Define your generation here. Generation What
مسرحية «التجربة الدنماركية»: كوميديا معاصرة عن الأسرة المصرية
 
 
مشهد من مسرحية التجربة الدنماركية - المصدر: صفحة المسرحية على فيسبوك
 

رغم تطابق عنوان مسرحية «التجربة الدنماركية»، التي تُعرض على مسرح الفلكي، مع اسم فيلم عادل إمام الشهير، الذي تسبب في موجة هوس بالممثلة اللبنانية نيكول سابا، فإن المسرحية لا يجمعها بالفيلم سوى العنوان.

في بداية المسرحية المنتَجة من قبل شركتي عالم موازي وأنتروبيا، راودني إحساس  أنني بصدد مشاهدة نسخة عصرية من المسرحية الكلاسيكية «العيال كبرت»، حيث  الأب المتسلط ذو الصوت العالي، دائم الحسبنة على أحوال الأسرة، والأم قليلة الحيلة، التي تنحصر حياتها في بيتها، وأولادهما مختلفي الشخصيات، فهناك الابن الأكبر الطموح والابن الأصغر الذي تظهر عليه البلاهة، وأختهم المتهورة مفرطة الحركة.

برغم تلك التركيبة المُستهلَكة لم أفقد حماسي، ربما لأن منبع الفكاهة في المسرحية التي جرى تأليفها في ورشة ارتجالية؛ مُتشرِّب بديناميكية الأسرة المعاصِرة، بالإضافة لأنها تطورت لتقدم محاكاة حساسة لكل من الأسرة والمجتمع المصريين، مضفرة كل ذلك بأجواء فانتازيا عالية المستوى.

يواجه كريم، الابن الأكبر، اعتراض أسرته على ولعه بالتمثيل، الذي تعتبره انحرافًا عن المسار المفترض من أن يصبح موظفًا وربًا لأسرة. يعنّفه أبوه على تضييع وقته، ولا يكترث أشقاؤه بحضور عروضه. أما والدته فتفوض فيه أمرها لله. وعندما يسألها الدعاء له بالنجاح في أول أيام عرض مسرحية «هاملت» في الجامعة، التي يلعب فيها دور البطولة، ترد عليه بالجملة الشهيرة للأم المصرية: «ربنا يهديك».

يعود كريم من عرضه المسرحي، والذي وعد أباه بأنه سيكون آخر عهده بالتمثيل، وقد تلبّسته شخصية هاملت، غير قادر على الفكاك منها. وتتعقد الأمور، عندما يؤكد الطبيب لعائلته أن لا سبيل لعودته لشخصيته الحقيقية إلا بقيام الأسرة نفسها بالانخراط في اللعبة، وتمثيل المسرحية معه حتى نهايتها. خلق هذا الوضع المركّب كوميديا طبيعية، نتجت عن مفارقة دخول الأب والأم لعالم المسرح من أداءات وتدريبات راقصة مفعمة بالنشاط والتحرر، نشهد من خلالها انقلاب حالهم من الجمود والتجهم، إلى تقبّل تدريجي لاختلافات الحياة وبهجتها.

تعتبر أسرة كريم مثالًا نموذجيًا للأسرة المصرية العادية، حيث السلطة الأبوية المسيطرِة، والأم محدودة الأفق التي لا يجد ابنها الأصغر وسيلة للفت انتباهها أفضل من إخبارها أنه كسر طبقًا من « النيش». هذا بالإضافة لطبيعة التعاملات الحَذِرة بين الأفراد والجو العام الملّبد بالضيق والهموم والملل والرهبة من الخروج عن المألوف.

غير بنائها العام المُحاكي لشكل الأسرة، تتشبّع المسرحية بتفاصيل كثيرة مألوفة بالنسبة لنا في مصر، كشخصية البواب، وكونه  ممثلًا عن سلطة اجتماعية. فنجده يدخل الشقة ويضع ساقًا على ساق مبديًا رأيه في أحوال البيت، بشكل يعكس فعليًا القيمة الكبيرة التي تعطيها الأسرة المصرية له بوصفه ممثلًا عن المجتمع، ما يزيد من تضييقهم على تصرفات الأبناء، وجاعلًا هَم الأم الأول، عندما تتأخر ابنتها في الخارج: « البواب هيقول ايه؟!»

ساعدت المؤثرات المُحكَمة من موسيقى وإضاءة؛  في الانتقال السلس من حياة الأسرة التقليدية إلى عالم كريم الفانتازي. وأثبتت نجاحها في المشهد الصعب لانسلاخ كريم التدريجي من شخصية هاملت والعودة لشخصيته، بشكل جاء أشبه للمشاهد السينمائية لاستحضار« العفاريت».  في هذا المشهد، وبعد أن ينهر كريم أخاه؛ لارتدائه القميص الخاص به، يستدير ليتلو جزءًا من مونولوج هاملت الأسطوري «أكون أو لا أكون» والذي يعطي بعدًا آخر لصراعه مع أسرته.

وقبل أن تصبح مفارقة اضطرار الأسرة التقليدية للانخراط في عالم الفن مملة، تُنقِذ المسرحية نفسها، بإدخالها ممثلين آخرين عن المجتمع المصري، إلى قلب الدراما، لتتسع الدائرة.

فالضابط الذي يقتحم المنزل لسماعه أن «أشياءً غريبة» تحدث به؛ يعكِس الهوس الأمني الذي يعانيه المجتمع  بسبب محاربة الدولة وتجريمها لكل ما هو خارج عن المألوف. يبقى الضابط والأمين الذي يتبعه كظله في المنزل، ليشاركا بدورهم في المسرحية مع كريم، بعد تلقيهما أوامر من لواء شرطة، توسّطت عنده الأسرة، بل ويتم استدعاء متهمين مقبوض عليهم من سيارة الترحيلات المنتظِرَة تحت المنزل، ليتخذوا أماكنهم في مشهد إعادة تمثيل هاملت للحظة قتل أبيه الملك المغدور به، أمام عمّه ليختبر ردة فعله.

في رأيي كان مشهد غناء مجموعة المتّهمين لقصة هاملت بطريقة مهرجان شعبي يتحدث عن الخيانة، هو أقوى لحظات المسرحية الكوميدية، خاصة عندما تصل الأغنية لذروتها، ونجدهم يرقصون ويرددون بصخب: «واللي زاد ف الخيانة الأم اتجوزت العم».

بالرغم من الطابع الكوميدي الغالب على المسرحية إلا أن دراما الصراع بين كريم وأبيه والتي أودت به إلى الانهيار جاءت حقيقية ومؤثرة. فكلمات الأب لابنه المغيّب في عباءة هاملت، جاءت معبرة عن دافع الحب الموجود وراء تصرفات الآباء، وعكست مأساة عائلات مصرية كثيرة، التي تعاني من السلطة الأبوية حسنة النية في بعض الأحيان، لكنها قد تخنق وأحيانًا تدمر.

وقد تكون الطبيعة السريالية للمشاهِد التي ينخرط فيها الأب في عالم التمثيل والتي تساعده في استيعاب طموح ابنه؛ تعبيرًا منصِفًا عن مدى صعوبة خلخلة الجمود المسيطِر على المجتمع، والذي يجعل احتمالية تَفهُّم أب متزمت لحلم ابنه بالتمثيل؛ بنفس ضآلة احتمالية أن يقوم هذا الأب بالرقص بنفسه على خشبة المسرح.

تعود مسرحية التجربة الدنماركية لمسرح الفلكي اليوم، ويستمر عرضها حتى نهاية أكتوبر الجاري.

اعلان
 
 
هبة عفيفي