Define your generation here. Generation What

ثلاثة مشاهد على مدار قرن: كيف يرى المصريون التعداد؟

«التعداد هيعرفك زي العيلة، اللي عارفة كل صغيرة وكبيرة عن ولادها. مافيش حد ناسيه، وكل واحد معمول حسابه. ولإننا في مصر عيلة واحدة كبيرة، التعداد هيروح لكل مبنى.. وكل أسرة.. وكل منشأة. اتعاون معانا وادينا بياناتك علشان نعرف محتاجين كام مدرسة، كام مستشفى، وكام فرصة عمل. وبجمع البيانات الدقيقة هنقدر نخطّط للمستقبل ونبني لقدام. تعداد مصر 2017، تعدادنا مستقبلنا.»

الإعلان المنقول نصه هنا هو جزء من الحملة الإعلامية الواسعة التي أطلقها جهاز التعبئة والإحصاء للدعاية لتعداد السكان، والذي أعلنت نتائجه في الثلاثين من سبتمبر الماضي. وبعيدًا عن تحليل تلك النتائج، التي ستتيح مادة ثرية لقراءة تحولات المجتمع المصري في العشر سنوات الأخيرة، فسأنطلق هنا من نقطة مختلفة، وهي خطاب الدولة حول التعداد، وذلك بهدف إلقاء الضوء على بعض جوانب «سياسة الأرقام» وتاريخها.

في الإعلان المشار إليه، تبدو الدولة مثل رب الأسرة الذي، بمعرفته لكل تفاصيل أبنائها، يرعاها ويخطط لمستقبلها. ولكن إعادة استخدام هذا التشبيه الأبوي في سياق التعداد لا تشير، في الحقيقة، إلا إلى توجس قطاعات غير صغيرة من السكان من «الطموحات» المعلوماتية للدولة.

حالة التوجس هذه شكا منها معاونو التعداد المكلّفون بجمع البيانات على الأرض، فبعضهم قال: «المواطنين بيجروا ورانا»، وقال آخرون إنهم تعرضوا أحيانًا «للضرب والطرد».

مسؤولو الجهاز الإحصائي من جانبهم أرجعوا المشكلة جزئيا للسياق العام المصاحب للتعداد؛ ارتفاع الأسعار وما يتردد عن خطط الحكومة لرفع الدعم على السلع الغذائية، وإعادة هيكلته. لكن مع هذا، فالعنوان الأوسع لخطاب المسؤولين ظل هو «غياب الوعي»، بالأخص لدى الفئات غير المتعلمة، ولذلك كان التشديد على سرية البيانات الفردية، وعلى «الفائدة القومية» للتعداد.

1917: احتلال وحرب وتعداد

«لا يزال الفلاح المصري والطبقة الجاهلة من سكان المدن ينظرون إلى عمليات التعداد بعين الشك والريبة… هم يغفلون الارتباط بين المصلحتين العامة والخاصة، ويجهلون ضرورة تزويد الحكومة بالبيانات الصحيحة حتى تضمن التوزيع العادل للأعباء الوطنية وتقسيم الإيرادات الأهلية وانتهاز الفرص المحيطة بها، كما يجهلون الفائدة التي يمكن أن تعود على الشعب من وضع تقرير صحيح عن التعداد».. من تقرير التعداد العام للسكان لسنة 1917.

في مثل هذه العام من القرن الماضي، أجرت السلطات البريطانية التعداد العام للسكان. لم يكن هذا هو التعداد الأول من نوعه – فمصر لها تاريخ طويل من التعدادات، كان أولها عام 1848 – ولكن الظروف المحيطة به كانت استثنائية. في 1914، ومع بداية الحرب العالمية الأولى، أُعلنت الحماية على مصر، وترتب على ذلك توسع أشكال تدخل سلطة الاحتلال في الجوانب المختلفة من حياة للمصريين، ما بين تعبئة العمالة للمشاركة في المجهود الحربي، إلى الاستحواذ على الإنتاج الزراعي. ولعبت الإدارة المركزية للإحصاء، التي كانت قد أُنشأت قبلها ببضعة سنوات (بالتحديد في 1905)، دورًا مركزيًا في مسح الموارد وتعبئتها.

تحدثت جريدة الأهرام بتاريخ 9 مارس، عن محاولات مندوبي الإحصاء جمع وحصر الفقراء الذين لا سكن لهم، وكيف أن هؤلاء «فروا من وجههم… أو ادعوا أن لهم منزلًا ولكن النعاس ران على أجفانهم»

لم يكن غريبًا، في هذا السياق، أن تسبق تعداد سكان 1917 حملة دعائية واسعة من خلال الصحف والمدارس والمساجد، إذ أن السلطات كانت تخشى رد فعل السكان على هذه العملية.

تعداد 1917 كان أيضًا أول تعداد يعتمد رسميًا – وإن كان بشكل جزئي – «سريَّة» البيانات الشخصية، حيث أقر منع استخدام المعلومات الخاصة بالسن والمهنة والجنسية والحالة الاجتماعية، لغير الأغراض الإحصائية، أو من قبل جهات أخرى في الدولة. إلا أن التأثير المباشر لتلك الإجراءات كان محدودًا فيما يبدو. فقد أشارت صحف تلك الفترة إلى الصعوبات التي واجهها العدّادون على الأرض، وعلى سبيل المثال، تحدثت جريدة الأهرام بتاريخ 9 مارس، عن محاولات مندوبي الإحصاء جمع وحصر الفقراء الذين لا سكن لهم، وكيف أن هؤلاء «فروا من وجههم… أو ادعوا أن لهم منزلًا ولكن النعاس ران على أجفانهم وهم في الطريق فناموا في زاوية من الزوايا».

وبشكل عام، فرغم توسع أعمال الإحصاء تدريجيًا خارج استخدماته التاريخية، والمرتبطة خصيصًا بجمع الضرائب والسخرة والتجنيد، إلا أن جمع بيانات السكان مع ذلك ظل مسألة خلافية.

خصوصية الفرد.. سرية الدولة

«البيانات الفردية التي تتعلق بأي إحصاء أو تعداد (سرية) ولا يجوز إطلاع أي فرد أو هيئة عامة أو خاصة عليها… يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين …كل من أخل بسرية البيانات الإحصائية أو أفشى بيانًا من البيانات الفردية أو سرًا من أسرار الصناعة أو التجارة أو غير ذلك من أساليب العمل التي يكون قد أطلع عليها بمناسبة عمله في الإحصاء أو التعداد.»

بهذا الاقتباس – الوارد في القانون رقم 35 لسنة 1960 عن الإحصاء والتعداد – ننتقل إلى الفترة الناصرية التي شهدت تغيرات عدة في منظومة جمع ونشر المعلومات.

من إنشاء عدد من اللجان والهيئات الاقتصادية الجديدة، والاستعانة بعدد من الخبراء المصريين والأجانب للعمل بها، إلى استحداث قياسات وتقنيات جديدة، اكتسبت «خبرة الأرقام» موقعًا مركزيًا في نشأة سياسات التخطيط الناصرية. كان معنى التوجه نحو التخطيط المركزي توسع الدولة في جمع وإنتاج البيانات، الاقتصادية بالتحديد، لكنه كان يعني أيضًا تضييق نشر تلك البيانات وإتاحتها. فاللافت في قانون 1960  هو كيفية استخدامه لمفهوم «سرية المعلومات»، وإشارته لمصطلح «أسرار الصناعة والتجارة»، في سياق التدخل المتزايد للدولة في المجال الاقتصادي.

كان تقييد نشر المعلومات وتداولها، ومنها البيانات الإحصائية، سمة سائدة في سياق الحرب الباردة، وبالتحديد فيما يخص الدول التي اتبعت نمط التخطيط الاشتراكي. وفي مصر أيضًا كان سياق الحرب حاضرًا، وإن كان الحديث هنا بالأساس عن الصراع العربي الإسرائيلي. ففي عام 1960، وبعد إصدار قانون التعداد والإحصاء بعدة أشهر، جرى إصدار قانون التعبئة العامة الذي ينظّم إعداد وتهيئة السكان والموارد في حالة الحرب أو تهديد «الأمن القومي»، كما ضُمّت بعدها مصلحة الإحصاء لإدارة التعبئة العامة.

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

كانت تلك التغيرات في التشريعات الخاصة بالإحصاء كذلك تعبيرًا عن ازدياد نفوذ المؤسسة العسكرية، على حساب الأجهزة الأخرى للدولة. فبعد إنشاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 1964، نُقلت تبعيته من رئاسة الجمهورية إلى وزارة الحربية وعُيّن على رأسه لواء من الجيش وهو جمال عسكر، كما يروي الفريق محمد فوزي في مذكراته التي صدرت حديثًا تحت عنوان «مذكرات الثلاث سنوات 1967-1970».

***

على اختلافها، تطرح الثلاث لحظات التي توقفنا عندها أسئلة حول آليات جمع ونشر المعلومات، وعلاقتها بالنظام السياسي، وحول مدى حضور وتأثير لحظات التأسيس، التي أشرنا إلى بعضها هنا، على حاضرنا اليوم، إن نظرنا مثلًا لعلاقة السكان بالمؤسسة الإحصائية أو ارتباط المعلومات بـ«الأمن القومي»، وإن كان مضمون ما يدخل تحت هذا المسمى قد تغير هو نفسه، فمثلًا، كان من الأسئلة التي طرحت نفسها مجددًا في ضوء نشر نتائج تعداد 2017، غياب الإحصاءات الخاصة بالديانة عن نتائج التعداد، حيث دخلت هذه المسألة ضمن مفهوم «الأمن القومي».

في هذا المثال بالتحديد، وعلى عكس خطاب السلطة حول «جهل» السكان بفوائد التعداد، نجد هناك ضغطًا وتحركًا من قبل جماعة من السكان من أجل جمع ونشر تلك البيانات، بالتحديد لأنهم يجدون مصلحة وفائدة في ذلك، ولكنهم يواجهون رفض الدولة، والتي، ورغم جمعها تلك البيانات، إلا إنها تمتنع عن نشرها.

اعلان