حكايات المقاتلين الفلسطينيين في «ولاية سيناء»‎‎
 
 
أبو خالد المقدسي
 

«…نؤكد على أن الاتفاقات الأخيرة بين المخابرات المصرية الكافرة والقيادة الحمساوية المرتدة والتي تهدف لحصار المجاهدين وتضييق الخناق على جنود الخلافة في أرض سيناء المباركة لن تجدي نفعًا، وأن القادم أعظم وأن ما كنتم تسمعونه منا بالأمس ترونه اليوم رأي العين، ونقول لعصابات حماس المرتدة أعوان الجيش المصري كفوا أيديكم عن المجاهدين وإلا فالقادم أدهى وأمر».

التحذير شديد اللهجة شغل أغلب سطور البيان المقتضب الذي أصدرته «ولاية سيناء» قبل حوالي ثلاثة أسابيع معلنة فيه مسؤوليتها عن هجوم على رتل أمني في بئر العبد، غربي العريش، أسفر عن مقتل 18 ضابطًا وجنديًا مصريًا في يوم 11 سبتمبر الماضي.

كان البيان الذي وضع حركة حماس في جملة واحدة مع الأجهزة الأمنية المصرية هو الحلقة الأحدث في سلسلة إشارات تنبئ بشعور فرع تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في مصر بضغوط متصاعدة بسبب التحسن الملحوظ في العلاقات بين مصر وحماس على مدى الأسابيع الماضية، حيث يسير التنسيق الأمني بين الأجهزة المصرية ونظيرتها في حماس على قدم وساق، لتضيق اﻷخيرة الخناق على اﻷنفاق التي تعبر أسفل حدود البلدين، وتقيم منطقة عازلة على الحدود من الجهة الفلسطينية، في موازاة تلك المنطقة التي أقامتها الحكومة المصرية على مدار السنوات الثلاثة الماضية، مقابل تعهد مصري بتخفيف الحصار على قطاع غزة وإعادة فتح معبر رفح الحدودي وتزويد سكان القطاع المحاصر بالكهرباء.

يدرك التنظيم الداعشي أن تحجيم نشاطه في سيناء يقع على رأس أهداف التعاون المصري الحمساوي، تحديدًا في ما يتعلق بتدفق المقاتلين الفلسطينيين من غزة إلى الأراضي المصرية، وتوفير التدريب والكوادر والسلاح لمقاتليه في سيناء. ولذلك فإن تأزيم العلاقات بين القاهرة وحماس، أو الضغط المضاد على الطرفين بالتساوي، أصبح يشكل أولوية متصاعدة للتنظيم خلال الأشهر الماضية.

عبّرت تلك الأولوية عن نفسها إعلاميًا في شكل إعلانات متتالية عبر وسائل الإعلام التابعة للتنظيم عن مشاركة المقاتلين الفلسطينيين في عملياته داخل سيناء، أو عملياتيًا عبر تكليف مقاتلين غزاويين بالمشاركة في تنفيذ عمليات في سيناء، كانت أحدثها عملية استهداف كمين «البرث» جنوب مدينة رفح المصرية في 7 يوليو الماضي، والتي أسفرت عن مقتل 23 على الأقل وإصابة عدد مقارب من ضباط وجنود الجيش المصري.

على هامش تلك المحاولات -وبالرغم منها- فإنه من الواضح أن عقدة المقاتلين الفلسطينيين آخذة في الحلحلة في سياق التفاهمات بين القاهرة وحماس. لكن أسئلة كثيرة تدور في الأذهان مع هذه التطورات: ماذا يفعل الفلسطينيون أصلًا بين مقاتلي «ولاية سيناء»؟ وما حجم مشاركتهم؟ وأي دور لعبته حماس في عملياتهم؟ وما مستقبل علاقة حماس بتنظيمات السلفية الجهادية داخل قطاع غزة في ضوء التفاهمات والالتزامات الجديدة مع القاهرة؟

حكايات «شهداء» غزة في سيناء

بمتابعة الوضع الميداني على مدى السنوات الأربعة الماضية يمكن الكشف عن مجموعة من الأسماء المثيرة للفضول؛ لعبت جميعها أدورًا متباينة الأهمية في مسار العمليات المسلحة في سيناء، ﻷشخاص سقطوا في المواجهات مع قوات الشرطة والجيش، التي تحبذ الدولة تسميتها بـ «قوات إنفاذ القانون»، سواء باستهدافهم عقب ورود المعلومات عن عناصر بعينها، أو محض صدفة من بين الخسائر البشرية الأخرى التي يتكبدها المسلحون.

خلال الأسابيع الماضية تتابعت إصدارات «ولاية سيناء» التي تنعي مقاتلين فلسطينيين في صفوف التنظيم تحت عنوان «قوافل الشهداء». توالت الأسماء التي تحمل كنية «المقدسي» من بين «الشهداء»: من أبو عمير المقدسي وأبو أسامة المقدسي منذ شهور، إلى أبو أسيد المقدسي، الذي نعاه التنظيم يوم 12 أغسطس الماضي، وهو من سكان مخيم الشاطئ في غزة واسمه أحمد الحلاق. ثم منذ أقل من شهر، تحديدًا في الخامس عشر من سبتمبر الماضي، نعى التنظيم «أبو خالد المقدسي»، ووزع صورته حاملًا سلاحًا آليًا، وهو محمد جمال حلمي أبو دلال، البالغ من العمر 24 عامًا، بحسب مصادر فلسطينية أفادت بأنه كان من سكان مخيم النصيرات، والتحق بـ «ولاية سيناء» قبل عام ونصف العام، عقب هروبه من قطاع غزة.

أبو خالد المقدسي

لم يوضح التنظيم أبدًا طبيعة عمل هؤلاء المقاتلين، ولا أدوارهم، ولا ضرورة استدعائهم من الجانب الآخر للحدود للمشاركة في القتال والانسحاب من ساحة نشاطهم الأصلية. لكن التقصي حول أسماء وقصص بعضهم يكشف عددًا من الملامح المشتركة بين حياة تلك العناصر.

في شهر مايو الماضي أعلنت وسائل إعلام إلكترونية مقربة من تنظيم الدولة الإسلامية مقتل الشاب الفلسطيني صبحي العطّار، أثناء تواجده في شمال سيناء للقتال إلى جانب مقاتلي «ولاية سيناء». وقالت عنه وسائل إعلام التنظيم: «كان المجاهد قد هاجر إلى الدولة الإسلامية قبل عدة شهور بصحبة عدد من شباب غزة من ضمنهم عناصر من حماس وكتائب القسام [الجناح العسكري لحماس].. وتتواصل هجرة الكثير من الشباب المخلصين من قطاع غزة لنصرة الدين وإقامة دولة الإسلام التي أعلنت الخلافة وتحكيم الشريعة وإزالة الحدود الاستعمارية».

مصادر «مدى مصر» في غزة أكدت مقتل العطار، لكنها لم تستطع الجزم بطبيعة العملية التي قُتل فيها، إذ ادعت وسائل إعلام موالية للمسلحين أن مقتله كان جرّاء قصف جوي نفذه الطيران الإسرائيلي على الأراضي المصرية، بينما لم تعلن أي من الجهات الرسمية سواء في مصر أو في الجانب الإسرائيلي عن إجراء مثل تلك الغارات.

لكن مسؤولًا أمنيًا في «حماس» يقيم في غزة، أكد على تجهيل هويته، قال لـ «مدى مصر» إن «العطار كان من أعضاء القسام، لكنه خرج من الكتائب، وسافر إلى سيناء عبر الأنفاق وعمل هناك مع المسلحين، وربما يكون ساهم في تدريبهم على عمليات القنص».

وتزامنًا مع ظهور اسم العطار واحتمالات علاقته بعمليات القنص، نشر التنظيم في أبريل الماضي تصويرًا دعائيًا بعنوان «صاعقات القلوب»، ركز على عمليات القنص المستهدفة لجنود القوات المسلحة المصرية. كما ادعى التنظيم مسؤوليته عن العشرات من عمليات القنص خلال الشهور الست الماضية.

صبحي العطار

تكتسب قصة العطّار أهميتها ليس فقط بسبب عضويته السابقة في كتائب القسّام أو لكونه متخصصًا في العمليات التكتيكية، وإنما كذلك من سيرة عائلته، إذ أنه ابن شقيق القيادي البارز في الكتائب رائد العطار.

كان رائد العطار عضوًا في المجلس العسكري الأعلى للقسّام، والقائد العام للواء رفح. وأثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، قصف طيران الاحتلال منزلًا كاملًا من خمسة أدوار ليتأكد خبر مقتل العطار. كما سبق واتهمه القضاء المصري في القضية المعروفة إعلاميًا بقضية «الهروب الكبير» من سجن وادي النطرون، حيث ادعى تورطه في استهداف السجن وتهريب المعتقلين الإسلاميين في يناير 2011، ونال حكمًا غيابيًا بالإعدام شنقًا، بعد أن كان قُتل بالفعل.

بعد عشرة أيام من إعلان «ولاية سيناء» مقتل صبحي العطار، أصدر التنظيم بيانًا جديدًا في أول يونيو الماضي ليعلن مقتل فلسطينيين اثنين آخرين من بين صفوفه: أبو عمير المقدسي (واسمه الحقيقي أحمد زقوت)، وأبو أسامة المقدسي، واسمه (فادي الحجار).

أبو عمير المقدسي

أحد هذين العنصرين، وهو فادي الحجار، كانت صورته قد ظهرت قبل إعلان مقتله في منشور وزعته كتائب القسام في شوارع قطاع غزة، حمل اسمه الحقيقي إلى جوار أسماء وصور ستة عناصر أخرى، تحت عنوان «الخفافيش المرتزقة المطلوبة لكتائب القسام».

كان من بين المطلوبين السبع المطاردين من قبل أجهزة أمن حماس أيضًا محمد أبو دلال، أو أبو خالد المقدسي، الذي سينعيه «ولاية سيناء» بعدها بثلاثة أشهر.

بيان كتائب عز الدين القسام

المصدر الأمني الفلسطيني قال لـ «مدى مصر» إن «الحجار، والعناصر الستة الأخرى، قبل هروبهم للعمل إلى جوار داعش سيناء، كانوا مطاردين من قبل الأمن الفلسطيني وكتائب القسام على السواء، وذلك بعد ثبوت تورطهم في تفجيرات 2015، بعدما أرشد عنهم زميل لهم، كان هو الآخر عضوًا في القسام». وأضاف المصدر أن حماس أطلقت بناء على ذلك حملة أمنية مكثفة للبحث عنهم، بعد توقيف القسامي الذي اعترف بتعاونه معهم، «وبعدها عرفنا أن بعضًا منهم قُتل في مصر، والبعض الآخر في سوريا».

كان قطاع غزة قد شهد في منتصف عام 2015 سلسلة تفجيرات استهدفت خمس سيارات لقادة وأعضاء بارزين في كتائب القسام، غير أنها لم تسفر عن أي قتلى. واتهم الأمن الفلسطيني التيار السلفي الجهادي بتدبير العملية، بمساعدة متعاون لا يزال عاملًا في القسّام. عقب ذلك بدأت الأجهزة الفلسطينية البحث عن العناصر الست: فادي الحجار، ومصطفى نواف، ونادر بسام، ومحمد شحدة الدلو، وعبد الرحمن أبو مغيصب، وعصام سليمان النباهين، ومحمد جمال أبو دلال، بحسب ما اطلع عليه «مدى مصر» من منشورات أمنية.

بعد شهور من حملة البحث والتفتيش، تأكد مقتل كل من فادي الحجار (أبو أسامة المقدسي) ونادر بسام (أبو عمير المقدسي) في سيناء، فيما اختلفت المعلومات بشأن محمد شحدة الدلو، إذ قالت وسائل إعلام مصرية إنه قُتل في مواجهة مع القوات المسلحة في سيناء، بينما نقلت مصادر فلسطينية عن عائلته مقتله في العراق أثناء قتاله إلى جوار تنظيم «داعش».

كانت المرة الأولى التي أعلن فيها «ولاية سيناء» صور وأسماء عناصره الفلسطينيين القتلى، ليؤكد صراحةً على وجود عناصر غير مصرية تنشط في صفوفه، في نوفمبر 2016، حين نعى التنظيم «أبو بكر الغزاوي» الذي زعم أنه شارك في الهجوم على جنود الجيش المصري بـ «كمين الغاز» بشمال سيناء في الشهر نفسه، وهو الهجوم الذي تبناه التنظيم وأسفر عن مقتل 13 جنديًا مصريًا.

أبو بكر الغزاوي

يمكن العثور على أدلة متناثرة بشأن اشتراك فلسطينيين في العمليات المسلحة في سيناء في السنوات القليلة الماضية، قبل أن يقرر «ولاية سيناء» مؤخرًا الكشف بنفسه عن عناصره الفلسطينية. بخلاف واقعتي العطار وأبو بكر الغزاوي، كان تنظيم «داعش» في طرابلس الليبية قد أصدر العام الماضي نعيًا للمقاتل الفلسطيني الغزاوي مفلح أبو عاذرة، دون الإشارة إلى أية تفاصيل أخرى.

مفلح أبو عاذرة

المصدر الفلسطيني في غزة أكد لـ «مدى مصر» أن أبو عاذرة كان أسيرًا لدى الاحتلال الإسرائيلي في الفترة بين عامي 2002 و2005. وبعد خروجه من الأسر عاد إلى غزة وعاش حياة طبيعية. وأضاف المسؤول اﻷمني الحمساوي: «بعدها لوحظ تطرفه وتقاربه مع المتشددين، وفي عام 2014 هرب من غزة وانتقل للاشتراك مع عمل المسلحين في مصر.. وظل هناك لفترة لا أستطيع الجزم بها، ثم انتقل للعمل في ليبيا، قبل أن نتأكد من مقتله إثر استهدافه بغارة جوية».

ويرجح المسؤول أن انتقال أبو عاذرة من سيناء للقتال في ليبيا نتج عن أحد احتمالين: أن يكون لعب قبل مصرعه دورًا في التواصل بين المقاتلين في سيناء ونظرائهم العاملين في ليبيا، أو أن يكون ترك الساحة المصرية «بسبب خلافات نشبت في صفوف المقاتلين في سيناء بعد تحقيق تقدمات عسكرية هامة للجيش المصري واستحالة الاستمرار في نسق العمليات الانغماسية»، وهو التعبير الذي تستخدمه داعش في أدبياتها للإشارة إلى اقتحام مقاتلها لصفوف الهدف ليقتل من يستطيع قبل أن يفجر نفسه بعد نفاذ الذخيرة.

على الرغم من وجود تقاطعات واضحة بين سيرة أغلب الغزاويين الذين انتقلوا للعمل المسلح في سيناء مع نشاط كتائب القسّام، إلا أن تلك الأخيرة لم تنفِ أو تعلق كثيرًا، على الأقل في تلك الحالات التي أعلنتها وسائل إعلام داعش، وجزمت فيها بهجر العشرات للكتائب والتحول إلى الجهاد في سيناء.

ربما تكون حالة عبد الإله قشطة هي الوحيدة التي علقت عليها حماس والقسام بشكل واضح ومنفصل. إذ نشرت وسائل إعلام عربية عديدة، وأخرى من إسرائيل في فبراير 2015، أنباء عن مقتل القيادي القسامي المنشق عبد الإله قشطة في غارة للجيش المصري على مواقع لمسلحين في شمال سيناء؛ إلا أن حماس أصدرت بيانًا، قالت فيه إن «المذكور ليس عضوا في كتائب القسام ولا في حركة حماس».

تحديد الأدوار التي لعبها هؤلاء المقاتلون في شمال سيناء قبل مصرعهم يبقى مسألة صعبة وعُرضة للتشكيك الدائم لاعتبارات العمل السري وغياب الأرشفة التنظيمية. لكن المصدر الأمني الفلسطيني يشير إلى أنه من الجائز توقع بعض المهام التي تولوها إذا ما دققنا في عملهم السابق داخل القطاع وأضفناه للمشهد العسكري في سيناء.

يقول المسؤول إن أغلب هؤلاء المقاتلين بدأوا في العمل تحت مظلة القسام أو ضمن التنظيمات الجهادية منذ سنوات، وقبل وقت طويل من الصعود المفاجئ للعمليات في سيناء. وخلال عملهم في غزة كانت لهم صلات واسعة بالتنظيمات الكبرى المنضوية تحت لواء «القاعدة»، وكان لديهم الفرصة لتعزيز عملهم الدعائي والإعلامي إلى جانب العمل العسكري بدءًا من حفر الأنفاق وحتى عمليات القنص والانغماس في صفوف قوات الهدف.

كل هذا، يضيف المسؤول الأمني، «بالإضافة إلى تدريبهم على استخدام الأسلحة النوعية كصواريخ كورنيت المضادة للمركبات ومنظومة ستريللا-2 وستريللا -3 المضادة للطائرات، وأعتقد أن هذه الأسلحة تم استخدامها لمرات عدة في رفح والشيخ زويد تحديدًا»، موضحًا أن ظهور هذه الأسلحة يعد أكثر الآثار وضوحًا لمشاركة أبناء غزة، «بالإضافة لمشاركتهم في العملية الإعلامية وهو ما يفسر الجودة الكبيرة في تصويرها وتحريرها، وكذلك فإن احتمالية مشاركتهم في التواصل مع فروع التنظيم الأخرى -لا سيما في ليبيا- تبقى قوية جدًا».

ومن خلال استعراض المقاطع الدعائية المصورة للمقاتلين في شمال سيناء، وكذلك المواد المنشورة من المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة المصرية، يمكن بالفعل رصد وجود الأسلحة التي تحدث عنها المصدر الفلسطيني، إلى جانب أسلحة نوعية أخرى مثل مدفع 14.5 عيار ثقيل المضاد للطائرات وصواريخ جراد. كما أن التنظيم المصري كان قد تبنى عملية إسقاط مروحية عسكرية في يناير 2014 مستخدمًا مضادات الطائرات، بالإضافة لإعلانه مرات عدة، مثلما حدث في يوليو 2014 وفبراير 2017، إطلاق صواريخ جراد على أراضٍ داخل إسرائيل، واستهداف المركبات العسكرية بالصواريخ المضادة للمركبات.

أحمد كامل البحيري، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والمتخصص في ملف الإرهاب والوضع في سيناء، له تقدير مختلف بشأن دور الأجانب عمومًا والفلسطينيين خصوصًا في عمليات «ولاية سيناء»، حيث قال لـ «مدى مصر» إن «نسبة الأجانب من إجمالي العناصر المقاتلة في سيناء لا تتجاوز  10 إلى 20%، وحوالي 80% من هؤلاء من الفلسطينيين».

وأضاف البحيري أنه على الرغم من أن تحليل العمليات الأمنية في سيناء يؤكد مشاركة عناصر فلسطينية في الهجمات الكبرى بدءًا من عملية كرم القواديس في أكتوبر 2014 وحتى عملية كمين البرث الأخيرة في يوليو الماضي، إلا أنه لا يوجد دليل متاح حتى اللحظة أن هؤلاء يلعبون أدوارًا قيادية، مؤكدًا أن «التنظيمات المسلحة في سيناء منذ أيام تنظيم التوحيد والجهاد وحتى اليوم يقود مفاصلها مصريون، تحديدًا من العشائر السيناوية أو عناصر تابعة لامتدادات هذه العشائر في محافظات الدلتا وخاصة الشرقية».

ويتفق تقدير البحيري حول أعداد الفلسطينيين المقاتلين في سيناء مع تقرير صدر الشهر الماضي عن مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلنطي في واشنطن تحت عنوان «جهاديو غزة وتقويض العلاقات المصرية الحمساوية»، حيث نقل التقرير عن مصدر مطلع في جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة غزة «انضمام 130 فلسطينياً على الأقل لتنظيم ولاية سيناء خلال الثلاث سنوات الماضية، بعضهم كانوا أعضاء بارزين في كتائب القسام». وأضاف التقرير أن من أبرز هؤلاء محمد حسن أبو شاويش، «وهو من كبار قادة القسام الميدانيين في رفح الفلسطينية، والذي انضم لولاية سيناء في مطلع عام 2016؛ مما شكل صدمة لحماس خوفًا من انتشار هذا الفكر بين عناصرها».

كيف بدأت القصة؟

تختلف روايات الغزاويين المتقاطعين مع القسام: سواء كانوا أعضاء وانشقوا، أو تم فصلهم من الكتائب، وانتقل بعضهم إلى سيناء أو ذهب إلى أرض أبعد. لكن بالعودة إلى الوراء في سير هؤلاء تظل التفاصيل في اختلاف حتى تتقاطع جميعًا عند العام 2009، حيث حكاية مسجد ابن تيمية وعبد اللطيف موسى وأبو عبد الله المهاجر (أو أبو عبد الله السوري في روايات أخرى).

تبدأ قصص صعود السلفية الجهادية في قطاع غزة مع عبد اللطيف موسى، أو «أبو النور المقدسي»، مؤسس جماعة «أجناد أنصار الله» ومعلن «الإمارة الإسلامية في أكناف المقدس».

تشير التقارير إلى أن بذور النزعة السلفية لدى موسى انزرعت منذ كان مقيمًا في مصر لدراسة الطب في جامعة الإسكندرية في الثمانينات. هناك تأثر بدروس مشايخ الدعوة السلفية، بالذات سعيد عبد العظيم ومحمد إسماعيل المقدم. وعقب عودته إلى غزة وعمله خطيبًا في مسجد أهل السنة في رفح، بدأ اعتناق ونقل أفكار أيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي، وكان من أوائل قيادات السلفية الجهادية الذين تبنوا فكرة إقامة دولة الخلافة وتنفيذ العمليات الجهادية انطلاقًا من الحدود الإقليمية لتلك الدولة، وليس فقط بشكل الهجوم على أراضي الخصم كما اتسمت عمليات تنظيم القاعدة قبل ظهور داعش.

على الجهة المصرية، كان الارتباط بين السلفيين الجهاديين في مصر ونظرائهم في قطاع غزة، قد بدأ منذ ظهور عمليات العنف في سيناء في النصف الأول من الألفينات، تحديدًا مع ظهور جماعة «التوحيد والجهاد» ومؤسسها خالد مساعد.

أظهرت الكثير من المؤشرات العلاقة بين «التوحيد والجهاد» وبين الامتداد السلفي في غزة، وهي العلاقة التي استمرت مع تأسيس «أنصار بيت المقدس» في 2011 قبل مبايعته لـ«داعش» وتحوله إلى «ولاية سيناء» في 2014. ووفقًا لدراسة منشورة للباحث والقيادي في «الجبهة السلفية» أحمد فريد مولانا، فإن هذه الإشارات المبكرة تضمنت عضوية عدد من السلفيين الغزاويين في الجماعة المصرية الوليدة، من بينهم ياسر وأحمد محيسن، وعلى رأسهم إياد سعيد صالح، الانتحاري الذي نفذ أولى عمليات التوحيد والجهاد حين قاد السيارة المفخخة التي فجرت فندق هيلتون طابا في عام 2004، وهي العملية التي دشنت المشهد «الجهادي» في سيناء.

ومع مقتل خالد مساعد في اشتباكات مع الشرطة في 2005 وتولي نصر الملاحي قيادة «التوحيد والجهاد»، شرع الأخير في مد الأواصر مع سلفيي غزة، ونقل عدد من أنصاره إلى القطاع للتدريب على التسلح وتصنيع العبوات الناسفة، بحسب تحقيقات النيابة العامة المصرية وقتها.

بعض عناصر «التوحيد والجهاد» التي برزت أسماؤها في تلك الفترة عاودت الظهور بين صفوف «أنصار بيت المقدس» بعدها بسنوات، ومن أبرزها توفيق فريج، وكان أحد المتهمين المطلوبين في قضية تفجيرات طابا 2004 وشرم الشيخ 2005، ونعاه أنصار بيت المقدس عقب مقتله عام 2014. كان هناك كذلك كمال علام الغول، وكان متهمًا في نفس القضية، ثم ظهر بعد سنوات في فيديو «صولة الأنصار» الذي تبنى فيه «ولاية سيناء» عملية كرم القواديس في 2014.

في عام 2005 بدأت الانتقادات السلفية ضد حماس تتصاعد، على خلفية قرار الأولى بالانخراط في العملية السياسية والقبول بخوض الانتخابات التشريعية. ومع تولي حماس حكم قطاع غزة بالكامل اشتدت انتقادات السلفيين للحركة بسبب ما اعتبروه تباطؤًا من حماس في فرض قواعد الشريعة وتواطؤًا منها في عقد اتفاقات التهدئة مع إسرائيل. انطلاقًا من هذه النقطة، بدأ عبد اللطيف موسى معارضة حماس بصورة مباشرة حتى وصل إلى تكفير قياداتها علانية.

من ناحية حماس كانت انتقادات موسى أكثر من أن تحتمل. كما أنه شكل المنافس الطبيعي لها عند الجمهور الإسلامي العريض، وقد بدأ بالفعل في استمالة المزاج العام لبعض مقاتلي القسام. ووصل الانزعاج إلى مداه عندما دعا موسى صراحةً إلى إقامة الدولة الإسلامية على الأراضي الفلسطينية انطلاقًا من غزة.

كان يوم 14 أغسطس 2009 مفصليًا في مسيرة الصراع الداخلي بين حماس والسلفيين. يومها اعتلى عبد اللطيف موسى منبره في مسجد بن تيمية برفح، وأعلن إقامة الإمارة الإسلامية، وأطلق عددًا من عناصره مرتدين أحزمة ناسفة ليتجولوا في شوارع المدينة. وهنا، أرسلت القسّام أحد أبرز قادتها، أبو جبريل الشمالي، والذي تنسب له المشاركة في أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، للتفاوض مع المسلحين المعتكفين في المسجد. وبعد انتهاء التفاوض، قُتل الشمالي عند عتبات المسجد، واتهمت القسام رجال موسى بقتله، وقالت: «قضى أبو جبريل سنوات عمره مجاهدًا في سبيل الله آملًا بأن يلقى ربه شهيدًا في مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال يمرغ فيها أنفهم بالتراب ولكن قدر الله غالب، يوم خرجت على مدينة رفح فئة باغية تكفر حركة حماس المجاهدة وحكومتها الصابرة أمام كل المؤامرات».

كان رد حماس حاسمًا وسريعًا. أُطلقت نيران كثيفة على المسجد والمباني المجاورة له. جُرح العشرات من الطرفين، وقُتل 24 شخصًا، من بينهم عبد اللطيف موسى والقائد العسكري لتنظيمه، والذي كان ناشطًا في القسام فيما مضى، أبو عبد الله السوري.

وفقًا للمسؤول الأمني، «منذ هذه الحادثة فصاعدًا، مال الكثير من شباب القسّام نحو الجهاديين، على الأقل فكريًا وليس بالضرورة تنظيميًا. من يحمل السلاح تكون أفكاره أميل للتشدد بالأساس ويكون مبتعدًا عن الميل إلى المدنية، وهذا عامل ثابت موجود دائمًا… لكن أيضًا لعبت مظلومية جماعة عبد اللطيف موسى دورها. وليس مستغربًا فيما بعد أن نجد لهؤلاء دورًا في مساعدة المتشددين في حروبهم بعد سنوات من حادثة المسجد، مثلما حدث في سوريا بعد الربيع العربي، وفي مصر، تحديدًا بعد عزل الرئيس محمد مرسي، وهذا قطعًا لم يكن فقط دون قرار سياسي من القيادة السياسية، وإنما كان مضادًا لإرادتها».

ليس أدل على ارتباط أنصار عبد اللطيف موسى بعمل المسلحين في سيناء من شخصية القيادي الشاب نور صبحي عيسى، المعروف باسم «أبو أنس المقدسي» (وأحيانًا أبو أنس الغزي)، والذي أعلنت وزارة داخلية حماس في غزة اعتقاله يوم الجمعة الماضي، 6 أكتوبر الجاري. وبحسب بيان إياد البزم، الناطق باسم وزارة الداخلية في غزة، فإن عيسى البالغ من العمر 27 عامًا يعد «أحد أهم المطلوبين في القطاع المعروف بولائه لتنظيم داعش»، وقد اعتقل في منزل بحي السلام، شرق مدينة رفح بالقرب من الحدود مع مصر. وصرحت مصادر مطلعة بأن عيسى كان يخطط لمغادرة غزة إلى سيناء بعد تعرضه للملاحقة من أجهزة حماس الأمنية لمدة تجاوزت العام.

كان مصدر سياسي من حماس قد وصف عيسى، في مقابلة مع «مدى مصر» سابقة على اعتقال الأخير، بأنه «أحد تلاميذ عبد اللطيف موسى، وكان من المتحمسين لإقامة الإمارة الإسلامية في أكناف بيت المقدس. ومنذ سنوات وهو من المطلوبين للأجهزة الأمنية في غزة، وتطارده كل من حماس والقسّام، وهو أحد المطلوبين للأمن المصري، بعد اتهامه مباشرةً بالتورط في عملية خطف الجنود المصريين في مايو 2013».

وعقب أسابيع من الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، نقلت الصحف المصرية تسريبات منسوبة إلى المخابرات الفلسطينية في رام الله اتهمت نور عيسى، وجهاديًا فلسطينيًا آخر، بتنفيذ عملية اختطاف سبعة جنود مصريين في سيناء، قبل إطلاق سراحهم في غضون بضعة أيام. وفيما زعمت الوثائق المسربة أن عملية الاختطاف كانت بتحريض من كل من الإخوان المسلمين في مصر وحماس في غزة، فإن أمن حماس كان بالفعل قد كثّف البحث عن عيسى، الذي تشير التقارير إلى أنه تنقل مرات عدة بين قطاع غزة وسيناء وليبيا في السنوات التالية قبل اعتقاله الأسبوع الماضي.

أما عيسى نفسه، فلم يفوت الفرصة للهجوم على حماس، والتحدث بوضوح عن صراعه الداخلي مع أجهزة الأمن الحمساوية. فقال في حوار أجراه معه مركز ابن تيمية للإعلام (أحد المنابر السلفية الجهادية العاملة في غزة) في فبراير الماضي: «نواصل جهادنا، ونحرص أن تكون البوصلة باتجاه اليهود، ما حرصت حماس على الكف عن دمائنا، فإن لاذت بغيرها فلكل حادث حديث وللظالم يد حاصدة… الحقيقة أن هذه المحاربة لأولياء الله من المجاهدين السلفيين امتدادها منذ عشر سنوات لم تتوقف البتة. لكن منذ سنة ونصف تقريبًا باشرت أجهزة أمن حماس متبجحة بقدرتها فاعتقلت وعذبت […] لابد أن نذكر صور من ممارسات أجهزة أمن حماس مع الدعاة والمجاهدين وندّخرها ليوم قصاص».

التفاهمات مع الأمن المصري ومسؤولية حماس

اعتقال نور عيسى نهاية الأسبوع الماضي على يد داخلية حماس كان الأحدث ضمن تطورات متلاحقة تشير إلى ازدياد التعاون الأمني بين مصر وحماس في سياق التفاهمات السياسية والأمنية بين الطرفين.

التفاهمات نفسها كانت قد بدأت تؤتي ثمارها في الأشهر القليلة الماضية. فقد كشفت مصادر أمنية في غزة أن المخابرات المصرية سلمت لأجهزة الأمن في غزة في منتصف يوليو الماضي «أدلة مادية حول قيام عناصر منشقة عن الجناح المسلح التابع لألوية الناصر صلاح الدين، أحد الفصائل المسلحة في قطاع غزة، بالتخطيط للقيام بعمليات ضد اسرائيل عبر سيناء». ووفقًا للتقرير نفسه فإن أجهزة الأمن الداخلي التابعة لحكومة حماس قامت بناءً على هذه المعلومات بتاريخ 23 يوليو الماضي باعتقال يوسف أبو زور، قائد وحدة الانتحاريين في ألوية الناصر صلاح الدين، وآخرين معه.

في السياق ذاته شهدت الحدود المصرية مع غزة واقعة غير مسبوقة في أغسطس الماضي، حين قام شاب من رفح الفلسطينية في التاسعة عشر من عمره بتفجير نفسه بحزام ناسف في دورية تابعة لحماس أوقفته على الحدود مع مصر أثناء محاولته عبور الحدود لينضم لصفوف «ولاية سيناء»، حسب تصريحات داخلية غزة، ما أسفر عن مقتل كل من الانتحاري وعنصر أمني تابع لحماس وإصابة آخرين.

لكن المصادر الفلسطينية تصر على أن هذه التطورات تأتي في سياق مواجهة حماس مع «المتشددين» في قطاع غزة والتي لم تنقطع منذ 2015. ومع إقرار تلك المصادر بوجود علاقات سابقة بين القسام وأغلب المقاتلين الفلسطينيين في «ولاية سيناء»، إلا أنها تؤكد أن هذه التداخلات لم تكن وليدة أي قرار سياسي تنظيمي، سواء من قبل الحركة أو الكتائب.

المسؤول الأمني الفلسطيني يقول: «في كل الأحوال لم تكن حماس مسؤولة عن انتقال المقاتلين من القطاع إلى مصر، أو إلى غيرها سواء في ليبيا أو سوريا. الأكثر من ذلك، فإن أغلب المنتقلين تعرضوا للمطاردة أو التوقيف من قبل الجهات الأمنية. وهذا أمر ثابت منذ سنوات عدة.. هناك قناعة واضحة لدى سياسيي غزة أن وجود تنظيمات تعمل في كنف القاعدة أو داعش هو تهديد لأمن المقاومة ولوضع القطاع ككل». لكن على الجهة اﻷخرى، يعترف المسؤول أن «وتيرة ملاحقة العناصر المتطرفة المقيمة داخل القطاع تعرضت لصعود وهبوط مرتبط بوضعية الصلة مع الطرف المصري، وفي سياق هذه العلاقة كان معتادًا، ولا زال مستمرًا حتى اللحظة، أن يطالب الطرف المصري بضبط بعض العناصر.. وعادةً ما كانت الحركة تتعاون، أو على الأقل لا تعرقل جهود المصريين».

يتفق البحيري، من مركز الأهرام، مع هذا التقدير: «لا توجد أي دلائل على وجود قرار تنظيمي من حركة حماس بالعمل إلى جانب التنظيمات التكفيرية في سيناء. لكن الحركة كانت تساعد تلك التنظيمات بشكل غير مباشر في وقت سابق، عبر غض النظر عن انتقال الأفراد من وإلى القطاع، وذلك يعود لسببين: الأول، رضوخًا لنفوذ تنظيمات السلفية الجهادية داخل القطاع، قبل أن ينفجر الوضع بينهما في الشهور الأخيرة. والثاني: لاستخدام المسألة كورقة ضغط ضد النظام المصري، الأمر الذي انتهى بالوصول إلى مفاوضات ناجحة بين الحركة والنظام المصري بالفعل».

في السياق نفسه، قال المتحدث الرسمي باسم حركة حماس فوزي برهوم لـ «مدى مصر» إن «هناك قاعدة ثابتة لدى حماس، أن الحركة هدفها الوحيد هو الاحتلال الإسرائيلي، ومساحة العمل المتاحة فقط هي أرض فلسطين، وليس شبرًا واحدًا في الخارج، بما في ذلك اليهود خارج الأراضي الفلسطينية».

ويستطرد برهوم، الذي شغل في السابق منصب رئيس هيئة التوجيه السياسي والمعنوي في وزارة الداخلية والأمن الوطني بحكومة حماس حتى عام 2011: «كل من عمل مع الخلايا المسلحة إما كان مفصولًا من الحركة، أو خارجًا عنها أو ليس من أبنائها بالمرة.. وعندما تسلم الإخوة [في حماس] قائمة من أجهزة الأمن المصري بأسماء البعض، قاموا بتصنيف هذه الأسماء أمام الطرف المصري، وصنفت على ثلاثة أساسات: إما مفصولين، أو مطلوبين للأجهزة الفلسطينية، أو لم يمروا على الحركة في أي لحظة من اللحظات».

إن كانت المنافسة على السيطرة على الأوضاع الداخلية في قطاع غزة لعبت دور العامل الثابت في تأجيج الصراع بين الجماعات السلفية الجهادية وحركة حماس، فإن العلاقات مع الأجهزة الأمنية المصرية لعبت دور العامل المتغير بحسب التغيرات في العلاقات عمومًا والتغيرات الطارئة على الخريطة السياسية الإقليمية.

يقول برهوم: «من الأهداف السياسية لحماس إيجاد عمق عربي متين يدعم القضية الفلسطينية ويلعب دور الظهير السياسي للشعب الفلسطيني، وكانت مصر بالنسبة لنا دائمًا رقم واحد في هذا العمق». ويضيف أنه بعد سقوط مبارك في 2011 حدثت فجوة وأزمة سياسية واضحة بين الطرفين، «على الرغم من كوننا أبرياء من كل التهم التي روجت لها وسائل الإعلام المصرية، لكن الرغبة في استبدال العدو بحماس بدلًا عن الاحتلال الإسرائيلي كانت قوية جدًا».

ويقر برهوم في تصريحاته لـ «مدى مصر» بصحة التحليلات التي تشير إلى قرب طيّ تلك الصفحة بالكامل: «في كل الأحوال، حماس نجحت في استعادة الثقة مع أجهزة الدولة المصرية على المستوى السياسي والأمني، واستعادت خطوط التواصل التي كانت مقطوعة بالفعل».

وخلال الشهور الماضية تكررت زيارات الوفود الرسمية من حركة حماس إلى القاهرة، وكان آخرها مطلع سبتمبر الماضي، حين وصل وفد رسمي كبير من الحركة ضم رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، في أول زيارة رسمية له إلى القاهرة منذ انتخابه، وكذلك رئيس المكتب السياسي في غزة يحيى السنوار ونائبه خليل الحية، وعضو المكتب السياسي موسى أبو مرزوق، بالإضافة لعدد من قيادات القسام. وتناولت الزيارة عددًا من الملفات من بينها إدخال الوقود إلى القطاع، وملف المصالحة الفلسطينية، ومتابعة الإجراءات الأمنية على الحدود المشتركة.

مدير المخابرات المصرية خالد فوزي في لقاء مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في مكتب الأخير بقطاع غزة – أكتوبر 2017 - المصدر: موقع حركة حماس

وكانت الزيارة الأولى في السياق ذاته قد تمت في يناير الماضي وشارك فيها إسماعيل هنية، قبيل انتخابه رئيسًا للمكتب السياسي للحركة. تبعتها زيارة ثانية في يونيو شارك فيها السنوار وتوفيق أبو نعيم وكيل وزارة الداخلية في القطاع، وجرى خلالها التفاوض من أجل الإفراج عن أربعة من أعضاء القسام لا يزالون قيد الاعتقال في مصر منذ 2015 وحتى اليوم، بالإضافة لترتيب بعض الإجراءات الأمنية المشتركة. وفي يوليو الماضي استقبلت مصر وفدًا بمشاركة القائد العام لكتائب القسام مروان عيسى وعضو المكتب السياسي للحركة روحي مشتهى، أعقبها البدء في مشروع إقامة المنطقة العازلة من الجانب الغزاوي على الحدود مع مصر، كما شهدت بعض الترتيبات الهادفة لعقد صفقة جديدة لتبادل الأسرى بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي.

يضيف برهوم: «في كل هذه اللقاءات وضحنا للجانب المصري أنه لا وجود لأي قرار سياسي باستغلال الساحة المصرية لأهداف ضد الجيش المصري أو أيٍ من أبناء مصر، وكل ما طلبه المصريون في الشق الأمني تم تنفيذه، خاصة على مستوى ضبط الحدود. ونشرت قوات الأمن الوطني قواتها على الحدود ووضعت خطة كاملة عُرضت تفصيلًا في لقاء الوفد الأمني الفلسطيني مع السلطات المصرية، والتي تتضمن إقامة منطقة عازلة على الحدود مع مصر ونشر كاميرات مراقبة.. وتشكل هذه الخطة الآن أولوية لدى الحركة».

وشرعت الأجهزة التابعة لحركة حماس بالفعل في أواخر يونيو الماضي في إقامة منطقة أمنية عازلة على طول الحدود مع مصر بطول 12 كيلومتر وعمق 100 متر. ومن المقرر أن تنتهي إقامة المنطقة العازلة بتمهيدها وتركيب كاميرات وأبراج للمراقبة لتشكل منطقة أمنية مغلقة، وذلك بعد إزالة المنازل المقامة على الشريط الحدودي وتعويض سكانها، وذلك وفق تصريحات اللواء توفيق أبو نعيم وكيل وزارة الداخلية الفلسطينية.

على كل الأحوال، يبدو أكيدًا أن ثمّة تقارب استثنائي يحضر له بين الأجهزة الأمنية المصرية والحمساوية في قطاع غزة، عنوانه الأوضح المصلحة المتبادلة: ضبط الحدود ومنع تسلل العناصر المسلحة من وإلى القطاع، بحسب الإرادة المصرية، وإحكام الخناق على التيار المناكف لسلطة حماس، بحسب الإرادة الفلسطينية. وفي حال تقدمت التوقعات بعقد اتفاقات أكثر شمولًا، قد تشمل تخفيف وطأة الحصار عن القطاع، أو حتى إشراك الطرف المصري في إدارة الملف الاقتصادي في غزة، فإن المسألة الأمنية ستكون هي النقطة الفاصلة في الطريق نحو مزيد من التقدم في مسيرة التعاون واستعادة العلاقات، أو دحرها تمامًا.

اعلان