لماذا تتعثر جهود استرداد الأموال؟.. قضية حسين سالم مثالًا
 
 

يكشف تقرير تنشره منظمتي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية و Public Eye السويسرية غدًا، اﻷربعاء، عن تفاصيل جديدة تخص فساد حسين سالم، رجل اﻷعمال المصري والصديق المقرب من الرئيس اﻷسبق حسني مبارك.

ويركز التقرير الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه على دراسة حالة «سالم» ومحاولات استرداد أمواله المجمدة من سويسرا عبر إعادة سرد تفاصيل قصته، وإجابة الأسئلة العالقة. وشهدت حالة «سالم» جدالًا استمر طوال سنوات، وانتهت بالتصالح بينه والحكومة المصرية في أغسطس الماضي.

وتكشف الدراسة عن العراقيل التي تواجه قضايا استرداد اﻷموال المنهوبة ومكافحة الفساد وغسيل اﻷموال في العالم. طبقًا ﻷرقام البنك الدولي في 2011 حسب التقرير، صودرت واستردت أموال تبلغ قيمتها حوالي 5 مليارات دولار منذ نهاية التسعينيات (حوالي نصفها من سويسرا). ولا يمثل هذا المقدار أي أهمية إذا عرفنا أن حجم اﻷموال غير الشرعية التي تتدفق خارج الدول تتراوح قيمتها بين 20- 40 مليار دولار سنويًا.

وبحسب التقرير، فإن ما حدث خلال سنوات مع حسين سالم منذ تجميد أمواله في سويسرا في أعقاب ثورة يناير 2011 وحتى التصالح معه، يكشف عن القصور القانوني والقضائي فيما يتعلق بمكافحة الفساد وغسيل اﻷموال، وحق استرداد اﻷموال المهربة من ذوي السلطة والنفوذ.

التجميد

أصدرت الحكومة السويسرية قرارًا بتجميد أصول قائمة من 12 شخصًا شملت مبارك نفسه والمقربين من حاشيته، ومنهم حسين سالم بعد ساعات من استقالة مبارك في 11 فبراير 2011. وقدرت صحيفة التليجراف المصرية ثروته وثروة عائلته ب 4 مليار دولار.

تخرج «سالم» من كلية التجارة بجامعة القاهرة عام 1956. بحسب تقرير لصحيفة اﻷهرام، عمل «سالم» أولًا في صندوق دعم النسيج براتب شهري متواضع بلغ 18 جنيهًا (51 دولارًا أمريكيًا بحسب سعر الصرف وقتها)، أو ما يعادل 445 دولارًا أمريكيًا بأسعار اليوم. وفي عام 1963، وبحسب تقرير اﻷهرام، قابل «سالم» أمين هويدي، الذي كان سفيرًا لمصر في المغرب وقتها وأصبح لاحقًا وزيرًا للدفاع ورئيسًا للمخابرات. وحين عُين «هويدي» سفيرًا لمصر لدى العراق في العام ذاته، أحضر «هويدي» «سالم» معه للعمل مديرًا لفرع الشركة العربية في بغداد.

بعد عودته إلى مصر لرئاسة المخابرات، أحضر «هويدي» «سالم» معه مرة أخرى.  ثم أرسله في بعثات إلى دول الخليج، التي بدأ فيها علاقات قد تصبح محورية في رحلة صعوده.

بعد تولي أنور السادات رئاسة مصر في عام 1970، خضع «هويدي» للإقامة الجبرية كجزء من حملة السادات ضد أعضاء نظام ناصر المقربين، ويُعتقد أن «سالم» قطع علاقته به وأصبح جزءً من نظام السادات الجديد. وطبقًا لتقرير صحيفة اﻷهرام، أصبح «سالم» رئيسًا لمجلس إدارة شركة اﻹمارات العربية التجارية مستندًا في ذلك على علاقاته. عملت الشركة كمستورد للمواد الغذائية لدولة الإمارات العربية. ويُعتقد أنه في هذا الوقت، بدأ سالم في تجميع ثروته الضخمة، طبقًا للتقرير.

اختلاس أموال من المعونة اﻷمريكية

بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، بدأت الولايات المتحدة إمداد مصر بمعدات عسكرية كجزء من برنامج المساعدات اﻷمريكية إلى مصر. أسس «سالم» شركة اسمها EATSCO، والتي حصلت على حق توريد شحنات أسلحة من أمريكا إلى مصر في العام ذاته.

لا يُعرف كيف تمكن سالم من الفوز بهذه الصفقة الحيوية، لكن لن يمر وقت طويل  قبل أن يتورط «سالم» في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات في قضية فساد كبيرة تتعلق بشركة EATSCO أمام المحاكم اﻷمريكية بسبب تسليمه البنتاجون فواتير مزيفة. اعترف «سالم» بالذنب في تحصيل قيمة أموال زائدة من البنتاجون بقيمة 8 ملايين دولار. بحسب أوراق القضية، قدمت EATSCO فواتير مزيفة تخص 34 شحنة بين عامي 1979 و 1981.

قضية ميدور

دخل «سالم» قطاع الطاقة عبر تأسيس شركة اسمها ميدور مع شريك إسرائيلي اسمه يوسف بن مايمان عام 1994 برأسمال بلغ 300 مليون دولار، شارك «سالم» فيها بنسبة 40% عبر شركته السويسرية ماسكا. تخصصت الشركة في بناء معامل لتكرير البترول.

لكن الخسائر لاحقت أعمال الشركة خصوصًا بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية ضد الاحتلال اﻹسرائيلي عام 2000. في حوار له مع صحيفة «المصري اليوم»، قال مدحت يوسف، الرئيس السابق لشركة ميدور، إن اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية دفع المملكة العربية السعودية لوقف إمداد بترول خام ﻷي معمل تكرير يشارك فيه إسرائيليين، ما تسبب في خسائر للشركة، خاصة أن معمل التكرير التابع لها كان مصممًا بشكل خاص لخام البترول السعودي.

مع هذا، وبين عامي 1998 و 2001، باع «سالم» أسهمه في شركة ميدور على أربعة مراحل بقيمة زادت عن قيمتها اﻹسمية بـ 50 مليون دولار أمريكي على الرغم من أن الشركة لم تحقق أي أرباح منذ تأسيسها وحتى باع «سالم» أسهمه فيها. من اشترى هذه اﻷسهم بسعرها المبالغ فيه؟ البنك اﻷهلي المصري المملوك للدولة هو من اشترى هذه اﻷسهم عبر شركة «أوفشور» سرية اسمها NBF Cayman المحدودة.

ولا تُعرف الأسباب التي تمكن من خلالها ملاك الشركة من بيع أسهمهم فيها لبنك تمتلكه الحكومة بقيمة تتجاوز بكثير قيمتها اﻹسمية، ما أدى إلى حصولهم على كمية هائلة من اﻷرباح على حساب الخزينة العامة للدولة.

قضية خط غاز شرق المتوسط

في قضية أخرى تعرف بـ«فضيحة تصدير الغاز ﻹسرائيل»، واتهم فيها مسؤولون سابقون من بينهم سامح فهمي وزير البترول في حكومة مبارك بتبديد أموال عامة عبر بيع غاز طبيعي لشركة شرق المتوسط للغاز – شركة أخرى يمتلكها حسين سالم- بأقل من سعره باﻷمر المباشر دون مناقصة بغرض إعادة بيعه لشركة الكهرباء اﻹسرائيلية.

كان سامح فهمي شريكًا في شركة ميدور التي أمتلكها «سالم» قبل أن يصبح وزيرًا للبترول. بحسب شهادة عبدالخالق عياد، الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، في قضية تصدير الغاز، طلب «سالم» في أبريل عام 2000 من سامح فهمي شراء غاز طبيعي بنية تصديره إلى تركيا وإسرائيل بسعر 1.5 دولار/ مليون وحدة حرارية بريطانية، على أن يظل السعر دون تغيير طوال مدة العقد.

كما أوضح محمد كامل العيسوي، وكيل أول وزارة البترول لشؤون الغاز، في شهادته أنه كُلف بإعداد دراسة لتحديد تكلفة إنتاج الغاز الطبيعي لتحديد سعر بيعه إلى شركة «سالم». انتهت الدراسة إلى أن تكلفة اﻹنتاج تبلغ 1.5 دولار/ مليون وحدة حرارية بريطانية (أي نفس السعر الذي عرضه سالم للشراء)، وقُدمت إلى اللجنة العليا للغاز والتي يرأسها فهمي نفسه.

في مرحلة لاحقة، تقدمت شركة شرق المتوسط المملوكة لـ«سالم» بعرض لشراء الغاز بسعر أقل  0.75 دولار/مليون وحدة حرارية بريطانية (أي نصف تكلفة اﻹنتاج التي حددها تقرير العيسوي). وفي يوم التقدم بالعرض، قام سامح فهمي بتعيين حسن عقل، نائب مدير الهيئة العامة للبترول، ﻹعداد تقييم جديد تخصم منه تكلفة الرسوم والضرائب التي تدفعها الهيئة في عملية اﻹنتاج، إضافة إلى خصم التكلفة الكبيرة لاستخراج البترول في حقول غرب الدلتا.

وقدرت الدراسة الجديدة تكلفة إنتاج جديدة تنخفض كثيرًا عن الدراسة اﻷولى ووصلت إلى 0.68 دولار/ مليون وحدة حرارية بريطانية، أي أقل من نصف السعر المبدئي.

السعر الثاني -بعد الخصم-، هو ما وافق عليه وزير البترول، وهو القرار الذي أقره رئيس الوزراء في سبتمبر 2000. ولم يُوقع العقد مع شرق المتوسط إلا بعدها بخمس سنوات في يونيو 2005 بنفس سعر عام 2000 المنخفض على الرغم من الارتفاع العام في أسعار الغاز الطبيعي وقتها.

يمكن ملاحظة الانخفاض الكبير في السعر عند مقارنته مثلًا بسعر الغاز الطبيعي الروسي، أحد أرخص أنواع الغاز في العالم، والذي بلغ 3.24 دولار/مليون وحدة حرارية بريطانية في أبريل 2000، ووصل إلى 12 دولار/مليون وحدة حرارية بريطانية بحلول منتصف 2008 (أي ما يزيد عن 17 ضعف السعر الذي دفعته شركة شرق المتوسط).

وطبقًا لشهادة عمر سليمان، نائب الرئيس ورئيس المخابرات اﻷسبق، في قضية تصدير الغاز، بيع الغاز الطبيعي من شركة الغاز الحكومية إلى شركة شرق المتوسط بسعر 0.75- 1.25 دولار، والتي تبيعه بدورها لشركة الكهرباء اﻹسرائيلية بسعر 2.25 دولار،وهو ما مكنهم من تجميع هامش ربح خرافي تراوحت قيمته بين 33% إلى 55%. كما شهد «سليمان» أيضًا أن «سالم» حظي بصداقة استمرت طوال 20 سنة مع مبارك، الذي كلفه بتأسيس شركة الغاز بغرض تصديره إلى إسرائيل بسبب خبرة «سالم» السابقة مع اﻹسرائيليين في «ميدور».

فيلات شرم الشيخ

في منتصف التسعينيات، «باع» «سالم» لمبارك وزوجته وولديه خمس فيلات متلاصقة بمساحة إجمالية بلغت22  ألف و435 متر مربع في بقعة رئيسية في مدينة شرم الشيخ السياحية بسعر رمزي. ومنذ هذا الوقت، أصبحت شرم الشيخ وجهة مبارك المفضلة، وعاش فيها خلال الفترة بين اﻹطاحة به، وجلبه للمحاكمة. دفعت عائلة مبارك 84 جنيهًا لكل متر مربع في الفيلات الخمسة في المتوسط، بينما كان متوسط سعر المتر ﻷرض كهذه في بقعة مماثلة خلال هذا الوقت 1697 جنيهًا، أي 54 ضعف السعر الذي دفعته عائلة مبارك، بحسب تقديرات تقرير رسمي شملته أوراق قضية محاكمة القرن. وفي وصف آخر: «أقل من نصف مليون دولار أمريكي لخمس فيلات على مساحة أرض تجاوزت 20 كيلومتر مربع”. وبعد استقالة مبارك، اعتُبر «بيع» الفيلات الخمسة  التي تجاوزت مساحتها 20  كيلو متر مربع رشوة في محكمة، لكن القضية أُسقطت في النهاية بسبب قانون التقادم.

الصلات السويسرية

ترجع صلات حسين سالم السويسرية إلى سبعينيات القرن الماضي. تكشف وثيقة بنكية أوردها التقرير أن حسين سالم وزوجته فتحا حسابًا بنكيًا في بنك كريدي سويس Credit Suisse في جنيف. وبحسب التقرير، استُخدم هذا الحساب على اﻷرجح في استقبال ودفع عمولات ترتبط بصفقة فاسدة في مشروع ميدور لبناء مصنع للغاز في مصر.

في عام 1975، سجل «سالم» شركة في جنيف تدعى ماسكا Maska برأسمال 250  ألف فرنك سويسري. وفي عام 1989، أسس شركة أخرى في جنيف اسمها فنادق جالاكسي. ولا تزال أنشطة الشركة اﻷخيرة مجهولة إلى حد بعيد.

بحسب وثيقة رسمية كشف عنها جهاز الكسب غير المشروع وأوردها التقرير، وبحساب الفارق بين القيمة الاسمية للأسهم وبين السعر، الذي بيعت به للبنوك الحكومية، حققت «ماسكا» أرباحًا تصل إلى 49.6 مليون دولار أمريكي عبر بيع أسهم لعدد من البنوك الحكومية (بنك قناة السويس والبنك اﻷهلي المصري) بقيمة أكبر من قيمتها الحقيقية على الرغم من أنها لم تحقق أرباحًا تبرر ارتفاع قيمة أسهمها.

ما بعد الربيع العربي

بدأت السلطات السويسرية تحقيقاتها ضد حسين سالم في 2011، وقررت تجميد جزء من أصوله. وفي 6 سبتمبر 2012، أضافت سويسرا أسماء «سالم» وأقاربه لقائمة تجميد اﻷموال الرسمية التي صدرت قبلها بسبعة عشر شهرًا في أعقاب اﻹطاحة بمبارك. الخطوة كانت على اﻷرجح دبلوماسية أكثر من أي شيء. لهذا، ومنذ سبتمبر 2012، جُمدت أموال «سالم» استنادًا إلى قرارين منفصلين. وشملت قائمة التجميد السويسرية وقتها 31 شخصًا.

نشرت صحيفة سويسرية تقريرًا ثريًا، ذكر أن سويسرا جمدت أموالًا ترتبط بنظام مبارك تصل قيمتها إلى 693 مليون دولار أمريكي. اعترفت السلطات لاحقًا أن المبلغ في الحقيقة يفوق هذا، ويتجاوز 700 مليون دولار أمريكي.

التعاون القضائي

الطريق المعتاد في إجراءات استرداد اﻷصول يكون عبر إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة، وهو -كما يوضح الاسم- طلب تتقدم به أحد الدول للحصول على مساعدة قانونية من بلد أخرى في قضايا عابرة للحدود غالبًا ما تكون قضايا فساد.

خلال الشهور التي تلت الربيع العربي، حاولت السلطات السويسرية سلوك هذا الطريق، ووفروا الدعم للسلطات المصرية الجديدة عبر توضيح كيفية قبول طلب عبر إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة. قام خبراء سويسريون بزيارة القاهرة في 11-12 مايو 2011. وفي 18 مايو 2011، بدأ مكتب النائب العام السويسري -السلطة القضائية المستقلة المسؤولة عن التحقيق في الجرائم العابرة للحدود- إجراءاتها الخاصة بالتحقيق في غسيل اﻷموال المصرية. بأن طلب بيانات مالية من البنوك التي جُمدت أموال مصرية فيها. كما طلب منهم أيضًا البحث عن أي حسابات بنكية غير معلنة. استهدفت التحقيقات الجنائية في البداية 14 شخصًا، أي أكثر من العدد الوارد في قائمة التجميد التي أصدرها المجلس الفيدرالي في فبراير 2011 (12 شخصًا). كما أرسل النائب العام السويسري 30 طلبًا على اﻷقل للمساعدة القانونية المتبادلة إلى مصر، بحسب بيان صحفي أصدره مكتبه في يناير 2016.

وفي سبتمبر 2011، اتخذ النائب العام السويسري قرارًا هامًا بتوسيع نطاق التحقيق لينظر في احتمالية وجود منظمة إجرامية. طبقًا للقانون السويسري، فإن هذه هي الحالة القانونية الوحيدة التي يقع عبء اﻹثبات فيها على المتهم ويُسمح فيها بمصادرة اﻷموال، لكن هذا يتطلب إثبات وجود منظمة إجرامية.

لكن التقرير أورد عددًا من الصعوبات التي تواجه طريق المساعدة القانونية المتبادلة. أولًا، واجهت السلطات المصرية صعوبة في التعامل مع الطلبات. في أغسطس 2012، نشرت صحيفة سويسرية تقريرًا جاء فيه أن السلطات السويسرية وافقت على ثلاث طلبات مساعدة قانونية من إجمالي 40 طلبًا تقدمت بها مصر إلى سويسرا.

ثانيًا، تمتعت السلطات المصرية بوضعية مزدوجة فيما يتعلق باﻹجراءات السويسرية: يمكن لمصر استخدام إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة، باﻹضافة إلى إمكانية الحصول على ملفات عبر محامين يمثلون الحكومة المصرية في سويسرا. في البداية، وافقت محكمة الجنايات السويسرية في عام 2011 على حق مصر في التمتع بهذه الوضعية المزدوجة. لكن بعد شهور قليلة، وبسبب عدم الاستقرار السياسي وغياب الاستقلال القضائي في مصر، ألغت محكمة سويسرية هذه الوضعية.

ثالثًا، بذل المتهمون المصريون ومحاموهم كل ما في وسعهم لتعطيل أي تقدم في التحقيقات السويسرية. تقدموا مرارًا بطلبات إلى السلطات السويسرية لرفع التجميد عن أموالهم. رُفضت هذه الطلبات، لكن التقرير يلاحظ أنها تمكنت من عرقلة سير التحقيقات لوقت طويل.

العقبة اﻷخيرة جاءت في يونيو 2015 حين قررت نيابة فيدرالية سويسرية إسقاط تهمة المنظمة اﻹجرامية ضد حسين سالم. نجحت مصر في الاستئناف ضد القرار في محكمة جنايات فيدرالية، ما أجبر مكتب النائب العام المصري على اﻹبقاء على التحقيق جاريًا. لكن بدا من الواضح أن مكتب النائب العام السويسري يواجه صعوبات في إثبات هذه الاتهامات.

رفع التجميد

استقبل مكتب النائب العام السويسري مذكرة دبلوماسية من الحكومة المصرية في 26 مايو 2016 (مذكرة رقم 85) جاء فيها إن حسين سالم وزوجته ليسا قيد أي تحقيقات قضائية في مصر، وهو اﻷمر الذي لم يكن صحيحًا وقتها.

وفي 2 أغسطس 2016، وقعت هيئة الكسب غير المشروع في مصر اتفاقًا بالتصالح مع حسين سالم يقضي بإسقاط كل التهم المتبقية ضده وربما بعض حاشيته أيضًا. في المقابل، أعرب «سالم» في بيان رسمي أنه مستعد للتنازل عن 75% من ثروته للحكومة المصرية.

وبحسب صحيفة اﻷهرام، تقدم النائب العام المصري بطلبات إلى ثلاث دول بينها سويسرا بـ«رفع التجميد عن أموال وأصول حسين سالم وأسرته بعد تصالحه النهائي مع الحكومة المصرية، بعدما دفع عملاق اﻷعمال مبلغ 596.5 مليون دولار أمريكي للحكومة.  ويمثل المبلغ 75% من إجمالي أصوله داخل وخارج مصر».

وفي أعقاب التصالح، وفي ديسمبر 2016، أصدر مكتب النائب العام السويسري بيانًا صحفيًا كشف فيه عن رفع التجميد عما يقرب من ربع اﻷصول المصرية التي جُمدت في أعقاب الربيع العربي (حوالي 180 مليون فرنك سويسري) وأوضح النائب العام السويسري أنه «اضطر إلى إسقاط إجراءات جنائية ضد عدد من اﻷفراد في سويسرا».

وأفاد بيان النائب العام السويسري أن التحقيقات السويسرية في اﻷموال المصرية مازالت جارية ضد ستة أشخاص فقط. وفي فبراير 2017، تقلصت قائمة تجميد المجلس الفيدرالي إلى 16 شخصًا فقط، أي ما يقرب من نصف عدد اﻷشخاص الذين كانوا عليها (29 شخصًا) قبلها بشهور قليلة.

المحاكمات في مصر

تعقّب التقرير 40 قضية فساد بدأت بعد ثورة 2011 ضد 16 شخصًا ينتمون إلى نظام مبارك، وانتهى إلى هذه اﻹحصائيات:

– بحلول 6 أبريل 2017، تمت تبرئة 14 من بينهم.

– في 10 قضايا على اﻷقل، حصل المتهمون على البراءة بعد إدانتهم في حكم أول درجة.

– في 4 قضايا على اﻷقل، عقد المتهمون صلحًا بعد إدانتهم بحكم أول درجة.

– أُسقطت خمس تهم نتيجة التصالح قبل صدور حكم. (وتُظهر موافقة المتهمين على التصالح عن طريق دفع أموال توقعهم أحكامًا باﻹدانة في هذه القضايا.)

– صدرت أحكام غيابية في تهمتين.

– أُسقطت قضية واحدة بالتقادم. (على الرغم من توصيات منظمة الشفافية الدولية بأن يبدأ حساب فترة سقوط القضايا بالتقادم منذ مغادرة الموظف العام منصبه، إلا أن القانون المصري استمر حتى وقت قريب في حساب الفترة منذ تاريخ ارتكاب الجريمة. سمحت قاعدة السقوط بالتقادم هذه بالبراءة في واحدة من أهم قضايا الفساد والتي شملت مبارك و«سالم»، وهي قضية فيلات شرم الشيخ.)

– صدرت أحكام نهائية بالإدانة في ثلاث اتهامات فقط (في نفس القضية).

– مازالت ست قضايا أخرى قيد المحاكمة.

– من بين 40 تهمة، انتهت سبع ببراءات في الدرجة اﻷولى.

التصالح الغامض

في ديسمبر 2015، أصدرت المحكمة اﻹدارية حكمها في دعوى أقامتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. ألزم الحكم مجلس الوزراء بتقنين حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والبيانات المتعلقة بالتسوية بين الحكومة والمستثمرين فيما يتعلق بالخصخصة واﻷموال العامة. بموجب هذا الحكم، تلتزم الحكومة باﻹفصاح عن المعلومات المتعلقة بهذه التسويات على أن تكون المعايير واﻷسباب واﻷسس واضحة فيما يتعلق بكل تسوية. و«على الرغم من وضوح الحكم القضائي، تمت عملية التصالح مع حسين سالم فيما يقارب السرية الكاملة»، بحسب التقرير.

ويوضح التقرير أنه على سبيل المثال، لم يُنشر النص الكامل لاتفاق «سالم» مع السلطات المصرية بشكل رسمي حتى اﻵن. كما لم تصدر أي من المؤسسات التي تولت تنفيذ الاتفاق بيانات رسمية لتوضيحه.

أحد المواقع اﻹخبارية نشر نسخة من الاتفاق، تؤكد هذه النسخة الوحيدة من الاتفاق إلى جانب تصريحات المسؤولين ومحاميّ حسين سالم أنه تنازل بالفعل عن 75% من كافة أصوله، وهو ما قدره محاموه بقيمة حوالي 5.5 مليار جنيه. لكن تقارير إعلامية أشارت إلى أن هذا المجموع البالغ 311 مليون دولار بحسب سعر الصرف في أغسطس 2017 لا يمكن أن يرقى إلى نسبة 75% من ثروته، مرجحة أن هذه النسبة تساوي 20% فقط.

البنوك السويسرية

في 2011، حللت FINMA، ، هيئة اﻹشراف السويسري على اﻷسواق المالية، تطبيق واجبات غسيل اﻷموال بواسطة الوسطاء الماليين، والذين قبلوا أموالًا جرى تجميدها بعد الربيع العربي. انتهى التحليل إلى إعداد تقرير لم يخرج إلى العلن في بادئ اﻷمر. لكن تحت ضغط كبير من المجتمع المدني السويسري، أصدرت FINMA تقريرًا موجزًا، امتنعت فيه عن تسمية البنوك التي شملها تحقيقهم. ولاحظ التقرير أن «تقدير معظم المؤسسات المالية فيما يتعلق بالالتزام بتطبيق إجراءات وافية يتراوح بين كافٍ إلى جيد». وعثرت FINMA على مخالفات في أربع حالات فقط بين 20 حالة جرى التحقيق فيها، لكنها لم تحدد أسماء هذه الحالات اﻷربع.

ما العمل؟

اقترح التقرير ضرورة التغلب على العراقيل التي تواجه عمليات استرداد اﻷموال المنهوبة ومكافحة الفساد وغسيل اﻷموال. ودعا إلى إيجاد طرق بديلة لإجراءات المساعدة القانونية المتبادلة حين تصبح غير كافية.

وأضاف التقرير أن منظمة Public Eye في سويسرا دعت لفترة طويلة إلى إيجاد آليات بديلة إدراكًا منها لصعوبات طريق المساعدة القانونية المتبادلة، معتبرًا أن هذا «قد يقلص هذا التأثير الكبير لعبء اﻹثبات في السياقات المماثلة، ويساعد قضايا كما في حالة مصر».

كما أشار التقرير إلى ضرورة مقاومة حصانة المسؤولين وحاشيتهم عن التركيز على استرداد اﻷموال بشكل سريع، مؤكدا أنه «لسوء الحظ، تفضل حكومات مثل حكومة مصر الحالية أن تحصل على حصة من اﻷموال سريعًا بدلًا من مقاومة الحصانة».

وأفاد التقرير أنه قد تكون هناك أسباب جيدة لهذا، مثل أن تكون هذه الحكومات في حاجة ماسة للأموال في أوقات عدم الاستقرار السياسي، كما يحدث بعد سقوط أنظمة الحكم.، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود أسباب سيئة أيضا؛ حيث قد يرغب أحد المسؤولين في استرداد اﻷموال فقط لتحقيق الشعبية. وفي أحيان أخرى، تصبح مثل هذه التسويات وسيلة لنيل حماية النخب القوية والمتأصّلة. وفي أحيان أخرى، يكون اﻷمر مجرد فساد.

ويوصي التقرير بضرورة تركيز الجهود على بناء أُطر أكثر فعالية لمكافحة غسيل الأموال، إلى جانب سياسات استرداد اﻷصول.

ويوضح التقرير أن «من بين معظم تدفقات اﻷموال غير الشرعية، يتم التعرف على جزء ضئيل للغاية منها، جزء أصغر منها يُجمد، وأصغر تتم مصادرته وإعادته»، ما يعتبره «يوفر […] دليلًا كافيًا على أن عمليات استرداد اﻷصول طويلة ومعقدة وغالبًا مخيبة للآمال».

ويعتبر التقرير أن الطريقة اﻷفضل لمنع الفساد رفيع المستوى هو منعه عبر التأكد من أن الوسطاء الماليين يلتزمون بمعايير مكافحة غسيل اﻷموال بشكل دقيق، ويرفضون اﻷموال غير الشرعية.

اعلان