Define your generation here. Generation What
وعود مصر لأمريكا فيما يخص كوريا الشمالية
بين خطوات القاهرة لاحتواء الأزمة وما تعهدت بتنفيذه مستقبلًا
 
 
 

قال مصدر حكومي لـ «مدى مصر» إن القاهرة قامت، خلال الأسابيع الماضية، بخطوات عديدة سعيًا لاحتواء التوتر بينها وبين الولايات المتحدة، على خلفية العلاقات المصرية مع كوريا الشمالية.

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أبلغ نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، في سبتمبر الماضي، أنه لا يمكن أن يتهاون بشأن إقامة القاهرة لعلاقات موسَّعة مع بيونج يانج. وذلك خلال لقاء جمع الرئيسين على هامش اجتماعات الدورة 72 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، بحسب المصدر الحكومي، الذي رفض ذِكر اسمه.

كانت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية قد نشرت تحقيقًا، مطلع الشهر الجاري، يوضح أن السلطات المصرية أوقفت في أغسطس 2016 سفينة كورية قبيل دخولها قناة السويس، بعدما رصدتها واشنطن وأبلغت السلطات المصرية التي وجدت على متنها بحسب التحقيق، 24 ألف قذيفة صاروخية، ومكونات متكاملة لستة آلاف آخرين. تعد تلك الصواريخ نسخة من سلاح RPG-7 الذي أنتجه الاتحاد السوفيتي في الستينات من القرن الماضي.

ونَقَل التحقيق عن تحقيق آخر أجرته اﻷمم المتحدة بشأن الواقعة -قال إن نتائجه ظهرت في فبراير 2017- إن الشحنة التي تم مصادرتها من على متن السفينة تعد اﻷكبر منذ بدء فرض عقوبات دولية على كوريا الشمالية، والتي قدر التحقيق قيمتها بـ 23 مليون دولار.

وبالرغم من العقوبات المفروضة علي بيونج يانج منذ 2006؛ بسبب برنامجها النووي، إلا أنها تمتلك قاعدة واسعة من مشتري قطع غيار الأسلحة الروسية المتداولة منذ الحرب الباردة.

وبحسب تقرير الواشنطن بوست، كانت الشحنة المحمولة على السفينة سببًا في القرار اﻷمريكي بإيقاف وتأجيل صرف قرابة 300 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها واشنطن للقاهرة.

وفي ما تداولت تقارير إعلامية أُخرى معلومات تُفيد بأن شحنة الصواريخ كانت في الأساس متجهة من الدول المصنَّعة للسلاح إلى ليبيا عبر القاهرة، وذلك تحت عناوين مثل «مكافحة الإرهاب» في كل من البلدين، إلا أن هذا الأمر لم يؤكد بشكل رسمي.

كان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، قد أكد لوكالة اﻷخبار الفرنسية، في اليوم التالي لنشر تحقيق واشنطن بوست، صحة حدوث واقعة اعتراض السفينة ووجود شحنة صورايخ على متنها، تمت مصادرتها وتدميرها، فيما نفى بشكل مطلق صحة أن تكون مصر هي الوجهة النهائية لتلك الشحنة.

من جانبه قال مايكل حنا، الزميل في المركز البحثي The Century Foundation، لـ «مدى مصر»: «سواء كانت مصر ممرًا للأسلحة أو مقصدها الأخير، فقد تسبب الأمر في مشكلة بين البلدين (مصر وأمريكا)».

جرت عدة خطوات لاحتواء الأزمة، وذلك قبل توجه الرئيس المصري إلى نيويورك، في سبتمبر الماضي، بحسب المصدر الحكومي.

أبرز تلك الخطوات كان تصريح مُقتَضَب لوزير الدفاع صدقي صبحي، أثناء تواجده بالعاصمة الكورية الجنوبية سِيول، أكد فيه على قطع مصر لعلاقاتها العسكرية مع بيونج يانج.

وأضاف المصدر أن مصر قامت، قبل أيام من ذهاب السيسي للأمم المتحدة، بتقليص عدد أعضاء سفارة كوريا الشمالية بالقاهرة، بعد شكوى أمريكية، نُقلت عبر لقاء رفيع المستوى بين شخصية مصرية أمنية ومسؤولين أمريكيين في واشنطن، حول زيادة عدد أعضاء سفارة كوريا الشمالية بالقاهرة خلال العامين الماضيين، بحسب المصدر الحكومي.

فيما أكد دبلوماسي آسيوي في القاهرة على تخفيض أعضاء سفارة كوريا الشمالية، خلال الأسابيع الماضية، إلى 20 عضوًا، بعدما وصل عددهم في وقت سابق إلى 30 عضوًا.

كما أوضح المصدر الدبلوماسي أن بعض أعضاء سفارة بيونج يانج في القاهرة يحمل الصفة الدبلوماسية، في حين لم يعتمد البعض الآخر رسميًا من جانب مصر، وذلك رغبة في تفادي حدوث أزمة مع واشنطن، حسبما أكدت له مصادر أمريكية.

وأشار المصدر الآسيوي إلى تفهم بيونج يانج للحذر المصري من عدم اعتماد بعض أعضاء بعثتها بالقاهرة كذلك.

فضلًا عن وقف العلاقات العسكرية مع بيونج يانج وتخفيض التمثيل الدبلوماسي للأخيرة في عاصمتها، قامت مصر بخطوات أخرى، فبدأت مؤخرًا في إيقاف أنشطة عدد من الأعمال التجارية الخاصة ببعض الكوريين الشماليين في البلاد، حسبما أكد المصدر الحكومي لـ «مدى مصر».

وقدم الجانب الأمريكي للقاهرة قائمة بشركات تعمل بالأساس في مجال الاستيراد والتصدير بالقاهرة، والإسكندرية، ومدن قناة السويس. وبحسب القائمة، كانت تلك الشركات واجهات لكوريا الشمالية تساعد الأخيرة في «عمليات نقل غير معلنة للأسلحة»، وتقوم بعمليات «غسيل أموال»، وفقًا للمصدر نفسه.

وفيما قال المصدر إن القاهرة أبلغت الولايات المتحدة رسميًا «في إطار كامل من الشفافية أنها قامت بالفعل بتدمير الأسلحة التي كانت على متن هذه السفينة»، فضلًا عن قيامها بإلغاء ترخيص الشركة المتوّرطة في عملية استيراد الشحنة. إلا أن المصدر رفض الكشف عن هوية الشركة، فيما لم يؤكد أو ينف صحة المعلومات الخاصة بأن الشركة تمّ تأسيسها من جانب أحد الأعضاء السابقين بالحزب الوطني المنحل، وما إذا كان تأسيسها بمعرفة أجهزة هامة بالدولة بُغية القيام بمهام محددة أم لا.

في حين أشار المصدر الآسيوي إلى أن الإدارة الأمريكية طلبت من الجزائر، أيضًا، التوقف عن التعامل العسكري مع كوريا الشمالية.

وأكد المصدر، نقلًا عن دبلوماسيين جزائريين، على أن بلادهم استجابت للطلب الأمريكي، خاصة بعدما كشفت واشنطن عن تتبعها لخط سير شحنات أسلحة وصلت إلى الجزائر العاصمة قادمة من بيونج يانج، وذلك عن طريق شركات مؤسسة في القاهرة.

المصدر الحكومي المصري قال أيضًا إن القاهرة قدمت لواشنطن تعهدًا بأن جهاز «مكافحة غسيل الأموال»، التابع للبنك المركزي، سيقوم بكل الجهود الممكنة بالتنسيق مع الجانب الأمريكي للتأكد من عدم استغلال أي أشخاص من كوريا الشمالية، أو أطراف أخرى تتعاون معهم، للنظام المصرفي المصري للقيام بعمليات «غسيل أموال».

في سياق متصل، قال عسكري مصري متقاعد لـ «مدى مصر» إن أمريكا لا يمكنها أن توجه لومًا لمصر للجوء الأخيرة إلى كوريا الشمالية للحصول على «بعض قطع غيار الأسلحة»، والتي تمثل جزءًا رئيسيًا من ترسانة الأسلحة المصرية، وذلك لأن روسيا لا تقوم ببيع القطع المطلوبة لمصر، بينما فشلت المحاولات المصرية لشرائها من الصين بأسعار مناسبة، حسبما أوضح المصدر، الذي كان يعمل في ملف التَّسلُّح بالجيش المصري.

كان تحقيق واشنطن بوست قد أشار إلى أن عددًا من الدول تتعامل مع كوريا الشمالية باعتبارها أحد المنتجين القلائل الذين يوفرون قطع غيار وذخيرة منخفضة التكلفة لنظم اﻷسلحة القديمة التي اختفت من الأسواق التجارية، وأضاف أن مصر تمتلك حاليًا عشرات من أنظمة اﻷسلحلة السوفيتية القديمة، منها على اﻷقل ستة أنواع مختلفة من مضادات الدبابات، التي تتضمن سلاح RPG-7 المصنع منذ الستينيات، والذي يستخدم قذائف RPG-7 المعثور عليها في الشحنة الكورية الشمالية، وقدر التحقيق عدد قاذفات RPG-7 العاملة في السلاح المصري بـ 180 ألف قاذفة.

كانت وكالة أخبار جنوب كوريا قد نقلت في وقت سابق عن مسؤولين من مخابرات كوريا الشمالية أن مصر تمثل مركزًا لتصدير اﻷسلحة الكورية الشمالية لدول الشرق اﻷوسط

وبحسب تحقيق واشنطن بوست، أكد محققو اﻷمم المتحدة أن الصواريخ المضبوطة في الشحنة الكورية هي صواريخ غير مميتة، يتم استخدامها عادة في التدريبات العسكرية، فيما اعتبروا أن الكمية الكبيرة تشير إلى أن المشتري لديه جيش ضخم به آلاف من الجنود. فيما أضاف التحقيق أن الجيش المصري به 438 ألف جندي في الخدمة بالإضافة إلى 479 ألف جندي احتياطي.

أما العسكري المتقاعد فأضاف أن أمريكا لا تقدم لمصر مطالبها الخاصة بالتسليح منذ فترة إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وذلك بحجة أن مطالب القاهرة تقع في سياق التَّسلُّح للحروب التقليدية، في حين تعتبر أمريكا أن مصر لا تحتاج إلا «أسلحة لمحاربة الإرهاب في شبه جزيرة سيناء أو على مناطق الحدود الغربية»، حسب المصدر العسكري المتقاعد.

وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتبنى النهج نفسه فيما يخص طبيعة التَّسلُّح المصري، وقال المصدر لـ «مدى مصر»: «ليس من الطبيعي أن تقبل مصر بكل التعقيدات التي تواجهها في المنطقة أن تقرر لها واشنطن طبيعة تسليح جيشها الذي هو واحد من أهم الجيوش العربية».

فيما اعتبر الخبير الأمريكي في الشؤون العسكرية المصرية روبرت سبرينجبورج أن ضخامة شحنة السفينة، المضبوطة في قناة السويس في يوليو من العام الماضي، قد تكون معبرة عن حاجة حقيقية لتدريب مكثف، أو فساد رجال الأعمال المتورطين في الصفقة. كما يفترض أنها كانت ستُباع لطرفٍ ثالث مثل قوات خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي تدعمه مصر.

وأضاف سبرينجبورج لـ «مدى مصر» أنه في حالة صحة فرضية أن الأسلحة كانت متجهة إلى الجيش المصري، فهذا قد يفيد بأن القيادات العسكرية في مصر تنوي الاستمرار في سياستها في الحرب بشمال سيناء التي تعتمد على استخدام كثيف للسلاح في مواجهة المُسلَّحين.

وأوضح الخبير الأمريكي في الشؤون العسكرية المصرية أن ذلك يعني عدم نيّة السلطات المصرية الخضوع إلى المقترح الأمريكي لمكافحة العمليات المسلحة من خلال التعامل مع أسبابها.

وفيما اعتبر سبرينجبورج، أن تأثير اكتشاف تلك الصفقة كان بالقوة الكافية ليتسبب في إيقاف المعونة العسكرية، مما يوحي بأن واشنطن كانت أكثر اهتمامًا بعلاقة مصر مع كوريا الشمالية منها بوضع حقوق الإنسان في الدولة العربية، إلا أنه يفترض أيضًا من الشواهد القائمة أن حالة التوتر بدأت في الانحسار.

من جانبه، قال نايل شامة، الباحث في شئون الدبلوماسية المصرية، لـ «مدى مصر»، إن «العلاقات الثنائية أعقد بكثير من حفاوة قاطن البيت الأبيض (بعبد الفتاح السيسي)، والسلوك المصري يتعرض لعملية تقييم مستمرة.. لا شيكات على بياض في العلاقات الدولية».

وفي سياق متصل، قال مايكل حنا إن ما أزعج الإدارة الأمريكية هو إحساسها بأن مصر لم تأخذ الموضوع بقدر كافٍ من الجدية في البداية، خاصة في ظل السياسة الأمريكية الراهنة تجاه كوريا الشمالية، وأضاف: « هناك إحساس بأن مصر تشعر بقدر كبير من الحصانة».

من جانبه، قال المصدر الحكومي المصري لـ «مدى مصر» إن السفارة المصرية في واشنطن طلبت من الإدارة الأمريكية أن يتمّ التعامل مع أي قضايا خلافية بين البلدين بعيدًا عن أي «تسريبات إعلامية»؛ خاصة أن مصر تتحرك بجدية للاستجابة للمخاوف الأمريكية في هذا الشأن بتعليمات من الرئيس السيسي مباشرة، بحسب المصدر.

فيما أكد على إجراء وزير الخارجية سامح شكري مشاورات مع كل المؤسسات المعنية يوم نشر تحقيق «الواشنطن بوست».

في الوقت نفسه، قال مصدر آخر من الحكومة المصرية، إن ملف «كوريا الشمالية» سيظل مخيمًا علي العلاقات المصرية الأمريكية، وذلك نظرًا لاهتمام الرئيس الأمريكي بالملف بصورة كبيرة جدًا.

وأضاف أن مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي ماك مستر هو الذي يتابع الملف من كل جوانبه بما في ذلك مدى التزام البلدان التي طالبتها واشنطن بتقليص علاقاتها مع بيونج يانج، ومنها مصر، بصورة «حاسمة»، بحسب المصدر الأخير.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان