Define your generation here. Generation What
كيف تستثمر أموالك؟
دليل المواطن العادي في ظل التقلبات الاقتصادية
 
 
 

إن لم تكن مشاركًا في بنك استثمار أو شركة تداول أوراق مالية أو صاحب رأس مال كبير، فبالتأكيد أنت تفكر في الطريقة الأفضل لاستثمار أموالك. تحدّث «مدى مصر» مع بعض المحللين الاقتصاديين والماليين واستطلع آراءهم في جدوى طرق الادخار المألوفة بالنسبة للمصريين وسط الصعوبات الاقتصادية الحالية.

سؤال

يواجه الاستثمار في مصر صعوبات نتيجة التقلّبات الاقتصادية العنيفة التي شهدتها مصر في السنوات الماضية، وتجلّت بأوضح صورها بعد الإجراءات الاقتصادية التي طبقتها الحكومة، منذ نوفمبر من العام الماضي، حسب اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، والتي أدّت إلى مُعدَّلات قياسية في تضخم أسعار المستهلكين، لم تشهدها مصر منذ عقود.

وشملت الإجراءات تحرير سعر صرف الجنيه، والذي أدى إلى انخفاض قيمته إلى النصف، مُسجلًا نحو 18 جنيهًا للدولار في الشهور التي تلت القرار، فضلًا عن تقليل مخصصات دعم الطاقة من وقود وكهرباء، وفرض ضريبة القيمة المضافة، ثم زيادتها لتصل إلى 14% من قيمة السلع والخدمات.

رفعت هذه الإجراءات من تكاليف وأسعار السلع والخدمات في جميع القطاعات الاقتصادية، وأثّرت على مجالات كثيرة، مثل سعر الفائدة، وأسواق المال، والصناعة المحليّة والتجارة الخارجية، علاوة على الإنفاق الحكومي والجباية الضريبية، مما انعكس على أوعية الادخار المألوفة لدى المصريين. وأثارت التطورات الأخيرة السؤال الآتي: إذا كان لديك بعض المدّخرات، فما أفضل السُبل للاستفادة منها، وذلك دون أن تفقد قيمتها؛ وهل توجد طرق لتعظمّ قيمة هذه المدخرات؟

هنا نُحلل مدى صلاحية الطرق الخمس الشائعة بين المصريين لاستثمار المدخرات؛ الودائع البنكية، والعملات الأجنبية، والبورصة، والعقارات، والذهب، وذلك في ظل التقلبات والصعوبات الاقتصادية الأخيرة.

العقارات

تُعدّ العقارات أحد أكثر الأوعية الادّخارية رواجًا في مصر. وقد شهد سوق العقارات بالفعل نموًا كبيرًا في السنة الماضية، وذلك مع توقعات بأن يكون سوق العقارات السكنية المصري الأكثر نموًا عالميًا في عام 2017، مدفوعًا بطلب مرتفع وعرض أقل من أن يلبيه.

وبينما ترتفع أسعار العقارات بشكل مستمر، فقد حذّر مراقبون من الارتفاع المطّرد في أسعار العقارات السكنية في ظل انخفاض القوة الشرائية للمواطنين الذين عادة ما يقبلون عليها، ما قد يؤدّي إلى انهيار في هذا السوق.

تتوقع شركات القطاع الكبرى أن الزيادات في أسعار خلال الشهور المقبلة لن تتعدَ الـ 15%، بخلاف زيادات وصلت إلى 60% في الشهور اللاحقة للإجراءات الاقتصادية المتخذة، في نوفمبر الماضي، بحسب سارة بطرس، محللة العقارات والبناء بقطاع البحوث بمجموعة «إي إف جي هيرمس» المالية.

وقالت بطرس لـ «مدى مصر» إن شراء المستهلكين للعقارات السكنية ليس بغرض الاستثمار وتحقيق الربح، ولكن لتصبح أوعية ادّخار تحول دون التقلبات التي تشهدها العملة المحلية. وأكدت على أن أحد الأسباب الرئيسية وراء ذهاب الكثير من المصريين إلى هذا الاختيار هو عدم توفّر سُبُل استثمار أفضل.

وأوضحت المُحللة أن الطلب على الوحدات الجديدة كان دائمًا مرتفعًا في مصر، وحتى خلال فترة الركود التي يشهدها الاقتصاد حاليًا. فيما قالت بطرس إنه «رغم توقعات كبيرة بتأجيل إطلاق مشروعات وتخفيض أسعار الوحدات بسبب ارتفاع التكاليف وانخفاض القوة الشرائية للمستهلك، فإن بعض الشركات الكبرى باعت جميع وحداتها في طُروحات تمت بعد التعويم».

أكدت بطرس على أن معلومات القطاع البحثي أشارت إلى أن الشركات ستخُفض معدلات الزيادة في أسعار وحداتها لأنها وصلت لأعلى أسعار ممكنة، وأنها ستسهّل شروط السداد لتتواءم مع السوق الذي يشهد انخفاضًا في الطلب بسبب التضخّم، ولذلك ترى أن الطلب سيظلّ مرتفعًا وأن العقارات ستظل اختيارًا أساسيًا للمدخّرين في الفترة القادمة.

البورصة

تشهد البورصة حاليًا انخفاضًا في أحجام التداول، وهو شيء متوقع بعد رفع أسعار الفائدة بالمعدلات الحالية، حسبما قال أحمد زكريا، مدير حسابات العملاء بشركة «عكاظ للأوراق المالية»، وأضاف أن «الكثير من المستثمرين يرون أن معدّل فائدة يقترب من 20% على الإيداع في البنوك يعد استثمارًا آمنًا، وهو ما يؤثر سلبًا على توجههم لأسواق المال».

فيما أوضح زكريا أن ارتفاع حجم التداول في البورصة إثر التعويم جاء في المقام الأول نتيجة لشراء الأجانب وليس المصريين، ﻷن أسعار الأسهم انخفضت بالنسبة لهم فور تعويم الجنيه، وبدلًا من أن يكلفهم سهم معين 10 دولارات مثلًا، أصبحت تكلفته 5 دولارات فقط.

أما حسن قناوي، مسؤول التداول بشركة «إتش سي» لتداول الأوراق المالية، فقال إن الإجراءات الاقتصادية، وبالأخص تحرير سعر الصرف، انعكست إيجابيًا على بعض الشركات وأضرت بشركات أخرى؛ فقد كان « تأثير التعويم محدودًا على الشركات التي لديها أصول دولارية جيدة (كبيرة)، مثل إي إف جي هرمس».

ورغم انخفاض التداول في الفترة الأخيرة، نتيجة رفع سعر الفائدة، أكد قناوي على أن التوقعات تشير إلى أن ذلك إجراء مؤقّت، مثلما قال «البنك المركزي»، وأن الزيادتين الأخيرتين للفائدة سيتمّ التراجع عنهما في المدى القصير، مما سيدعم موقف البورصة.

وبالرغم من توقعاته الإيجابية، نصح قناوي المُدِّخر بأن ينوّع استثماراته، خصوصًا أن البورصة تتضمن مخاطرة أكبر من أوعية أخرى للمدّخرات، كالشهادات البنكية، وأكد على أنه يحتفظ بذلك الرأي على الرغم من أداء البورصة الجيد في الفترة الأخيرة.

الودائع والشهادات البنكية

رفع البنك المركزي المصري خلال السنة الأخيرة أسعار الفائدة على الودائع البنكية عدة مرات، حتى وصلت إلى  18.75% للإيداع و19.75% للإقراض لليلة واحدة، مُتخذًا القرار للمساعدة على سحب السيولة من السوق وكبح الطلب الذي يؤدي إلى زيادة مُعدَّل ارتفاع أسعار المستهلكين، حسبما قال البنك.

ويجعل سعر الفائدة المرتفع الودائع والشهادات البنكية جذابة للمُدِّخرين، لذلك شهدت البنوك إقبالًا كبيرًا على شهادات الادّخار فور اتخاذ القرارات الاقتصادية، في نوفمبر الماضي، والتي تزامنت مع رفع سعر الفائدة للبنك المركزي، وذلك قبل أن تتمّ زيادتها مرات عديدة بعدها.

وتتراوح عوائد شهادات الادخار، لمدد من عام إلى ثلاثة أعوام، ما بين 10.75% و16% سنويًا في البنوك الخاصة، بينما وصلت شهادات أخرى إلى 20% في بنوك عامة مثل بنكي «مصر» و«الأهلي»، مما يُعدّ زيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة.

وقال عمر الشنيطي، المدير التنفيذي لمجموعة «مالتيبلز» الاستثمارية، إن الاستثمار في الشهادات غير مجدٍ، لأن أسعار الفائدة أقل من مُعدَّل التضخم، مما يعني أن سعر الفائدة الحقيقي – وهو الفارق ما بين مُعدَّلي الفائدة وزيادة الأسعار – سالب، أي أن الأموال المودعة في البنوك ستظل تفقد قيمتها.

وأوضح الشنيطي أنه «في ظل معدَّلات تضخّم تفوق الـ 30%، كل ما تفعله الودائع والشهادات التي تدور فائدتها حول الـ 20% هو تقليل فاقد القيمة»، وأشار إلى أن سعر الفائدة الحقيقي في مصر كان دائمًا بالسالب في العقود السابقة.

ورغم وجود توقعات بانخفاض سعر الفائدة بحلول العام الجديد، وهو عامل الجذب الرئيسي للادّخار في البنوك، يرى محللون أن عدم وجود بدائل كثيرة لحفظ قيمة المدخرات يجعل الودائع المصرفية مجدية في الوقت الحالي.

من جانبها، قالت ريهام الدسوقي، كبيرة محللي بنك استثمار «أرقام كابيتال»، إن رفع البنك المركزي لمعدّلات الفائدة يتماشى مع سياسته المستهدفة لخفض التضخم من خلال امتصاص السيولة النقدية من السوق.

لكن هذا الاتجاه سيتغير مع انتهاء آثار الإجراءات الاقتصادية التي أدت لاستفحال معدَّل زيادة أسعار المستهلكين، مثل تقليص دعم الطاقة وزيادة ضريبة القيمة المضافة، فضلًا عن الانخفاض المتوقع للتضخم في نوفمبر القادم، بسبب ارتفاع الأسعار بشدة في فترة المقارنة، نوفمبر من العام الماضي، وهو الشهر الذي شهد قفزات كبيرة في الأسعار بعد تعويم الجنيه وزيادة أسعار الوقود.

ومع تراجع معدَّل زيادة أسعار المستهلكين بنهاية عام 2017، أو بداية عام 2018 حسبما تتوقّع الدسوقي، سيتجه البنك المركزي لتخفيض سعر الفائدة في البنوك.

واعتبرت الدسوقي أن إيداع المدّخرات في البنوك له جدوى في الوقت الحالي، طالما لم يتمّ تسهيل بيئة الأعمال وتوفير التمويل للمشاريع المتوسطة والصغيرة، لأن المواطن العادي يجد صعوبة في إنشاء مشروعات، وأضافت أن دعم الحكومة والبنوك لهذه المشروعات لا يزال في مرحلة التطوير.

الدولار

تُعدّ العملات الأجنبية، وخاصة الدولار الأمريكي، أحد الروافد الأساسية بالنسبة للمصريين لحفظ قيمة الأموال في السنوات الأخيرة، حيث انخفضت قيمة الجنيه المصري مقارنة بالدولار تدريجيًا في العقد الماضي، ثم انخفضت إلى النصف إثر قرار تعويم الجنيه في نوفمبر؛ ووصل سعر الدولار بين ليلة وضحاها إلى 18 جنيهًا مصريًا في التعاملات الرسمية بدلا من 7.8 جنيه.

ورغم احتفاظ الدولار بقيمته المرتفعة مقارنة بالجنيه في الشهور الأخيرة، فهي لا تزال قريبة من 18 جنيهًا للدولار منذ نوفمبر، إلا إن عدد من الاقتصاديين توقعوا انخفاضه بحلول الربع الأخير من العام الحالي. وبالفعل، تراجعت العملة الأمريكية أمام الجنيه لتصل، لأدنى مستوياتها منذ شهر مارس، حيث تحوم حول 17.7 جنيهًا للدولار في الأسابيع الماضية.

فيما قال الشنيطي إن احتمالات انخفاض الجنيه مجددًا أمام الدولار ضعيفة جدًا على المدى القصير والمتوسط، وذلك لأن القضاء على السوق السوداء للعملة من شأنه أن يؤدّي إلى استقرار سعر الدولار وانخفاضه تدريجيًا، إن لم تؤثّر عوامل مفاجئة على قيمة الجنيه. ولذلك، فإن الاستثمار في العملة الأمريكية «غير منطقي وغير مفيد»، بحسب قوله.

ولكن المسألة لها أبعاد أُخرى غير تذبذب سعر الجنيه بالنسبة للدولار محليًا. أشار نعمان خالد، محلل الاقتصاد الكلي ببنك استثمار «سي أي كابيتال»، إلى أنه لا يمكن تجاهل البعد الدولي للعملة «فقيمة الدولار في سوق الصرف العالمي انخفضت بأكثر من 10% منذ بداية السنة».

وتوضّح بيانات وكالة «بلومبرج» الاقتصادية أن الدولار فَقَدَ أكثر من 14% من قيمته أمام العملات الرئيسية في العالم بين بداية 2017 وشهر سبتمبر الماضي. ووصلت قيمة اليورو، أمس الجمعة، إلى  1.18 دولارً.

وقال خالد إن البُعد الدولي للعملة من المهم وضعه في الحسبان، وأوضح أن تطورات مثل القرارات التي من المرجّح أن تتخذ في الخارج كامتناع «الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي» (البنك المركزي في الولايات المتحدة الأمريكية) عن رفع أسعار الفائدة، في وقت يشهد فيه الاقتصاد في أوروبا حالة تعافي، من شأنه أن يدفع اليورو للارتفاع على حساب الدولار.

مَن باع دولارات في فترة الذروة لسعر الدولار مقابل الجنيه خلال العام الجاري، وقد بَلَغَ في فبراير الماضي سعر الأول 18.7 من الجنيهات، قد لا يحظى بتلك الفرصة في المستقبل المنظور، بحسب خالد.

لذلك يصبح الادّخار عبر شراء الدولارات عملية غير مجدية، قد تُستبدل بمراقبة أسواق الصرف لشراء عملات قيمتها ترتفع مثل اليورو، أو اللجوء لسوق السلع الأساسية لشراء سلع قيمتها ترتفع.

الذهب

يُعد الذهب من السلع التي يثق فيها المستثمرون في الأوقات المضطربة. وقد شهدت أسعار الذهب عالميًا ارتفاعًا كبيرًا ومستمرًا خلال السنة الماضية. وارتفع سعر أوقية الذهب من 1167.8 دولار أمريكي في يناير 2017 إلى 1332.5 دولار في سبتمبر، وحدث ذلك لأسباب عديدة.

انعكس انخفاض قيمة الدولار في سوق الصرف العاملية بصورة إيجابية على أسعار الذهب. ويعتبر مخزنًا بديلًا للقيمة عن العملة التي تنخفض قيمتها. كما تُعدّ مخاوف المستثمرين من الاضطرابات السياسية، مثل التوترات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي من أسباب ارتفاع أسعار الذهب، لأن المستثمرون يرونه سلعة مستقرة وسط تلك الظروف بخلاف الأسهم مثلا، والتي عادة ما تنخفض نتيجة الاضطرابات السياسية.

فيما اعتبر نعمان خالد، المحلل بـ«سي أي كابيتال»، أن الطلب المتصاعد لدول مثل الصين على الذهب عزز من سعره عالميًا، وتستعد الصين لإطلاق عقود نفط خام آجلة باليوان الصيني وقابلة للتحويل إلى ذهب، مما يُعد خطوة لشراء النفط بالذهب بدلاً من الدولار الأمريكي.

ولكن في جميع الأحوال، ليس هناك ضمان أن يستمر سعر الذهب في الارتفاع، وذلك ما أكّده محمد أبو باشا، محلل الاقتصاد الكلي بمجموعة «هيرميس» المالية.

وقال أبو باشا إن الادّخار في الذهب قد لا يكون الأفضل للمُدِّخر لسببين. أولهما أن الارتفاع المتوقّع في قيمة الجنيه في السنة القادمة سيحول دون انعكاس قيمة الذهب عليه بشكل كبير. ويسعّر الذهب بالدولار، وحينما ينخفض سعر الأخير مقابل الجنيه لن يكون الارتفاع في قيمة الذهب مناسبًا لطموحات مَن استثمر أمواله فيه.

السبب الثاني، بحسب أبو باشا، هو أن الادّخار في الذهب يجعل المُدِّخر في مرمى الاتجاهات الاقتصادية العالمية، وهي ليست مستقرة كأسواق أخرى، كالبورصة المصرية مثلًا، في رأي المحلل.

وبالفعل فقد تراجع سعر الذهب عن أعلى مستوى له قبل  سنة، وذلك في 11 سبتمبر الماضي. وعَزا محللون ذلك التراجع إلى صدق التوقعات بأن يُبقي «الاحتياطي الفدرالي الأمريكي» أسعار الفائدة كما هي في اجتماعه خلال الشهر الماضي، وهو ما حدث بالفعل.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي