Define your generation here. Generation What
«أطفال في محاضن الجهاد»: عندما تتحدث «داعش» عن تربية الأطفال
 
 

على الرغم من أن نشأة تنظيم الدولة الإسلامية، كانت على إثر خلاف فكري عميق بين قطبي الجهادية العالمية أيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي، حول المُفاضلة بين تأسيس دولة للإمارة وتعيين حدودها وبين التخفي داخل حدود أعداء الأمة. إلا أن التنظيم الناشئ غاب عنه الإنتاج الفكري والنظري، فاعتمد على الأدبيات نفسها التي يعتمد عليها «القاعدة»، وعَجّل بالممارسة العملية لدور “الدولة” بداية من تنظيم المرور في الشوارع، وحتى عمليات تصدير النفط وبيعه في السوق الموازية.

لكن مع سيطرته على مدينة الرقة السورية، وبداية تشكّل مظاهره المدينية، التي عكست فكره المتشدد من تنفيذ أحكام قطع الأيدي والرجم والجلد، أخذ التنظيم في الاهتمام بالبعد الاجتماعي، وما يتطلّبه من تنظير فكري. بالطبع كانت الأولوية لموضوع تربية الأطفال بهدف تخريج جيل جديد من المجاهدين.

قراءة لكتاب «أطفال في محاضن الجهاد» لأم عمارة المهاجرة، يمكن أن تعطي فكرة جيدة عن وجهة نظر «المجاهدين» في تربية أطفال الدولة الإسلامية.

تبدأ أم عمارة كتابها بالإشارة لأهمية الموضوع: «إن حياة الهجرة والجهاد تعني أن الأطفال سيشاهدون الطائرات المتربصة ويعرفون معنى المطاردة والخطر منذ سن مبكرة وقد يعيشون القصف حيًا.. ألعابهم حربية، وأحلامهم حربية ونقاشاتهم حربية بل حتى نكتهم وطرائفهم حربية.. يتعلم الأطفال معنى الشهادة والجنة والموت، يعرفون معنى اليتم وافتقاد الأب».

وقبل أن تدخل أم عمارة في إرشاداتها لتربية الأطفال، تصف سريعًا ملامح دور الوالدين في التنظيم. الأم هي «بهجة البيت، تقلبه سعادة بأبسط الموجود وتظهر أروع عطاءاتها في الأعياد وشعائر الإسلام، ذلك أنها تقود جبهة جهادية لوحدها، هدفها، تربية طفل مسلم مجاهد معتز بدينه وبأمته».

أما الأب «متواجد وغير متواجد، بل إن أغلب الأسر في الجهاد يحرمون من تواجد الآباء، وإن وجد فهو في شغل منشغل.. قد يخفى عليه الكثير من أحوال أبنائه وقد يتفاجأ بهم وقد كبروا وفقهوا».

وبعد حديث طويل عن حصرية حمل الأم لمسؤولية تربية الطفل، تبدأ الكاتبة رحلتها، بالأزمات التي تواجهها المربية مع رضيعها، بسبب الأوضاع الصعبة لحياة الجهاد من اختفاء التطعيمات واللقاحات مثلًا. تصف المأساة بقولها «أتحدث عن أمراض لا يفكر فيها أهل المدن ومرتادي المستشفيات التي توفر التطعيم في كل حين لأطفالهم، إنما أتحدث عن حياة أولئك الرحالة الذين لا يمكنهم توفير هذا النوع من التحصين لفلذات أكبادهم».

بعد أن تحيل أم عمارة هذه الأزمات إلى «رحمة الله» وحدها، تنتقل في نفس الفقرة للحديث عن إجراءات الوقاية البدائية. فتشير إلى أهمية استخدام العسل والحبة السوداء وزيت الزيتون، واستعمال الناموسيات عند النوم. هذا بالإضافة إلى التوعية من ميل الطفل الطبيعي للاكتشاف.

تقول أم عمارة «من أصعب فترات تربية الطفل هي فترة السنتين والثلاث سنوات.. غالبا ما تكون مرحلة استكشاف يريد من خلالها الطفل معرفة الكثير عما يدور حوله. وأخطر ما على الأم التنبه له هو الأسلحة والمسدسات وخاصة القنابل اليدوية أو السوائل الحارقة».

بعد هذه المرحلة، ينتقل الكتاب للمرحلة الابتدائية، من سن 4 إلى 9 سنوات، وما تتضمنه من مهمة أساسية وهي التعليم. ولأن المدارس تتوقف عن العمل في بلاد الجهاد، أو حتى لأن المجاهدين قبل هجرتهم للدولة الإسلامية  يفضلون عدم الزج بأطفالهم في المدارس التقليدية، تضع الكاتبة أمام الأمهات حلَّين: إما المدارس الجماعية في المنازل أو التعليم الفردي في المنزل أيضًا.

وهنا تطرح الكثير من الأفكار. ضرورة البدء بتحفيظ القرآن، تعليم الكتابة والقراءة والمفاهيم البسيطة للعقيدة، إدخال الفقه والسيرة النبوية في المناهج بحسب درجة استيعاب الطفل. ذلك مع ما يمكن إضافته من مناهج تعليمية يضعها الجهاديون بأنفسهم. كما تعرّضت لإمكانية استخدام بعض المناهج المقدَّمة في المدارس النظامية «بشرط أن تتم مراجعة المواد واستبدال العبارات التي تهدم لا تبني».

وقدمت مثالًا لعملية المراجعة «تصفحت كتابًا لتعليم اللغة العربية في منهاج السعودية، كان مدرجًا كسؤال للطلبة، ماذا يمكننا أن نقدم لأهلنا في فلسطين؟ فكان الجواب المقتصد: نقدم لهم الدعاء.. في مثل هذه الحالة نقوم بتصحيح الجواب ونجعله: نقدم لهم الإعداد والجهاد والإنفاق وفي أضعف الإيمان الدعاء».

في القسم الخاص بالمرحلة الإعدادية، الممتدة من سن العاشرة إلى سن البلوغ، أسدت الكاتبة بعض النصائح التعليمية والسلوكية. تبدأ من إدخال «لغة العدو- الانجليزية» في المناهج التعليمية. وضرورة الحديث عن اغتصاب اليهود لفلسطين وعدوان الأمريكان على المسلمين. كما تتطرق لأهمية تكليف الطفل/الذكر ببعض المهام، كإصلاح الأدوات أو ائتمانه على سر أو تحميله مسؤولية تُشعره بأهميته.

كما تفرِد أم عمارة مساحة للإشارة لنوعية الهدايا المناسبة لمتطلبات العمر، مثل الكتب التي تحكي عن بطولات المسلمين، أو الإصدارات الجهادية والوثائقيات العلمية وحتى العسكرية. ولتعليمه الإدارة المالية، توصِي  بمنحه مصروف صغير مع مراقبة سلوكه المالي. وأخيرًا تنادي بتعويد الذكور على حضور معسكرات التدريب المصغَّرة، لتلقي تدريبات رياضية وبدنية.

يزداد الفضول عن الأفكار الواردة في الكتاب عندما تعرض الكاتبة تحذيراتها للأبوين بخصوص التربية، لاسيما إذا اضطرا لإنزال العقاب بالطفل، فتنبه لضرورة اللجوء للحوار قبل العقاب، لأن كثيرًا ما يعاقب الطفل بدون أن يعرف سبب عقابه. كما تضع ضوابط للعقاب، فلا يكون لسوء فهم أو بلادة أو قلة استيعاب إنما يكون لقلة أدب أو لسلوك وجب تقويمه. كما تحفز الأبوين لإتباع الوسائل الترغيبية والتشجيعية لكسب اهتمام الطفل ورفع همّته.

نلاحظ من قراءة بعض إرشادات أم عمارة في هذا القسم؛ عدم اختلافها الشديد مع اتجاهات المدارس الحديثة في التربية، فتحذٍر الآباء مثلًا من الإهانة المستمرة والتحقير المتزايد للطفل لأن ذلك يفقده الثقة في نفسه ويولد الكره لأهله. كما تؤكد على مراعاة الحالة النفسية والمرضية للطفل وبحث أسباب التراجع الدراسي أو التغير في السلوك أو العنف، وتدعو لاعتماد اللعب والترفيه والعمل الجماعي كأساليب مهمة للتعليم.

وعند اتخاذ الأبوين قرار العقاب، تنصح أم عمارة بأن يكون الضرب آخر الوسائل الترهيبية لا أولها، فتقترح أن يبدأ تقويم السلوك بالموعظة والإفهام، ثم بالتهديد والجدية في التأنيب، ثم إن تعدى فالحبس في غرفة لبضع دقائق بحسب حجم الخطأ وأيضًا بحسب سرعة توبته واعترافه بالخطأ. كما تشدد على أن يكون الضرب معقول في إيلامه، بحيث لا يسبب أذية واضحة أو مرض.

وعلى الرغم من اهتمام أم عمارة بضرورة تنشئة الأطفال كمجاهدين، إلا أنها أفردت مساحة معتبرة للتحذير من مشاهدة الأطفال للإصدارات الجهادية التي تحتوي على مشاهد قاسية، وأكدت على ضرورة خضوع ذلك لإشراف الأم،  ضاربة المثل بطفل شوهد يحاول ذبح شقيقه الأصغر وهو يردد «مرتد.. مرتد»، مقلِّدًا لمشهد رآه في إصدار جهادي.

«الحفاظ على المتفجرات بعيدًا عن متناول الأطفال»، و«مراقبة مشاهد الذبح في الإصدارات الجهادية»، نصائح تتطرق إليها أم عمارة المهاجرة باعتياد شديد يتماشى مع الصورة النمطية لمقاتلي التنظيم ومواطني الدولة المزعومة. إلا أن الكثير من الأمور المدينية التي طرحتها في كتابها عن العقاب والثواب، وعن معالجة الآثار النفسية للأطفال والمراهقين، تُعيد فرضية بديهية إلى الأذهان، ربما حاول الكثيرون الهرب منها، وهي أن هؤلاء ليسوا ظواهر بشرية مفاجئة غريبة بالكلية عن المجتمع، يريدون إقناع أنفسهم بأنهم لم ينسلخوا تمامًا عن قيمه المرتبطة بالحياة، مهتمون بتصدير تلك الصورة «الإنسانية» عن أنفسهم إلى أتباعهم على الأقل.

اعلان