«براءة خلف القضبان».. أطفال مصر تحت سيف الأحكام الجنائية والعسكرية
 
 

في انتظار معجزة، يعيش الطفل آسر كابوسًا خلف القضبان بين سجناء جنائيين ومدانين خطرين منذ القبض عليه فجر 12 يناير 2016.

قبل ذلك اليوم الشتوي قارس البرودة، كانت حياة آسر محمد زهر الدين موزعة بين الدراسة والرسم وكرة اليد في نادٍ رياضي شهير؛ ضمن فريقه تحت سن 17 سنة. انتهى كل ذلك منذ اقتحم الأمن منزل ذويه في حي فيصل بمحافظة الجيزة قبل 647  يومًا، حين كان في الخامسة عشر من عمره.

لم تعرف عائلة آسر مصيره إلا بعد 33 يومًا على «اختفائه»، حيث أدرج اسمه على قائمة الإرهابيين في مصر، وفقًا لما ذكره الطفل لاحقًا في تحقيقات النيابة. وتتواصل محاكمة الطفل المولود في  2 فبراير 2001 أمام دائرة الإرهاب بمحكمة الجنايات، متنقلًا بينها وبين سجن الجيزة المركزي، الواقع داخل معسكر لقوات الأمن المركزي في صحراء مدينة السادس من أكتوبر، شمال غرب القاهرة، بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية، في مخالفة لقانون الطفل، وفق محاميه مختار منير المحامي في مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

حياة آسر في الاحتجاز والمحاكمة تتشابه وحال نحو  3200 طفل، تحت سن 18 عامًا، سجنتهم السلطات المصرية منذ عزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، عقب منعطف 30 يونيو 2013. جميعهم احتجزوا مع بالغين وبعضهم تعرّض للتعذيب وسوء المعاملة، وفق ما أورده تقرير صدر عن مؤسسة «التنسيقية المصرية للحقوق والحريات» في أغسطس2015.

مادة (119) من قانون الطفل المصري: لا يحبس احتياطيًا الطفل الذي لم يتجاوز خمس عشرة سنة، ويجوز للنيابة العامة إيداعه إحدى دور الملاحظة مدّة لا تزيد عن أسبوع وتقديمه عند كل طلب إذا كانت ظروف الدعوى تستدعي التحفظ عليه، على ألا تزيد مدة الإيداع عن أسبوع ما لم تأمر المحكمة بمدها وفقًا لقواعد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية.

يدفع هؤلاء القصّر ثمن ثغرة في قانون الطفل المصري تسمح للنيابة بإحالة أحداث لمحاكم الجنايات إذا اشترك في الجريمة شخص واحد على الأقل عمره يتجاوز الثامنة عشر عامًا. هذا الإجراء يتناقض تمامًا مع (المادة 119) من القانون ذاته التي تحظر حبس الطفل (دون سن الخامسة عشرة) احتياطيًا، وكذلك مع (المادة 80) من الدستور المصري، الذي يلزم الحكومة بإنشاء نظام قضائي خاص بالأطفال، على أن يحتجزوا في أماكن مناسبة ومنفصلة عن مراكز البالغين. ويتناقض كذلك مع (المادة 37) من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التي صادقت عليها مصر عام 1990، والتي تشترط«ألا يُحرم أي طفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية. ويجب أن يتم اعتقال الطفل أو احتجازه أو سجنه وفقًا للقانون، ولا يجوز ممارسته إلا كملجأ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة».

يقول قاضٍ في محكمة جنايات لـ «مدى مصر»: «تضع هذه الثغرة محاكمة الطفل أمام محاكم الجنايات، أو إحالته إلى محكمة أحداث، (بناء على) تقدير القاضي». ويوضح القاضي الذي يرفض الإفصاح عن هويته لحساسية منصبه: «القانون يسمح للقاضي بمحاكمة الطفل أمام محكمة جنايات طالما هناك بالغون في القضية ذاتها».

لكن القانون -بحسب القاضي- «يعطي المحكمة حق دراسة ظروف الطفل من جميع الأوجه قبل أن تصدر حكمها. ولها أن تستعين في ذلك بمن تراه من الخبراء. كما لها أن ترفض الحكم على الطفل لعدم اختصاصها، وإحالته إلى محكمة أحداث. ولها أيضًا إطلاق سراحه وتسليمه لذويه».

يعزّز رأي القاضي صدور أحكام براءة لأطفال من محاكم جنايات، من بينها حكم الدائرة 15 جنايات إرهاب، برئاسة المستشار شعبان الشامي، بتسليم الطفل عمار علاء حسن لأسرته. وكان عمّار سُجن في يناير 2016  وظلّ قيد الحبس الاحتياطي حتى نال البراءة في 4 يونيو 2017 عن اتهامه بالتظاهر والانضمام لجماعة إرهابية وحيازة مفرقعات.

على مدى أربعة أشهر، تتبع «مدى مصر» 35 قضية لأطفال مثلوا أمام محاكم جنايات ومحاكم عسكرية، كما التقى بأكثر من 10 أطفال قصّر أنهوا عقوبات جنائية تراوحت بين سنة وثلاث سنوات داخل سجون مخصصة للبالغين، بالمخالفة للمادة 141 من قانون الطفل الذي يلزم بسجنهم في مكان الحجز المخصص فقط للقصّر في مصر، وهي المؤسسة العقابية بالمرج.

أعمار الأطفال تراوحت بين 14 و17 عامًا، فيما تراوحت الأحكام بحقهم بين ثلاث وعشر سنوات. معظمهم قضوا مددًا في الحبس الاحتياطي بين 900 و1500 يوم قبل صدور الأحكام عليهم. وتلقى ثلاثة من خمسة أطفال أحكامًا بالبراءة أمام محاكم عسكرية. وفي نهاية أغسطس الماضي أنهى طفل آخر عقوبة نفذها كاملة بالسجن ثلاث سنوات.

ورصد «مدى مصر» صدور ثلاثة أحكام بالإعدام على ثلاثة أطفال في محافظة المنيا، قبل أن تُلغى هذه الأحكام وتعاد محاكمتهم.من بينهم كان آسر زهر الدين، الذي عُرض على النيابة العامة للمرة الأولى – دون محام- يوم 13 فبراير 2016، وفق محاميه. وهو يقضي أيامه بين غرف التحقيق بنيابة أمن الدولة العليا ومقر احتجازه داخل سجن الجيزة المركزي.

ولم تستجب النيابة لطلب محامي آسر بعرضه على الطب الشرعي سعيًا لإثبات تعرضه للتعذيب ونقله إلى المؤسسة العقابية، وفق ما يقره قانون الطفل.

 أسرة آسر لم تستوعب ما حدث لابنها، وظلت تأمل في إخلاء سبيله. غير أنها فوجئت بإحالته في أكتوبر 2016، إلى محكمة جنايات الجيزة- دائرة الإرهاب برئاسة المستشار ناجي شحاتة، الذي أصدر  204 أحكام بالإعدام و 274 حكمًا بالمؤبد منذ توليه رئاسة دائرة الإرهاب في ديسمبر 2013، قبل أن تلغي محكمة النقض بعض هذه الأحكام وتقرر إعادة محاكمة المتهمين مرة أخرى.

يحاكم آسر وسائر المتهمين في القضية رقم 45 لسنة 2016 حصر أمن الدولة العليا، والمعروفة إعلامياً بــ«الهجوم على فندق الأهرامات الثلاثة بشارع الهرم»، محاكمة تكاد تكون سرية، بما يخالف المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية التي تقر بوجوب علانية جلسات المحاكمة.

فجلسات المحاكمة تعقد داخل أكاديمية الشرطة، بصحراء منطقة التجمع شرق القاهرة. حيث تحولت قاعات تدريس الطلاّب إلى مقرات محاكمة. هنا، يحجز المتهمون داخل قفص زجاجي عازل للصوت، ولا يسمح القاضي شحاتة سوى للمحامين بحضور الجلسات، في غياب الأهل والصحفيين.

ولم تراع المحكمة الاستثناء في (المادة 122) من قانون الطفل، التي تنص على جواز محاكمة الطفل أمام الجنايات أو محكمة أمن الدولة إذا كان عمره فوق 15 سنة وقت ارتكاب الجريمة. وذلك لا ينطبق على آسر، الذي أكمل عامه الخامس عشر وهو قيد الاحتجاز.

لم تتوقف الانتهاكات بحق آسر؛ إذ يؤكد محاميه أن اسمه أدرج ضمن «قائمة الكيانات الإرهابية والإرهابيين» بينما كان يستعد لامتحانات نهاية العام في الصف الثاني الثانوي، دون إخطار المحامي الذي كان يعد مذكرة الدفاع قبل جلسات المرافعة أمام المحكمة في يوليو 2017. نُشر الحكم الذي اطلعنا على نسخة منه في الجريدة الرسمية، بتاريخ 29 مايو 2017، بعد أشهر على صدوره في أكتوبر 2016. هذا الإجراء «استكمل الممارسات غير القانونية ضد الأطفال»، بحسب المحامي مختار منير.

إدراج الأشخاص ضمن قوائم الكيانات الإرهابية، بحسب قانون «تنظيم الكيانات الإرهابية والإرهابيين»، الذي أصدره الرئيس عبدالفتاح السيسي في فبراير 2015، يترتب عليه «منع من السفر وترقب الوصول، وسحب جواز السفر، أو إلغاؤه أو منع إصدار جواز سفر جديد، وفقدان شرط حسن السمعة والسيرة اللازم لتولي الوظائف والمناصب العامة أو النيابية».

 

 اتهامات بالإرهاب بالجملة

 منذ يوليو 2013، اعتُقل وسُجن  نحو 60 ألف مصري،  بحسب تقرير «هناك متسع للجميع» الصادر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فيما لم تؤكد السلطات المصرية هذا الرقم أو تنفيه.

لم ينجُ الأطفال من حدّة الاستقطاب السياسي منذ 2011، حسبما يقول محمد أحمد، مدير الوحدة القانونية في الائتلاف المصري لحقوق الطفل. عقب عزل مرسي في 2013، اتسعت دائرة القبض العشوائي على أطفال، بمجرد مصادفة سيرهم في أماكن تمر بها مظاهرات: «لم تفرق وزارة الداخلية بين المتظاهر وغير المتظاهر، ولذلك قُبض على العديد بينما كانوا في طريقهم إلى أماكن تلقيهم الدروس أو عائدين لمنازلهم».

ويرى محمد أحمد أن الوضع السياسي والإعلامي أثرّ على المحاكم التي «تُعرض عليها أوراق تحريات المباحث وتحقيقات النيابة، ولم تكن مستعدة لتعطي الطفل نظرة خاصة، أو تبحث في حالته، إذ قد يكون مجنيًا عليه، أو مستغلًا سياسياً».

***

داخل مبنى محكمة جنايات الإسكندرية التاريخي، المطل على كورنيش البحر، أجّلت المحكمة، يوم السبت 15 يوليو 2017، محاكمة أربعة قصّر بسبب غياب القاضي في محكمة جنايات منتزه أول إلى شهر نوفمبر 2017. هذا التأجيل خيّب رجاء أهالي المتهمين في القضية رقم 26116 بعد أن كانوا يأملون في نهاية «عذاب ثلاث سنوات» خلف أبنائهم المسجونين احتياطيًا منذ أكثر من 1200 يوم. بدأت أحداث تلك القضية في 3 يناير 2014.

بعد يومين على بلوغه سن الثامنة عشرة، قُبض على «م.أ» عصر الجمعة، 3 يناير 2014، بينما كانت قوات الأمن تفض مسيرة لأنصار جماعة الإخوان المسلمين، في حي المنتزه بمدينة الإسكندرية. كان «م.أ» عائدًا من مباراة كرة قدم، بحسب رواية والده ومحاميه. في ذلك اليوم، تصادف أيضا مرور ثلاثة أطفال آخرين في المكان ذاته، فقبض عليهم: «ه.ن» و«ع.ي»، مولودان في 1 يناير 1996، بينما «م.ع» مولود عام 1998. لاحقاً خرج «م.ع» ضمن عفو رئاسي في 23 يونيو الماضي.

واجه الأربعة رفقة تسعة آخرين لائحة اتهام طويلة منها «تكدير السلم والأمن العام، والانضمام إلى جماعة إرهابية محظورة، وقطع الطريق، والتظاهر دون تصريح، وممارسة أعمال عنف، وترويع المواطنين، وتخريب الممتلكات العامة»، بحسب محضر قسم شرطة المنتزه، وتحقيقات نيابة المنتزه أول التي اطلع عليهما «مدى مصر». مع تكرار تجديدات الحبس الاحتياطي، تنقّل الأطفال بين دار رعاية الأحداث بسجن كوم الدكة بالإسكندرية، والمؤسسة العقابية في المرج، شرق القاهرة.

بعد خمسة أشهر على احتجازهم في سجن كوم الدكة، قرّرت إدارة السجن ترحيلهم يوم 4 يونيو 2015، رفقة 44 قاصرا آخر، إلى المؤسسة العقابية في المرج بحسب أهالي الأطفال.

 اعترض الأطفال على قرار ترحيلهم، كون «المؤسسة العقابية» سيئة السمعة،إضافة إلى أن محاكمتهم تجري في الإسكندرية، ولا فائدة من ترحيلهم من القاهرة إلى الإسكندرية في كل جلسة محاكمة، وفق أهالي ثلاثة قصّر مسجونين، التقاهم «مدى مصر» في الإسكندرية.

***

في سبتمبر 2017 أكمل «أ.خ» عامه الـ21، وأنهى أقرانه في الفئة العمرية ذاتها دراستهم الجامعية. قُبض على «أ.خ»، قبل أن يكمل عامه الـ 17،برفقة خاله، أثناء زيارة أحد أصدقاء العائلة، بحسب ما روته والدته، المحامية في الإسكندرية، لـ«مدى مصر». وقتها كان طالبًا في الصف الثاني الثانوي، لكنه استطاع أن ينهي دراسته الثانوية بمعدل 73 %، رغم ظروف الاحتجاز والتنقل بين سجن كوم الدكة، والمؤسسة العقابية في القاهرة، وسجن برج العرب بالإسكندرية، وسجن طرة شديد الحراسة، حيث مقر احتجازه حاليًا.

قسّم «أ.خ»، مواد الدراسة على عامين. في عام 2015 أنهى الصف الثاني الثانوي، ثم قسم مواد السنة النهائية الخمس في الثانوية العامة بين ثلاث في العام الماضي، واثنتين هذا العام. ونجح فيها جميعها.

كان «أ.خ»، يأمل في دراسة الهندسة،  لكن حلمه تبخّر داخل السجن، بعد أن فشلت والدته في إيجاد جامعة خاصة تتيح له أداء الامتحانات داخل مقر احتجازه. وفي المحصلة، التحق بكلية التجارة بالأكاديمية الحديثة «مودرن أكاديمي».

كان«أ.خ»، المولود في 30 سبتمبر 1997، من بين المعترضين على الترحيل من سجن كوم الدكّة.

واجه «أ.خ»، اتهامًا بالانضمام إلى جماعة محظورة، وحوكم في القضية رقم 101 لسنة 2014 إداري ثان العامرية. وبعد 11 شهرًا على احتجازه، أخلي سبيله، لكنه وجد نفسه متهمًا في قضّية ثانية: إثارة الشغب والتعدّي على أفراد الشرطة أثناء تأدية وظيفتهم (رقم 2580 لسنة 2014-جنايات العطارين).

بعد اعتراض الطفلين على قرار الترحيل من كوم الدكة، اتُهم 20 منهم، بينهم «أ.خ»، و«ه.ن»، و«ع.ي»، و«م.ع»، و«م.أ»، بإثارة الشغب والتعدي على أفراد الشرطة أثناء تأدية وظيفتهم، وأحيلت القضية إلى محكمة جنايات الإسكندرية، وصدر ضدهم حكم بالسجن ثلاث سنوات، في 17 مارس 2016.

قضّى «أ.خ» مدّة العقوبة كاملة؛ ثلاث سنوات بدءًا من يونيو 2014. وكان من المفترض خروجه في 25 يونيو 2017، إلا أنه فوجئ باسمه متهمًا في قضية أشد من القضيتين السابقتين أمام المحكمة العسكرية (الرقم 2 شمال- عسكرية). وهو يواجه تهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية تسعى إلى تقويض نظام الدولة.

لم يكن «أ.خ» القاصر الوحيد الذي يواجه محاكمات عسكرية. إذ عانى  86 طفلاً من بين 7420 مدنيًا مصريًا على الأقل من محاكمات عسكرية، منذ أكتوبر 2014، بحسب منظمة هيومان رايتس ووتش.

توسعت محاكمة الأطفال أمام المحاكم العسكرية، منذ أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 27 أكتوبر 2014، قانونًا يسمح بمحاكمة من يعتدي على منشآت الدولة أمام القضاء العسكري، على أن يسري العمل بالقانون لمدة عامين.

ذلك القانون«رقم 136 لعام 2014 بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية» الذي واجه انتقادات حقوقية واسعة وضع جميع المنشآت العامة؛ مثل محطات الكهرباء وخطوط الغاز وآبار النفط وسكك الحديد وشبكات الطرق، تحت سلطة القضاء العسكري. وأتاح ذلك محاكمة من يُتهم بالتعدي على أي من هذه المنشآت أمام المحاكم العسكرية.وبعد انقضاء فترة العمل بالقانون في 2016 طلبت الحكومة من البرلمان تمديد العمل به لسنتين جديدتين، إلى أن أعضاء البرلمان قرروا تمديد العمل بالقانون لخمس سنوات دفعة واحدة في أغسطس 2016.

في 25 أغسطس الماضي، أنهى سيف أسامة شوشة، (16 عامًا)، عقوبة بالسجن ثلاث سنوات وغرامة 50 ألف جنيه بموجب حكم من محكمة جنايات الإسماعيلية العسكرية.

 وقائع تلك القضية (رقم 359 لسنة 2014- كلي إسماعيلية) تعود إلى الثالث من أغسطس 2014. قُبض على «سيف»، المولود في 10 نوفمبر 1998، في محافظة دمياط، شمال مصر، في شارع الصعيدي بينما كان عائدًا إلى منزله عقب احتفاله برفقة أصدقائه بنجاحه في الصف الثالث الإعدادي بمعدل 93 %، بحسب والده: «يبدو أن الشارع كان فيه مظاهرة، والشرطة كانت منتشرة بكثافة في المكان». ويضيف والده: «بعد القبض عليه، اعتُدي عليه من قبل قوات الشرطة، حتى غمرت الدماء ملابسه».

احتجزت قوات الأمن «سيف» داخل قسم شرطة دمياط الجديدة، واتهمته بالتظاهر دون ترخيص، والتعدي على منشآت حكومية، وقطع الطريق.

في صباح ذلك اليوم، كان «سيف»، بحسب والده، يقدّم اختبار القبول بالمدرسة الثانوية العسكرية، تمهيدًا للالتحاق بفصل المتفوقين. لكن في اليوم التالي كان «سيف» يعرض على النيابة بملابس غارقة بالدماء وآثار كدمات على وجهه. يقول والده إن وكيل النيابة »لم يكترث بهذا كله، وقرّر حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق. لاحقاً، جددت له النيابة الحبس تسع مرات، مدّة كل منها 15 يومًا، قبل أن تحال القضية إلى المحكمة العسكرية«. ولم يتسن لنا التحقق من شكوى الأب حول تجاهل وكيل النيابة إصابات ابنه.

في الشهر التالي للقبض على «سيف»، حلّ موعد بدء العام الدراسي. وبعد 11 يومًا على بدئه، فُصل من المدرسة، لتكرار غيابه، فيما كان محبوسًا.

قضى «سيف»أيام احتجازه الأولى في قسم شرطة دمياط الجديدة. بعدها أمضى 41 يومًا في قسم شرطة كفر سعد، ثم 14 شهراً في مركز شرطة «فارسكور»في دمياط؛ وجميعها أماكن غير مخصصة لاحتجاز الأطفال.

عند الحكم عليه، كان عمره 17 عامًا، ورُحّل إلى المؤسسة العقابية في المرج، حيث قضى عامًا كاملًا، إلى أن بلغ الثامنة عشرة، ليرسل إلى سجن«جمصة»، بمحافظة الدقهلية.

خلال فترة سجنه الأولى، داخل مركز شرطة «فارسكور»، أصرّ على استكمال دراسته، ونجح في الصف الأول الثانوي. لاحقاً، وأثناء سجنه في المرج، استطاع تجاوز الصف الثاني الثانوي بنجاح، وأجّل له والده السنة النهائية لما بعد خروجه. مع اقتراب الموعد، حجز والده مجموعات التقوية له، حتى يبدأ دراسته فور خروجه مباشرة.

حاولنا التواصل بشكل رسمي مع المجلس القومي للأمومة والطفولة  طوال فترة إعداد التحقيق ومنحهم حق الرد، لكننا لم نتلق أي رد على طلب مقابلة الدكتورة مايسة شوقي، نائبة وزير الصحة والسكان والمشرفة العامة على المجلس. ولم يرد المجلس كذلك على الأسئلة المرسلة عبر البريد الإلكتروني إلى مستشاره صبري عثمان.

من جهتها رفضت مارجريت عازر، عضو لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب المصري، في حديثها مع «مدى مصر» القبول بوجود ثغرة في قانون الطفل المصري، مؤكدة أنه لا يحتاج إلى تعديل فيما يخص محاكمة الأطفال أمام المحاكم الجنائية.

واتهمت «عازر» ما وصفته بـ «محاولة منظمات ممّولة من الخارج تحميل القوانين دلالات فوق ما تحتمل لأهداف غير وطنية»، مشيرةً إلى أن مجلس النواب يبحث بشكل دوري حالة جميع المسجونين في مصر، بمن فيهم القُصر المتهمون في قضايا جنائية، للنظر في أوضاعهم بما لا يخل بالقانون والدستور.

واختتمت حديثها بالقول إن «الإرهاب والوضع الأمني يستوجب دعم الشرطة والجيش حيال كُل الإرهابيين».

منذ أكثر من ثلاث سنوات، تتفاقم المخالفات القانونية  في المحاكمات وأماكن الاحتجاز بحق القصّر في مصر، وسط تناقض في مواد قانون الطفل، ما أفضى إلى ضياع مستقبل المئات؛ مثل «آسر»الذي تفصله شهور قليلة عن بقائه للعام الثاني رهن الحبس الاحتياطي، في انتظار ما ستسفر عنه محاكمته أمام دائرة الإرهاب بمحكمة جنايات الجيزة. وتتمنى عائلة آسر أن يعامله القاضي كطفل لم يبلغ عمره وقت ارتكاب «الجريمة» 15 عاما، وليس كمجرم وُضع اسمه على قائمة الإرهابيين.

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية «أريج»وبإشراف الزميل حمد العثمان.

اعلان
 
 
محمود الواقع