تدوينة عن النزول للأسفل: ماء مالح يملأ رئتي

الماء المالح يملأ رئتيّ. قدمي تتخبط بحثًا عن أرض بالأسفل ولا تجد. تتراكب أصابعي وتتشنج عضلاتي. كتفي ثقيل ويؤلمني وحنجرتي مسدودة. عضلاتي كلها تتداعى. تنغلق عيني وأرى أمي أمامي ترتدي الأسود وصوت القرآن في البيت. أرى أبي وأختي وصديقي، هناك بالخارج، حيث توجد أرض بالأسفل.

عند انتهاء كل مرحلة وبداية مرحلة تالية، أبدأ في إدراك جديّة الأمر. في البداية كنت أبتسم بخجل، الآن أبكي. ليست محاولة فاشلة أخرى، ولا حادث عارض. إنه هو؛ الموت بذاته أمامي.

أبدأ في النزول، كأني مسجى على الأرض، في وضع أفقي أنزل درجات ما. عقلي أيضًا ينزل درجات أخرى للأسفل، نحو الظلام. وتبدأ التشنجات في الارتخاء مع كل درجة. لا أسمع أصواتًا. لا أرى شيئَا، فقط أضواء مبهرة وبياضًا ناصعًا، واستسلامًا تامًا.

كل درجة أنزلها تكتسي بغلاف فضي، يشبه الزئبق، ثم أراه ينشقُّ ليد بشرية، تأخذني من الأسفل نحو السطح. ينتهي السلام، أسمع صوت الأمواج، التي تضربني على ظهري، وأظافر المنقذ تخمش كتفي ويدي.

ثم الغرفة الباردة ذات الأضواء البيضاء في المستشفى.

رسمة: هناء فكري

منذ عشر سنوات، قال لي طبيب نفسي إني أعاني عدة أضرار نفسية. اكتئاب، يعبر عن نفسه بآلام نفس -جسمية، تدفعني نحو القلق المرضي، تزيد الآلام النفس- جسمية، وتأتي أعراض ذبحة صدرية كاذبة، ولا أستطيع التفكير سوى في أن قلبي سيتوقف الآن.

لديّ حالة اسمها «داء التوهم المرضي»، مصحوبة باكتئاب واضطراب القلق. أسقط، يأخذونني إلى المقبرة، يغلقونها عليّ ويتركونني وحدي ويذهبون، يواصلون الحياة.

عادة، عندما أتخلى عن العلاج، أو عندما لا يكون مناسبًا، أو حتى قبل اكتشاف علتي، كنت أنام يوميًا بشعور أكيد أني لن أستيقظ. سأموت قطعًا وأنا نائم: يا ليت أحدهم يكتشف الأمر سريعًا ولا أبقى نائمًا في أذهان الناس كثيرًا.

لم يكن الأمر مؤرقًا لي. خوفي الهيستيري من فقدان الحياة يحمل، في وجهه الآخر، رغبة خفية في النهاية. عندما أضجر من طبيبي النفسي، أو يزيد وزني ويشكو الآخرون من صوت شخيري، أو أفقد بعض المشاعر الإنسانية، تحت وطأة مضادات الاكتئاب، أسأل نفسي: مم أخاف؟ الموت بأزمة القلب؟

حسنًا، فليكن، فلينسد الشريان الكبير، ولتحتشي عضلة القلب ثم تتوقف. ياللا مش مهم.

أدخن بشراهة. آكل السجائر أكلًا. أتجرع الكوليسترول. أبدأ البحث عن الأساليب الأجدى؛ قفزة من البلكونة ربما تفي بالغرض، وهي لا تحتاج الكثير من الشجاعة. أقل من ثانية، ثم لن يكون القرار في يدي، لن أستطيع مراجعة القرار وأنا في الهواء.

تلمع عيني سعادة بشجاعة قراري. أُعجب بنفسي. تمر بعض الكركبة السلوكية. ثم أكتشف للمرة الألف أني لست بهذه الشجاعة. ما زلت مريضًا ببعض مشاعر التعلق. فجأة أتذكر آخرين. لا أريد لأبي أن يدفنني، ولا أن تفقد أمي ابنها، ليس أنا، المشكلة ليست فيّ أنا تحديدًا، المشكلة في «ابنها».

أشعر بالغضب لأن هذه القفزة تنفي ما أعرفه جيدًا؛ أن التعافي قرار، بينما المرض ليس قرارًا، ولا أتمناه لأكثر أعدائي استحقاقًا. لا حيلة لنا في مرضنا. لكن تجاوزه لا يحتاج إلا لإفساد تنظيراتي حول الأمر، والتي تبدو كثيرًا ذكية ومختلفة وخلّاقة: حق الإنسان في تحديد مصيره وإنهائه للحياة، الحق في مواصلة التمتع بالأعراض المرضية.

عندما أعرف أن أحدهم نال من نفسه بشجاعة، لا أشعر بالغيرة منه، بل بالغضب. الأمر ينطوي على إنكار ما أعرفه جيدًا. لا شجاعة في الأمر، بل هو تجسيد للمعنى البدائي للأنانية، ليس لأنك ستقرر ألا شيء آخر مهم، وأن الضروري الآن هو وضع حد للحفلة، بل لأنك لا تفكر سوى في النهاية، لا ترى شيئًا آخر سوى التعب، وهذا يعني أنك لا تدرك جميع التبعات وتقرر بوعي كامل عدم أهميتها. على الأقل هذا ما يصدّره عقلي لي، ربما كحيلة دفاعية للتمسك بغريزة الحياة.

لست هنا لأقول إن الجميع كذلك، أو أنه يجب عليهم الشعور بذلك، هذا فقط ما يحدث داخلي.

***

نحن هنا. لا نستطيع المواصلة ولا نقوى على الحسم. لا مسكنات، لا تحاليل تُظهر أعطالنا، ولا مقاييس متاحة للألم. لا نستطيع حبس أنفسنا حتى تنتهي نوبة الهلع. لا نستطيع التوقف عن الخوف. لا نستطيع احتجاز الخوف عند حدودنا الشخصية فلا يمتد لآخرين، وإنما نفسد الآخرين بالضبط كما فسدنا نحن.

يا أي أحد.. نحن هنا، وهذه هي المشكلة.

اعلان