Define your generation here. Generation What

إلى الرئيس ماكرون: لا بد من وقف الدعم غير المشروط للسيسي

لا يمكن لزيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى باريس أن تمر دون أي رد فعل من قبل الرئيس الفرنسي، وذلك بعد أن بنى المشير السيسي بكل تؤدة نظاما استبداديًا وقمعيًا منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 دون مواجهة أي معارضة قوية ورسمية، لا من جانب بروكسل ولا من باريس، حتى الآن، ودون صدور أي بلاغ حول وأد سيادة القانون في البلاد، ولا الإعلان عن أي دعم لفائدة ما تبقى من الحركة الديمقراطية المصرية. بالعكس، فإن مصر أصبحت تعد حليفًا استراتيجيًا في الحرب ضد الإرهاب في المنطقة.

وتحت عنوان هذه «الحرب على الإرهاب» يُقمع اليوم المجتمع المدني المصري، فأي من يوجه نقدًا للحكومة، من محامين وصحفيين ومثقفين ونقابيين ومدافعين عن حقوق الإنسان يدفع ثمنًا باهظًا، كما تُتخذ إجراءات متزايدة الشدة والقسوة، خاصة ضد نشطاء المجتمع المدني مثل محمد زارع، والمتهم بـ«التآمر مع كيانات أجنبية للإضرار بالأمن الوطني»، وذلك لمشاركته في آليات تابعة للأمم المتحدة تهتم بالدفاع عن حقوق الإنسان.

محمد زارع هو قيادي في الحركة المصرية لحقوق الإنسان، وقد حصل مؤخرًا على جائزة «مارتن إينالز» بينما قد يصدر ضده في مصر حكم بالسجن المؤبد فيما يعرف بـ«قضية التمويل الأجنبي».

القمع المسلط على المجتمع المدني شمل إلى اليوم عشرات المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين من ضمنهم 11 فردًا يقبعون حاليًا في السجن، وعشرة أفراد جُمّدت ممتلكاتهم، كما مُنع 28 من مغادرة التراب المصري، أما المضايقات القضائية والاختفاء القسري وحالات التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون فهي متكررة ولا تُعد.

ومهما كان السبب الحقيقي للإيقاف، فإن تهم «الإرهاب» تنهال لتشكّل سيفًا مسلطًا على كامل المجتمع المدني المصري، وخاصة على المدافعين عن حقوق الإنسان، ما قد يفرز سياسة هدّامة تعمل من جانب على إسكات القوى الضرورية لإنجاح الجهود الرامية إلى الحد من التطرف المتزايد، ومن جانب آخر تحث على الراديكالية وتزيد من انعدام الأمن في البلاد.

وكما يشهد العديد من النشطاء، ومن بينهم المدوّن علاء عبدالفتاح وأحمد ماهر المعارض القديم للرئيس مبارك والمنسق العام لحركة 6 أبريل، فإن تنظيم الدولة الإسلامية يجنّد عناصره أكثر فأكثر في داخل السجون المصرية، ما يجعل من منظومة السجن المصري أحد أخطر حلفاء الإرهاب.

وللمزيد من إثارة القلق، جرى في شمال سيناء، بحسب السلطة المصرية، القضاء على أكثر من ستة آلاف «إرهابي» خلال السنوات الأخيرة، بينما لا ينسب لمجموعة «ولاية سيناء» التابعة للدولة الإسلامية أكثر من ألف مقاتل. وهذا العدد غير المتناسب من الضحايا، أغلبهم من المدنيين، لا يمكنه سوى أن يُوظَّف للدعاية للمجموعة الإرهابية ولتمكينها من فرصة جديدة لتعبئة المزيد من الجهاديين.

وقد يسأل أحدهم عن عدد حالات القتل خارج القضاء والاختفاء القسري والتجاوزات التي اقترفتها قوات الأمن المصرية في هذه المنطقة وفي غيرها من المناطق، وما نتائج ذلك؟ ويأتي الجواب ليبين أن عدد الهجمات الإرهابية في شمال سيناء قد تجاوز 261 هجمة في 2013 إلى 681 في 2016.

في ظل كل هذه الأوضاع، لا يزال قانون يرجع إلى نوفمبر 2013 يجرّم التظاهر ويمنع أي شكل من أشكال المعارضة السلمية، كما يعمل على تركيع الصحافة المستقلة، أما عمليات العنف ضد الأقليات، وخاصة المسيحيين الأقباط، فهي متكررة دون أن تتحمل السلطة المصرية مسؤولياتها في توفير الحماية لها، ولا تعدو الهجمات التي قامت بها قوات الأمن والإعلام المصري في الأسابيع الأخيرة ضد مجتمع المثليين ومزدوجي الميول الجنسي والمتحولين  جنسيًا  سوى ستار من الدخان يسعى لإخفاء فشل السيسي في احتواء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي جعلت الواقع اليومي للمصريين يدور بين تضخم مالي خارج عن السيطرة وبطالة مستمرة وفساد مزمن وانتهاكات واسعة النطاق للحريات.

عندما تنتهج الحكومة القمع الوحشي ضد أي صوت يعلو داخل المجتمع المدني وتنشر خطابًا شعبويًا ومتعصبًا فهي لا محالة تؤجّج نيران المعارضة الراديكالية.

وأمام هذه الانتهاكات، التي لا تعدو الأمثلة المذكورة منها أعلاه أن تكون قطرة من فيضها، فقد أخلّت فرنسا بمهمتها في الدفاع عن حقوق الإنسان، والأسوأ هو أن «باريس» دفعت خلال السنوات الثلاث الأخيرة تعاونها الاقتصادي والعسكري مع مصر إلى أقصاه، حيث كانت مصر، في سنة 2015، أول بلد أجنبي يقتني رسميًا الطائرات المقاتلة من نوع رافال.

وإضافة إلى هذه الطائرات التي صنعتها شركة «داسولت.. Dassault»، فقد نص العقد الموقَّع بين البلدين سنة 2015 على بيع بارجة متعددة المهام من نوع «دي سي إن إس..DCNS » وقذائف انسيابية من نوع «سكالب.. SCALP »، وقذائف جو – جو من نوع «ميكا.. MICA»، ما مكّن المصنعين الفرنسيين من مبالغ طائلة بلغت 5.2 مليار يورو.

هل كان هذا هو ثمن الصمت على الانتهاكات التي يرتكبها نظام السيسي؟

في شهر يوليو 2017، عندما جرى الكشف عن صفقة عُقدت سنة 2014 لبيع لمنظومة استعلام Cerebro من قبل المؤسسة الفرنسية Amesys، لصالح السلطة المصرية التي قد تكون استخدمتها للتعرف على معارضين سياسيين أو نشطاء حقوقيين ومراقبتهم وإيقافهم وتعذيبهم، تأكدت مخاوفنا، فلم تكن تلك المرة الأولى التي تأتي فيها مؤسسة Amesys  بمثل هذه الأفعال، فقد باعت منظومة مماثلة تسمى Eagle إلى النظام الليبي، خلال حكم معمر القذافي، وخضعت بسبب ذلك لتحقيقات قضائية بتهمة «التواطؤ في  أعمال تعذيب».

حان الوقت لأن تكف الدبلوماسية الفرنسية عن لعب دور الوسيط لصالح مصنعي السلاح الفرنسيين، لأنه يقترن بخطر ارتكاب انتهاكات جسيمة لأحكام معاهدة تجارة الأسلحة، التي صدّقت عليها باريس سنة 2013 كما للقانون الدولي عمومًا. وإذا ما ارتأت فرنسا الحفاظ على علاقة «مميزة» مع مصر فلا يمكن أن يحدث هذا سوى في إطار الشفافية، ولا بد أن تكون كافة الاتفاقيات التجارية مشروطة بالاحترام التام لحقوق الإنسان.

سيدي الرئيس، إن المضي في الصمت وفي قبول مثل هذه التجاوزات باسم «الحرب على الإرهاب» لن يؤدي سوى لنتائج عكسية، حيث تساهمون بذلك في تغذية عدم الاستقرار وفي انعدام الأمن في الضفة الأخرى من المتوسط، كما تتخلون في ذات الوقت عن المصريين وهم يواجهون إحدى أحلك فترات الديكتاتورية في تاريخهم.

اعلان
 
 
بهي الدين حسن 
ديميتريس كريستوبولوس