، بشخصية خاله السلفي (محمود البزاوي) الذي يستغّل انهياره عقب وفاة والدته، لينصحه بالابتعاد عن طريق أبيه المليء بالمعاصي والذنوب، حتى يتمكّن من اللحاق بأمه في الجنة الآخرة.

هذا المشهد النمطي شديد السطحية، هو المبرر الدرامي الوحيد الذي يدفع البطل لاعتناق السلفية وبناء حياته على أساسها لمدة خمسة عشر عامًا، وحتى يصير رجلًا ناضجًا.

بتقدٌّم الأحداث يتحول ثقل الفيلم إلى الصراع بين فكرتي الحياة والموت، ممثلتين في صوتين متضادين يتردّدان داخل عقل البطل. أولهما صوت الخطب الدينية السلفية والتي تتوعّد بالنار والعقاب الإلهي. وثانيهما هو الصوت الهادئ الرزين للمعالِجَة النفسية (بسمة) التي تحاول التوصُّل لجذور عقدته وحلّها بدفع مشاكله إلى السطح، والتي يجري توظيف جلساتها مع الشيخ؛ دراميًا، لتلعب دور الوسيلة التوضيحية للأحداث على مدار الفيلم.

بعد إدراكها هوسه الشديد بالموت؛ تَطرح عليه الطبيبة السؤال التقليدي المبتذل عن « الأشياء الميتة بداخله والأشياء التي تشعره بأنه مازال حيًا». كون أن هذا السؤال ينجح بالفعل في دفْع الشيخ للغوص في ذكرياته وسرد قصة حياته كاملة، يؤكد على الطريقة السطحية التي حاول بها الفيلم تشريح بطله نفسيًا.

كما تتجلّى تلك الرؤية السيكولوجية الفقيرة في أوضح صورها؛ في مشهد نزول الشيخ الى أحد القبور، فبدلًا من أن ينتهز الفيلم تلك الفرصة للغوض لأعماق عقل مشوَّه و مضطرِّب، يقوم بتضمين المشهد فقرة كارتونية تحاكي فيديو كليبات شهيرة لمايكل جاكسون، جاءت فقيرة بدورها، لأن صنّاع الفيلم لم يستطيعوا الحصول على حقوق استخدام موسيقى جاكسون، ما خلّف الإحساس بوجود شيء ناقص.

هذه الطريقة في تسخيف المشاعر تسيطر على السيناريو بشكل عام، وهي إحدى نقاط ضعفه. فجميع المشاهد التي تتخذ طابع الجدية في بدايتها، تنتهي دائمًا بنبرة فكاهية ساخرة، ما يجعل الفيلم يعجُّ بإفيهات ساخنة مصطنعة وموزّعة بعناية على جميع مشاهده، بشكل لا يترك للمتفرّج مساحة للانغماس في أية مشاعر حقيقية، رغم محاولة الفيلم الدؤوبة لإقناعنا بحالة الشيخ المتعسّرة.

وإكمالًا في خط التسطيح، يأتي مشهد تصالح البطل مع ماضيه بشكل ساذج للغاية، حيثُ يتجه الشيخ إلى منزل طفولته ليستعيد تذكارات مايكل جاكسون القديمة المخبأة من سنين، وهناك يلتقي بوالده الذي تحول الآن إلى شخصية لطيفة، فيتحدث معه ويبوح له الأب بكل ما في صدره، وهكذا يجري التصالح دون أي عمق حقيقي. وكنتيجة لتلك المواجهة السطيحة يتحرَّر البطل بأعجوبة من أحاسيس الخوف والذنب التي أرَّقته طوال حياته، ويتمكن أخيرًا من التصالح مع حبه لمايكل جاكسون، ليتحول إلى الشيخ الراقص الذي يتصدر ملصق الفيلم.

من ناحية أخرى، يستخدم عمرو سلامة الألوان كوسيلة تعبير أساسية عن تطوَّر الحالات النفسية المختلفة التي تمر بها شخصيته الرئيسية خلال الأحداث. فيختار درجات لونية شاحبة من تدرجات الأزرق والأبيض والرمادي؛ لمَشاهد الحاضر التي تصوّر حالة البطل المضطربة. بينما على النقيض، يستخدم الألوان الدافئة ذات الطابع النوستالجي، كالأصفر والبرتقالي، لمشاهد الفلاش باك. ولمشاهد المصالحة بين ماضيه وحاضره، يختار باليتة ألوان زاهية ومشرقة ومشبَّعة بالألوان المبهجة، وهي نفسها التي يستخدمها في مشاهد العلاج النفسي، وفي لقائه مع حب مراهقته.

في الحقيقة، كان يمكن إذا تم الإخلاص لثيمة «الانتكاس» للنهاية وهي إحدى الثيمات الرئيسية للفيلم، أن ينجح في تقديم معالجَة ذكية لفكرة الانقلاب الجذري المفاجئ من الشيء لنقيضه، والتداعيات الناتجة عنه. ولكن الشيخ جاكسون صبَّ اهتمامه على صنع نهاية مُلفتة أكثر من انشغاله بكيفية الوصول إليها. ويبدو أن الصورة المثيرة لـ «شيخ يؤدي رقصات مايكل جاكسون مرتديًا العباءة البيضاء رمز التدين السلفي» كانت مسيطرة على ذهن المخرج من البداية بشكل كبير، ودفعته لأن يجعل بقية فيلمه مجرّد حيلة، ليصل لهذا المشهد.

فبسبب رغبته في التوفيق بين صنع فيلم شخصي، وبين التمتع بنجاح جماهيري؛ حرص سلامة على إبقاء عناصر التكوين الدرامي عامّة ونمطية، ليضمن تفاعل أكبر شريحة من الجمهور معها. ففكك شخصياته وعناصره بطريقة مصنطعة، خالقًا صراعًا وهميًا، ليدفعهم لنهاية معينّة، دون الاكتراث بخلق سياق ينتصر للمنطق.

في فيلم «الشيخ جاكسون» تعامل سلامة مع فن السرد القصصي كمعادلة حسابية أو تركيبة كيميائية، فكانت النتيجة فيلمًا غير مقنع، خاليًا من أي عمق وأي صدق. وباختياره اختيارات درامية وإخراجية حذِرة، وتمسّكه بنبرة حيادية، لم يفلح في أن يجعل فيلمه تعبيرًا صادقًا عن أي من شخصياته.

اعلان
 
 
حسين حسام