صحوة الموت.. الفصل الأخير في رواية يوليو 1952

ينشر «مدى مصر»، بالاتفاق مع الكاتب، مقدمة كتاب «صحوة الموت.. الفصل الأخير في رواية يوليو 1952»، لعبد العظيم حماد، والصادر مؤخرًا عن «دار الشروق»، ويضم مقالات سبق نشرها على موقع «مدى مصر»، على مدار عام ونصف.

من المُسلَّمات في علم السياسة أن نظام الحكم في مجتمع ما يماثل الهيكل العظمي بالنسبة للجسد الحي.

وبما أن الجسد الحي الطبيعي ينمو باطراد، فإن هيكله العظمي يجب أن يزداد طولًا وعرضًا، ليتسع لهذا النمو، وإلا فإن الجسد يترهل، وتتباطأ مشيته، ثم يفقد تمامًا القدرة على الحركة، وهو ما يتطلب التدخل الطبي لتقوية العظام، وضبط نمو الجسم مع نموها.

لهذا تتغير الدساتير، أو تُعدّل من حقبة إلى أخرى في بلدان العالم التي تسير في طريق التطور، لاستيعاب القوى والمتغيرات والمصالح المستجدة، وهذا ما يسمى بـ«الإصلاح»، غير أن الأهم من تغيير أو تعديل الدساتير هو اقتناع الفاعلين السياسيين في المجتمع المدني بضرورة هذه التعديلات أو تلك التغييرات، وجدواها، بما يكفي لتوافر إرادة الالتزام بها، بوصفها البديل لانفجار العنف، أو الثورة، وإلا الصراع غير المنضبط، أو الثورة، وإلا تحول النظام والمجتمع معًا إلى دولة فاشلة، أو على طريق الفشل.

ومن مسلمات علم السياسة أيضًا أن لكل مجتمع سياسي في حقبة معينة من التاريخ مشكلة كبرى تتفرع منها المشكلات الأخرى، ففي العصر الإغريقي مثلًا كانت المشكلة الأكبر هي مشكلة الوحدة المبتغاة بين الكيانات المتناثرة المسماة بـ«دول مدنية»، حتى جاء المقدونيون، ولم يكونوا إغريقيين أصلًا، وفرضوا الوحدة بالاستعمار.

وفي أوروبا الغربية كانت المشكلة الكبرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هي مشكلة الصراع الطبقي، التي أفرزتها الثورة الصناعية، وتمكن النظام الرأسمالي.

وفي أواخر ذلك القرن، وحتى قرب منتصف القرن العشرين، كانت المشكلة الأولى في أوروبا هي مجابهة النزعة العسكرية الألمانية، أما بعد الحرب العالمية الثانية فأصبحت مشكلة أوروبا هي حماية الديمقراطية من الانقلابات الشيوعية في الداخل، ومن التفوق العسكري السوفييتي «الشيوعي» في الخارج.

أما مصر – التي لم تكن ولن تكون استثناء من قوانين التاريخ – فقد تباينت مشكلاتها السياسية الكبرى من حقبة إلى أخرى منذ تأسست دولتها الحديثة على يد محمد علي باشا، في أعقاب جلاء الحملة الفرنسية.

في عصر محمد علي كانت المشكلة الكبرى هي بناء الدولة المركزية القوية القادرة على حماية نفسها من الأطماع الأوروبية، ومن الخضوع المباشر مرة أخرى للدولة العثمانية، وقد تطلب ذلك جملة من السياسات أهمه تصفية المماليك، وإخضاع البدو، والتنمية الاقتصادية، وإدخال التعليم الحديث.

ومنذ أواخر عهد الخديوي إسماعيل أصبحت المشكلة الكبرى هي وقف التدخل «الأوروباوي» في شؤون مصر، جنبًا إلى جنب مع مطلب الحكم الدستوري النيابي.

وبعد الاحتلال البريطاني كان من الطبيعي أن تكون المشكلة السياسية الكبرى في مصر هي الجلاء أو الاستقلال، وذلك جنبًا إلى جنب مع المطلب الدستوري النيابي، الذي يُطلق عليه الآن «الاستحقاق الديمقراطي» غير أن سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية أضافت مطلب العدالة الاجتماعية، لتصبح مشكلة مصر الكبرى مثلثة الأضلاع.

أدى فشل النظام الدستوري الليبرالي في مواجهة هذا الثالوث إلى استيلاء ضباط الجيش على السلطة في يوليو عام 1952، وتحققت في البداية إنجازات كبرى على طريق التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، ولكن «الديمقراطية» أصيبت في مقتل لم تستفق منه حتى يوم المصريين هذا.

وبالطبع فكلنا نعلم – والعهد لا يزال قريبًا – أن نظام ضباط يوليو أنهى شرعيته بيده بهزيمته أمام إسرائيل في يونيو 1967، فهكذا اعترف مؤسس النظام جمال عبد الناصر، حين تعهد بإعادة الأمر للشعب مرة أخرى بعد إزالة آثار العدوان، وذلك في خطاب عدوله عن التنحي، وقبول الاستمرار في منصبه استجابة للمظاهرات الشعبية.

ومن المؤكد أن الانتصار في حرب أكتوبر 1973 أعاد قسطًا كبيرًا من الشرعية المفقودة إلى نظام يوليو 1952 تحت رئاسة أنور السادات، ولكن سرعان ما ثبت أن بنية النظام نفسها لم تعد صالحة للاستمرار، وهكذا أنهى السادات عصر التنظيم السياسي الواحد، وبدأ عهدًا تعدديًا تجريبيًا.

وبغض النظر عن مدى إخلاص السادات لمبدأ التعددية من عدمه، فإن ذلك كان اعترافًا بأن العمر الافتراضي لنظام الضباط، قد انتهى، علمًا بأن التجربة سرعان ما أثبتت أن السادات كان يريد التعددية مظهرًا لا جوهرًا، كما سيرى القارئ في فصول الكتاب، وهذا أيضًا ما حرص عليه حسني مبارك خليفة أنور السادات، وهذا ما يبدو أيضًا أنه الإطار المرجعي للعهد الرابع من نظام يوليو 1952.

***

بسبب هذا الجمود، اندلعت ثورة يناير 2011، لتثبت أن الهيكل العظمي الذي يشكله هذا النظام للجسد السياسي المصري، بات أضعف كثيرًا من أن يطلق لهذا الجسد حرية الحركة، والنمو، بل إن هذا الجسد تمرد مرة أخرى – وبسرعة فائقة – على القفص الحديدي الجديد الذي حاولت جماعة الإخوان المسلمين حشره فيه، مع بقاء هيكله العظمي ضعيفًا وعاجزًا في كل مكوناته، لكن هنا وقع الالتباس الكبير، فقد أدى اندلاع الصراع بين غالبية المجتمع بقادة الدولة العميقة وبين جماعة الإخوان المسلمين وحواشيها، إلى أن يتصدر هذا الصراع المشهد السياسي كله، ومن ثّمَّ توارت (مؤقتًا) المشكلة الأصلية، التي هي بناء نظام سياسي ديمقراطي تنافسي يحكمه القانون، ولا يقوم على تراتبية فئوية تمليها معايير القوة السياسية غير المستمدة من دستور ولا قانون، نظام تسوده قيم المواطنة، وعدم التمييز لأي سبب كان، ويخضع للمساءلة.

ولأن الكاتب ممن يعتبرون أن جماعة الإخوان، وسائر فصائل الإسلام السياسي، هي قوة من الماضي، وأنه مهما يطل الزمن فهي إلى تحول ونضج أو إلى زوال، فإن قضية بناء نظام جديد بديل لنظام يوليو هي الأوْلى دائمًا بالاهتمام، أو على الأقل يجب ألا يدفعها الصراع مع الإسلام السياسي إلى مرتبة متأخرة، وما هذا الكتاب إلا مساهمة متواضعة في هذا السياق.

الكتاب في الأصل سلسلة مقالات مستطردة نُشرت في موقع «مدى مصر» على امتداد عام ونصف العام، حتى شهر نوفمبر عام 2016، وترد هنا عبر أبواب ثلاثة، هي على التوالي «الأساطير المؤسسة»، و«الجيش والمجتمع»، و«البحث عن خلاص».

يتعين في ختام هذه المقدمة أن أتقدم بالشكر للقائمين على موقع «مدى مصر»، أولئك الشباب الواعدين الملتزمين بصحافة مهنية ومستقلة وتقدمية، وإلى القراء والأصدقاء الذين استقبلوا هذه المقالات «متفرقة»، على نحو أشعرني بالتشجيع دومًا، كما يتعين عليّ أن أشكر «دار الشروق»، التي أسعدني ترحيبها بنشر هذا الكتاب.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد