Define your generation here. Generation What

يوميات السجن – الحياة العادية للمسجون العادي (1) البداية، فاقوس، ديسمبر 2012

في الثالثة صباحًا قامت قوات أمن الشرقية، قوات مركز فاقوس، بضبطى وإحضاري، على خلفية قضية لُفقت ضدي بإحراز سلاح بدون ترخيص أثناء تواجدي في القاهرة. وبناء عليها حُكم عليّ بالسجن لثلاث سنوات.

أُخطر مركز فاقوس بهذا لترحيلي لقسم عابدين بالقاهرة، فاقتُدت لمركز شرطة فاقوس وأودعت بحجز المركز، وكان عبارة عن غرفة صغيرة جدًا، وبها حمام صغير أيضًا. أحسست عندما دخلتها بضيق في النفس وبالعجز، فقد أصبحت حركتى محدودة فى تلك الحجرة اللعينة التى أسكنها وحدى. يالهذا الاحساس المرير؛ ألا تجد من يتحدث معك!

سيطر عليّ وقتها إحساس بأني لن أرى الشارع مرة أخرى. كنت خائفًا، فأنا أعرف أن من حبسوني معدومو الرحمة والضمير. كنت أعرف أن بإمكانهم إخفاء أشخاص وتعذيبهم، فقد اختُطفت من قبل ورأيت تعذيبهم للكثيرين من قبلي، وأنا لست إلا في مرحلة البداية، ولا أعرف أين، ولا كيف ولا متى، ستكون النهاية.

خشيت أن يرحّلوني فلا يعرف أحد وجهتي. ودارت معركة شرسة مع عقلي الباطن الذي بدأ يصوّر لي أمورًا مفزعة.

كنت أنظر للحائط وأحاول قراءة ما عليه من كتابات ونقوش، وأعد علب السجائر الفارغة

في محاولة للهروب من هذا الواقع المرير، كنت أنظر للحائط وأحاول قراءة ما عليه من كتابات ونقوش، وأعد علب السجائر الفارغة، وأخرج الورق الأبيض الشفاف الذي يبطّنها من الداخل أو أشكّل هذه الأوراق على هيئة طيارات ومراكب صغيرة، ولا أخفي أني كنت ألعب بها. لم يكن هذا فراغًا أو جنونًا بقدر ما كان هروبًا من الواقع. لم تكن معي أوراق ولا أقلام، لأنها ممنوعة. عددت كل الثقوب في الغرفة، وكنت كثيرًا ما أنادي بائع الشاي لأستمتع بالكلام معه ولو لدقائق معدودة.

كان يُطلب مني جمع زجاجات المياه الفارغة لكي أضع فيها الشاي، وكان البراد بخمسة جنيهات وقتها. كنت أشرب ثم ألف الزجاجة جيدًا للحفاظ على درجة حرارتها.

كان هناك شباك صغير في أعلى الغرفة يطل على مساحة خالية خلفها تتبع المركز، وكان المخبرون والغفر يركنون موتوسيكلاتهم فيها. وكانت أضواء الموتوسيكلات عند ركنها أو تدويرها يتسرب لداخل الغرفة

لم يكن أحد بجواري، فسجن المركز كان بعيدًا عني قليلًا، ولكني كنت أستمع إلى صياح المساجين داخله، حيث كانوا يقفون دائمًا على نضارة الباب، وينادون بصوت عال: «افرجها علينا يا رب»، يناجون ربهم طالبين منه الخلاص، فهو وحده المنجي، وكان الجميع يرددون الهتاف بعدهم.

كنت أستأنس بهم فقد كانت الكهرباء تنقطع عنا يوميًا بعد أذان المغرب، وتظل منقطعة حتى الظهيرة.

كنت أتعجل الترحيل إلى القاهرة، ولكن طلبي لم يكن يلاقي القبول.

كان هناك شباك صغير في أعلى الغرفة يطل على مساحة خالية خلفها تتبع المركز، وكان المخبرون والغفر يركنون موتوسيكلاتهم فيها. وكانت أضواء الموتوسيكلات عند ركنها أو تدويرها، كلما اقترب موعد بدء أو انتهاء الوردية، يتسرب لداخل الغرفة؛ نور بسيط ولكنه مفرح جدًا بالنسبة لي، فسأستمتع في هذا الظلام الدامس بدقائق، ولو معدودة، من النور.

مر أسبوعان ولم أُرحّل، وعندما تحدثت في الأمر كان الرد بأن هناك حالة طوارئ والترحيلات متوقفة.

تمنيت أن يشاركني أحد هذه الغرفة، حتى أستطيع قضاء هذا الوقت العصيب، وبعد مرور نحو أربعة أيام جاء إليّ أحد المساجين من سجن الزقازيق المركزي، بعد أن قضى عقوبته. كان الجو باردًا جدًا، فوجدني مثل القنفذ في نومي، عندما يلمسه أحدهم ينكمش، وأطرافي تكاد تدخل في فمي، فإذ به يلقي مزيدًا من البطاطين عليّ. أحسست وقتها وأنا نائم بدفء جميل، ونمت نومًا عميقًا دون لقاء هذا الضيف الجديد عليّ.

عندما استيقظت وجدته يقطّع الشرائط التي تغطي داير البطاطين ويلفها كالكرة، أو كإطار السيارة ولكن بقاعدة مستوية فوقها وتحتها. ثم جلب الشمع وأحرقه وسيّحه عليها. كان الوقت ليلًا، ثم أشعل النيران في هذا الشمع أعلى الشريط، فإذ به يوقَد ويدفئنا.

كما طلب مني زجاجة بلاستيكية فارغة فجلبت له واحدة، فأخرج الشاي والسكر ووضعهما في الزجاجة مع بعض الماء، وسخّنها على تلك النار. ظننت أن الزجاجة ستتحول لكتلة من البلاستيك الذائب لدى وضعها على النار، ولكن لم يحدث هذا، وظل يحرك الزجاجة على النار حتى سمعت صوت غليان الماء.

بالإضافة للدفء المنبعث، لم أصدق أنني سأشرب كوبًا من الشاي في هذا الوقت المتأخر من الليل. أخذنا نتعرف على بعض وتحدث كل منا عن قضيته ووجهته. كان صاحب محل للمخللات وتراكمت عليه الديون فرفع التجار وصولات الأمانة عليه وقضى ثلاث سنوات في سجن الزقازيق، وأنهى مدته وهو الآن راجع لبيته وأهله.

تمنيت وقتها أنا أيضًا أن ينتهي هذا الكابوس وأعود أنا أيضًا إلى أهلي وأصدقائي.

عرفت أنه سيُرحّل في الصباح وتمنيت ألا يأتي الصباح حتى يظل يؤنسني في وحدتي.

تحدثنا حتى طلع الصباح، ثم نمت قليلًا لأستيقظ وهو يغادر تاركًا لي برطمان الشاي والسكر، ومخبئًا قطعة القماش حتى لا يراها أحد، قبل أن يقول لي: استعملها آخر الليل.

كنا تحدثنا عن السجون وكيف يعيش الناس فيها، وكنت أستمع لحديثه بجدية وانتباه، فربما أحتاج نصائحه في المستقبل، رغم أني كنت أتمنى ألا يحدث هذا وأن أعود إلى أهلي وبيتي، ولكن الأمر لم يكن بيدي.

رحل وعدت مرة أخرى إلى وحدتي، ولكني لاحظت كروانًا يأتي يوميًا في وقت متأخر ويحوم حول المكان. كان صوته رائعًا ويلمس قلبي. من صغري كان يقال لي إن الكروان يشكو إلى الله، وأنا أيضًا كنت أشكو إلى الله ما بي.

صيحاته كانت تهز قلبي وكأنه كان يتحدث بلساني.

لم يهمني إن كانت شكواه إلى الله حقيقة أم أسطورة، ولكنه لمسني ولمس قلبي فلم أبال بأي شيء آخر.

عدت مرة أخرى إلى وحدتي، ولكني لاحظت كروانًا يأتي يوميًا في وقت متأخر ويحوم حول المكان

 ليلة الترحيل

لم أكن في الحقيقة أرغب في الرحيل بعيدًا عن أهلي، ولكني كنت أريد معرفة ماذا سيحل بي، ولذا دائمًا ما كنت أطلب ترحيلي، وأضغط من أجل هذا. فقد مضى على بقائي هنا وقت طويل، ودائمًا ما كان الرد: «مافيش تعليمات والموضوع هياخد شوية وقت».

كان جميع من في المركز يتعجبون من أمري؛ لم كل هذه المماطلة في إجراءات الترحيل؟ وكنت دائمًا ما أُسأل عن قضيتي وسبب بقائي هنا، بينما كل هذه المدة غير محسوبة.

كنت أقضي ليلي الطويل إما نائمًا أو أعد الشاي بالطريقتين اللتين تعلمتهما من زميلي السابق، فبالإضافة للطريقة التي سبق شرحها هنا، علّمني إعداد الشاي عن طريق استعمال زيت التونة بدلًا من الشمع، وتُسمى بلغة السجن، في كلمة لا أعرف معناها، «التَوتَو».

بعد مرور أيام على رحيله، دخل زائر جديد عليّ الغرفة في حالة يُرثى لها، ثيابه مقطّعة ووجهه مغطى بالدماء، وكأن قطارًا دهسه. توجه لي وطلب ماء فأسرعت وأحضرته له وساعدته على النوم في مكاني كي يستريح، وراح في النوم فعلًا، وبعد ساعات استيقظ من فرط الألم متأوهًا «آه يا أنا يا أمّا، يا أنا يا أمّا»، فأحضرت له الشاي والطعام الذي لم نكن نصنعه بأنفسنا وإنما نجلبه من المحال المتواجدة بجوار القسم. بعد الأكل سألته عما حدث له فأخبرني أن مجموعة من الناس اتهموه بضربهم، فضحكت بسخرية محاولًا تمالك نفسي؛ لم يكن مظهره يدل على أنه قادر على ضرب أحد.

عرفت منه أنه كان يسير في مظاهرة مؤيدة للإخوان مستقلًا دراجة بخارية، وعندما وصلت المظاهرة إلى منطقة «كوبري الوحدة»، وهي منطقة مواقف سيارات لكل المحافظات في فاقوس، خرجت مجموعات من المدنيين ودارت بينهم وبين المتظاهرين مشادات كلامية تحولت إلى معارك بالأيدي، وكان الرجل صاحب النصيب الأكبر من الضرب المبرح، حيث استولى الأهالي على دراجته البخارية، وأمسكوه وجلبوه إلى المركز متهمين إياه بحرق ميكروباص، هكذا قال لي.

في الصباح أُخذ الرجل إلى النيابة للتحقيق معه. ثم عاد ولكن إلى الغرفة المجاورة. كان يُنادَى بـ«الشيخ عبد الله»، وكنا نتكلم أنا وهو ليلًا من خلال النضارة.

بجانب علاقتي مع الشيخ عبد الله، نشأت علاقة أخرى مع أحد السجانين، وكان شاويشًا يُدعى رضا، وبدا لي من ملامحه أنه فلاح، وأن مثله مثل الكثيرين ممن يبحثون عن مصدر رزق دائم وحسب، لا يعمل في هذه المهنة إلا للراتب الثابت الذي توفره له، أما روحه فلم تتلوث بها. كان يستغرب وجودي في هذا المكان ويتعامل معي بطيبة؛ كان يتحجج بأنني لابد أن أوقّع على أحد الأوراق حتى يخرجني قليلًا من الزنزانة لأشم بعض الهواء، كما لاحظ مرة أن الطعام نفد من عندي فعاتبني لأني لم أخبره، وعرض أن يجلب لي بعض الطعام والمال إذا احتجت قائلًا: «اللي عند الرجالة أبقى».

في أحد الليالي، وكي يتسنى لي أن أخبر أهلي بما أحتاجه، أخبرني أحد الضباط أني سأُرحّل أخيرًا يوم الأربعاء القادم، أي بعد ثلاثة أيام.

نشأت علاقة أخرى مع أحد السجانين، وبدا لي من ملامحه أنه فلاح، وأنه  لا يعمل في هذه المهنة إلا للراتب الثابت الذي توفره له، أما روحه فلم تتلوث بها

جاء يوم الأربعاء، ولم يطلب مني أحد أن أجهز أغراضي. بعدها عرفت أن ثمة سيارة ترحيلات انفجرت، وبالتالي أُلغيت جميع الترحيلات في هذا اليوم. عرض المأمور على أهلي أن أُرحّل بسيارة خاصة على حسابهم، ووافقت أمي وأخي بعدما اتفقوا على التكلفة، ولكن الموعد لم يتحدد بعد.

في الصباح جاء زائر جديد إلى الغرفة. كان تاجر مخدرات كما عرفت منه فيما بعد، وكان يعمل مع مكتب المكافحة ويبيع المخدرات المضبوطة مقابل خدمات يقدمها للمكتب، مثل قضايا وأموال للحملات والأحراز وقتما يشاؤون، ولكنه قرر الاستقرار وترك هذا العمل، فقُبض عليه بحجة مخالفته بالبناء في أرض زراعية. عرفته منذ أن نطق اسمه، فهو مشهور جدًا في قطرنا بإتجاره في المخدرات قديمًا.

في هذا اليوم كان الاستفتاء على الدستور، وقد مُنع عنا الطعام يومها بحجة حالة الطوارئ، وبعد مشادات ومشاحنات طويلة قرر المأمور إدخال الطعام إلينا.

مكث تاجر المخدرات السابق معي في الغرفة لثلاثة أيام ثم خرج.

سأعود وحيدًا مرة أخرى، وذكرى 25 يناير تقترب وبدأت عملية إخلاء القسم وترحيل المساجين.

كنت أظن أني سأرحل معهم، ولكن هذا لم يحدث. سيطر الخوف عليّ بعد أن سمعت عن تفجيرات للأقسام. ولا أنكر أني كنت أنام مترقبًا خشية أن يقع هجوم على هذا القسم.

في أحد الأيام التالية، وكانت الساعة حوالي الثالثة فجرًا، سمعت أحدهم يهمس بصوت منخفض مناديًا عليّ من نضارة الغرفة. قمت من النوم وتوجهت إليه مباشرة، وكان ضابط الترحيلات يطلب مني رقم أخي ليأتي صباحًا، لأنني سأُرحل في الغد

ولكن الذكرى مرت بسلام ولم يحدث شيء. كانت مكبرات الصوت تذيع الأغاني منذ الصباح وحتى المساء. كانوا يحتفلون بالثورة كما يقولون وهم أشد أعدائها.

بعد أيام قليلة عرفت أنهم سيرحلونني في بداية شهر فبراير، وسعدت لأنني سأذهب لمكان آخر؛ لا يهم ماذا سيحدث، يكفي أني سأكون مع آخرين وأتحدث معهم، ومهما كان فهذا لن يكون أسوأ من جلوسي وحيدًا في هذا المكان المقيت.

في أحد الأيام التالية، وكانت الساعة حوالي الثالثة فجرًا، سمعت أحدهم يهمس بصوت منخفض مناديًا عليّ من نضارة الغرفة. قمت من النوم وتوجهت إليه مباشرة، وكان ضابط الترحيلات يطلب مني رقم أخي ليأتي صباحًا، لأنني سأُرحل في الغد. أعطيته الرقم ورحل، ورجعت فرحًا كي أنام، فهذه ستكون آخر ليلة لي هنا، وسأكون قريبًا من أصدقائي حيث سيتمكنون على الأقل من رؤيتي وزيارتي كما ستتسنى لي أيضًا رؤيتهم.

وفي الصباح، وكان يوم أربعاء، نودي عليّ وطُلب مني جلب أغراضي، وجاءت والدتي لتودعني قبل ترحيلي إلى القاهرة. كانت الدموع تملأ وجهها وكان أخواي قد جاءا للذهاب معي إلى القاهرة. وجدت سيارة ربع نقل خاصة وجاهزة كي ترحّلني، وجرى تصفيدي بكلابشات مع أحد الحراس.

_____________

رسوم: رنوة يوسف

اعلان