Define your generation here. Generation What

في كل سجن يوم جمعة (تدوينة)

أمضيت 25 أسبوعًا من عام 2015 في سجن الإسكندرية.

عقب خروجي من السجن، كنت أستيقظ لأجد عقلي غير مشغول إلا بتذكر الأحداث التي دارت فيه. بعد ما يزيد على الثلاثة أشهر، لم تختف من ذاكرتي أيام السجن،  كما لم تختف أمراضه من جسدي.

كنت أستيقظ يوميًا لأتذكر استيقاظي في السجن، وكل فعل أفعله كنت أقارنه بما كان يحدث في السجن.

أما اليوم، وبعد شهور طويلة من خروجي، أجد ذكريات المعاناة تضمحل من العقل.

لم أعد أذكر تقريبًا معاناة السجناء بنفس الكثافة التي كنت أذكرها بها في الشهور الأولى لخروجي.

سُجنت مع السجناء الجنائيين، لا السياسيين، ولذا أعتقد أنها تجربة هامة يجدر تسجيلها. أكتب هنا ما لا يزال راسخًا في ذاكرتي عن يوم واحد في الأسبوع؛ يوم الجمعة.

كان يوم الجمعة بالتحديد مميزًا لأنه الأجازة الرسمية التي تنعدم فيها أي حركة بالسجن. في سائر الأيام، كنا نشغل أنفسنا بالزيارات، وطلب حاجياتنا من كانتين السجن، أما الجمعة فلا زيارات أو كانتين، فقط التعذيب والروتين الأسبوعي.

 في سائر الأيام، كنت أستيقظ للقراءة والكتابة في الثامنة صباحًا على أقصى تقدير، بينما يظل باقي سجناء الغرفة نيامًا حتى الظهيرة على الأقل. أما في الجمعة فكان الجميع يُجبَرون على الاستيقاظ في التاسعة أو العاشرة صباحًا على الأكثر لأجل ما يسمى بـ«تمام السجن».

 تفتح المباحث الغرفة تلو الأخرى لحصر عدد نزلائها. يقوم الجميع من النوم ويخرجون من الغرفة، ثم يُنادى على الأسماء، ومن يسمع اسمه يدخل الغرفة. في بعض الأيام يتحول «تمام السجن» لأكثر ما يخشاه سكان السجون؛ «الهجمة».

 كتبت في السابق مقالًا بعنوان «الأفكار الثورية أفكار الجماهير»، عن هجمة المباحث وأثرها على السجناء. ونُشر المقال بينما كنت مسجونًا: يخرج جميع المسجونين من الغرفة بعد لملمة أغراضهم القليلة، مثل فرشة النوم، الحقيبة ومحتوياتها، والملابس المنشورة، ثم يدخلون الغرفة فردًا فردًا بعد الجلوس مقرفصين وعراة سوى من الملابس الداخلية، بعد الحلاقة والضرب أمام ضابط المباحث الذي يقف بكامل أبهته أمامنا ليعلمنا أننا نحن، فقراء الشعب، يمكن إذلالنا بسهولة.

كان الغسيل يستغرق مني غناء «شد الحزام على وسطك»، «شيّد قصورك ع المزارع»، و«يا مصر قومي وشدي الحيل». كنت أحسب الوقت بالغناء لانعدام أي وسيلة لحساب الزمن

بعد تفتيش كامل حاجياتنا – بما يعني «نهب» دخاننا وأموالنا وملاءاتنا وملابسنا، حيث لا يُسمح للسجين سوى ببطانيتين – يُغلق باب الغرفة وهي منهوبة بالكامل ومحتوياتها مقلوبة رأسًا على عقب. نقضي الساعات التالية منتظرين دور الاستحمام لإزالة آثار الحلاقة والضرب. نرتّب أشياءنا وفرشات النوم، صامتين لا ننطق سوى باللعنات على رؤوس المباحث.

عودة ليوم الجمعة في السجن: عقب «التمام» يدخل سجناء الغرفة لمواصلة نومهم، بينما أواصل أنا القراءة التي لا يقطعها سوى احتياجي لغسل ملابس اليوم الفائت، قبل انشغال الحمام بباقي سجناء الغرفة الذين يستيقظون تباعًا.

رغم أن عملية الغسيل كانت يومية، لكي لا تتراكم الملابس التي أضطر لغسلها، إلا أنها كانت صعبة ومنهكة ومقرفة لأقصى حد.

أتذكرها جيدًا: 21 شطفة وعصرة لثلاث قطع من الملابس يوميًا، ويوم الجمعة بالذات أضطر لغسل المنشفة والملاءة، بالإضافة لملابس الخميس.

كان الغسيل يستغرق مني غناء «شد الحزام على وسطك»، «شيّد قصورك ع المزارع»، و«يا مصر قومي وشدي الحيل». كنت أحسب الوقت بالغناء لانعدام أي وسيلة لحساب الزمن، سوى مواقيت الصلاة اليومية.

بعد الغسيل اليومي أشرب القهوة لاستعادة هدوئي وتركيزي لاستكمال القراءة من جديد. في الغالب، لن يفهم أي ممن لم يُسجن كيف أن القهوة تصبح في السجن كنز الكنوز. أغلب الجنائيين يُمنع عنهم دخول البن، وقليلة هي المرات التي سُمح لي فيها به، وكنت أخزّنه كما يُخزّن الذهب والأموال.

يبدأ أبو بلال في إيقاظ الأفراد المعروفين بأدائهم للصلاة، والذين لم يتعدوا أبدًا ربع سكان الغرفة، حتى في رمضان، موسم الصلاة.

 قرب الحادية عشر صباحًا، يبدأ أبو بلال – متّهم بالقتل العمد، من سكان «الدخيلة» بالاسكندرية – في إيقاظ الأفراد المعروفين بأدائهم للصلاة، وكانوا قليلين ولم يتعدوا أبدًا ربع سكان الغرفة، حتى في رمضان، موسم الصلاة.

كانت مشادة أسبوعية تقوم حول خطبة الجمعة؛ هل يخطب الإمام يوم الجمعة؟ هل نسمع خطبة التلفزيون الحكومي؟ هل نصلي دون خطبة؟ في أغلب الأيام كانوا يصلون دون خطبة، نظرًا لما يثيره موضوع الخطبة من توتر بين السجناء.

عقب صلاة الجمعة، يكون لزامًا علينا الاستماع لخطبة الشيخ الشعراوي والمذاعة على التليفزيون الحكومي. وكان هذا موعد تذكرتي الأسبوعية بعمالة الشعراوي للرئيس السادات وبوليسه وشرطته العسكرية. ورغم تململ العديدين من تذكرتي الأسبوعية هذه، إلا أن أحدًا لم يستطع تكذيبي، ولو لمرة واحدة، بل أن بعض السجناء كانوا يذكرونني بالتعليق على الشعراوي إذا نسيت.

 مع اقتراب الثالثة عصرًا كنا نسعى لتحضير الوجبة الأولى. كان إفطار الجمعة أسوأ الإفطارات بالنسبة لي، لانعدام الفول فيه؛ فقط البيض والجبن، وكنت نباتيًا لا آكل البيض وأتململ من رائحته، لكن غداء الجمعة؛ البطاطس المسلوقة، كان أملي. وكان الجنائيون يعرفون أني لا آكل اللحوم ولا البيض، فيعطونني قدرًا أكبر من نصيب الواحد في البطاطس.

كان من مساوئ يوم الجمعة انعدام مسلسل الساعة الرابعة. فكان السجناء يسعون دون جدوى لمشاهدة أي شيء على القنوات التلفزيونية، بينما كان جدول قراءاتي يمتد يوميًا حتى السابعة مساء، تقطعه ساعة تواصل مع السجناء، وتقع بين الرابعة والخامسة؛ وهي نفس ساعة المسلسل اليومي، كان يوم الجمعة لطيفًا بالنسبة لي لأني استكمل القراءة في هذه الساعة ولا أضطر لقطعها.

 عندما تغرب الشمس ينتهي اليوم. أشعر براحة لأني أنجزت يومًا في السجن.

أتذكر الأفلام المملة والمكررة دائمًا كل جمعة على القناة الثانية. مهمتي الدائمة وقت عرضها كانت قراءة الترجمة لسجناء الغرفة. وكانت من ألطف تسلياتي، إذ كنت أتمكن من التعليق على كل الأحداث بينما يسمعني السجناء صابرين على سخافاتي الواضحة. من بين 35 نزيلًا لم يكن هناك سوى أربعة يستطيعون القراءة. وفي العديد من أيام الجمعة كنت أرفض قراءة الترجمة لأني قرأتها لنفس الفيلم من أسبوعين.

كان أبو رحمة – متهم بالقتل العمد من سكان منطقة الميناء – يقوم بدوري في قراءة الترجمة. تعلم أبو رحمة القراءة في السجن، بعد أن قضى أكثر من ثلاث سنوات – لابد أنهم أربعة الآن – لا يجد وسيلة للتدرب على القراءة إلا في التلفزيون. كان الوحيد الذي يقبل القيام بدوري في قراءة الترجمة، والحق أنه كان يقوم بهذا الدور بشكل ساخر أفضل مني كثيرًا.

 كنا نحفظ مواعيد زياراتنا الأسبوعية. غدًا السبت زيارة شنبو وألاكو والزنفر. ما زلت أذكر أسماءهم الكاملة حتى الآن «أحمد محمد الطحان»، «حسين محمد دياب»، و«إبراهيم محمد مصطفى»، والعادة تقضي بأن ترتب حاجياتك ليلة الزيارة لكي تجد المكان في حقيبتك لما سيأتيك غدًا في الزيارة.

عقب الكتابة الليلية اليومية لحبيبتي، الكتابة التي كانت أقرب لمذكرات يومية أسجّل فيها ما يحدث بالغرفة، كنت أجمع ملابسي التي غسلتها ونشرتها في الصباح لأني سألبسها غدًا عقب غسيل الملابس التي قضيت بها هذا اليوم، وهكذا ينتهي اليوم لأنام.

كتبت هذا المقال لأني استيقظت في يوم جمعة شاعرًا بثقل عملاق في قلبي تجاه أصدقائي المحبوسين

 من اليوم الأول، اخترت ملازمة السجناء الجنائيين وعدم الإفصاح عن هويتي السياسية.

في عربة الترحيلات التي نقلتني للسجن، كان معي العشرات من السجناء، وبينما أعلن السياسيون عن هويتهم لتخفيف التعذيب عن أنفسهم، فقد التزمت أنا الصمت وأجبت بأن سبب قضيتي المعنونة بـ«الاعتداء على الضباط» هو اصطدامي بدرجة نارية لأحد ضباط الشرطة. وبالتالي انضممت لصفوف الجنائيين وغرفهم، وتلقيت كل ما لحق بهم من تعذيب. اخترت ذلك حتى أتمكن من إخراج الأوراق والكتابات التي يُمنع السياسيون من إخراجها، ولم تكتشف المباحث هويتي السياسية سوى في الأسبوع الأخير من حبسي.

 كتبت هذا المقال لأني استيقظت في يوم جمعة شاعرًا بثقل عملاق في قلبي تجاه أصدقائي المحبوسين. عاملني الجنائيون بشكل مختلف تمامًا عما يعامل به أحدهم الآخر. أفهمتهم أني سياسي شيوعي يخدع إدارة السجن، وساعدوني على إخفاء الأوراق والكتب عن هجمات المباحث، وكانوا يطلبون مني شرح معنى الجمل التي أنقشها على الحائط كل ليلة.

السجناء الجنائيون ليسوا «أشرارًا» كما يصورهم تلفزيون وسينما رجال الإعمال، وإنما هم بالنهاية أكثر من يتعرض للتعذيب بالسجون، وهم بالأصل أفقر فئات المجتمع.

السجون أصلًا بيوت للجنائيين، وما السياسيون سوى ضيوف علي مواطنينا الجنائيين تعساء الحظ.

اعلان
 
 
محمود أبو حديد