«مخدومين»: مربعات الحصار والتورط!
 
 

في فيلمه السابع «مخدومين»، يستكمل  المخرج اللبناني ماهر أبي سمرا ما بدأه في أفلامه السابقة من الكشف عن المعاني المتعددة للحصار، مطوّعًا أدواته ليعبر بالمُشاهد من قضية خاصة إلى مشهد مدينة بأكملها، مُكثفًا مهارته في حيزٍ ضيق ليصل بمشاهدي فيلمه، ليس فقط لإدراك معني الحصار، بل التورط الكامل فيه.

لدى ماهر أبي سمرا شغفٌ خاص بفهم معنى الحصار وتفكيكه، فيما يتعامد مع اختياره للمكان كمتغير فاعل في سبر أغوار ذلك الشغف.

في الندوة المصاحبة لعرض فيلم «مخدومين» بمهرجان «أيام القاهرة السينمائية»، قال:«عادة أختار مكانًا وأمكث به، أتعارك معه وأحبه ثم أجعل الكاميرا جزءًا حميميًا من الحدث، بما يفوق ربما السرد الروائي ذاته.»

هذا ما فعله في فيلمه «دوار شاتيلا»، والذي دار في المخيم الفلسطيني المقام عام 1949 بطول كيلومتر واحد وعرض 600 مترًا؛ حيث تجولت الكاميرا في مساحة 150 مترًا منه لترصد يوميات القاطنين هناك، كأنها أحد سكان المخيم ذاته.  وفي فيلم «نساء من حزب الله»، قدّم المخرج قصة سيدتين يحاصرهما انتماؤهما الحزبي، ومن خلال فيلمه «كنا شيوعيين»، قدّم الرغبة في الانعتاق من الانحصار في أسر أيديولوجيا بعينها.

أما فيلمه «مخدومين» فيبدو أن فكرته نشأت عن مصادفة في أحد المقاهي جمعت المخرج بزين، مدير أحد مكاتب استجلاب العاملات بالمنازل، مصادفة دفعت المخرج لتكشُّف معنى الحصار في تلك القضية المجتمعية الشائكة. ولأنه مولع بالمكان كفاعل درامي في حد ذاته، اختار أبي سمرا مكتب زين، لتمر عبره كافة أحداث الفيلم.

كيف تقودنا الكاميرا لمعنى الحصار؟

يروق للمخرج هندسة المكان باستخدام كاميرته، التي تُقسم الكادرات لماكيتات بحسب مقاييس رسم صارمة، ما يحوّل الكاميرا في النهاية لما يشبه المهندس المعماري، ويتجلى هذا في كثير من كادرات الفيلم المحبوسة داخل مستطيلات.

من مشهد البداية، نجد الكادر الافتتاحي مربعًا ثابتًا وبداخله صور متتالية لسيدات منزل، وعلى الجانب تقف العاملات المنزليات.

بعدها تُعرض الشخصية الرئيسية، زين، مدير مكتب استجلاب العاملات، في كادرات مربعة الشكل يبدو هو بداخلها محاصرًا، سواء من قِبَل النافذة المربعة من خلفه، أو شاشة التلفاز التي يطيل النظر إليها. كاميرا المخرج أوقعت زين، ودون أن يدري، في فخ أن يصبح هو ذاته «محاصرًا»، بلا مجال للهرب إن أراد.

تنتقل بنا الكاميرا لنسمع أصوات المشاركين في الفيلم من خارج المكتب، وذلك من خلال نوافذ منازلهم المربعة هي الأخرى.

في نهاية الفيلم، وعبر كادرات متتالية، تصل الكاميرا لذروة توظيف فكرة «المربع»، حيث تبدو الكادرات كأنها نيجاتيف فيلم يتم كرُّه على يد شخص غير مرئي في معمل للتحميض. نرى صورة لبيروت على هيئة أطر أسمنتية عملاقة تتقازم حتى تبدو أشبه بعلب كبريت تحمل لوحات إعلانية مربعة فوق أسطحها، فيما يربط بين توحش رأس المال وقانون العقارات الذي يجرّم وجود نوافذ بغرفة الخادمة.

ينتهي هذا الجزء من الفيلم إلى أطر أضيق تُسكَّن فيها أضعف حلقة في دائرة القهر؛ نساء فقيرات لا يملكن وسيلة للبقاء سوى القفز من النافذة.

يتكثّف إحساس الحصار أكثر في مشهد التكالُب اللفظي على إحدى الفتيات العاملات التي تعلن عن رغبتها بالعودة لقريتها حيث يعيش والدها، فتنهال عليها، بينما لا نراها، كلمات كطلقات رصاص من صاحبة البيت وابن صاحبة البيت وزين، مدير المكتب، ومعهم رفيقة مأساتها التي تخونها بعدم ترجمتها الصحيحة لما تريده وبانضمامها للجبهة الأخرى.

لا تتم محاصرة الفتاة في المشهد السابق لفظياً فحسب، بل يتم تغييب حضورها بالكلية فلا تظهر على الشاشة. يبرَّر الغياب الجسدي للعاملات، من قبل سيدة في الفيلم بأن «الخادم أو الخادمة ياللي بيعرفوا يشتغلوا شغلهن هني اللي بيشتغلوا عالسكت، ما بنحس بحضورهن، بيصير وجودهن خفي». تؤكد أخرى على هذا المعنى بقولها: «لما تكون سود، من ثقافة تانية ولغة تانية، بيساعد يعني، هدا الشي بيخفف من حضورها.حتى يمكن، ما بعرف، لتحافظ على خصوصيتك ببيتك، يعني لازم شوي هيك تنفي أو تلغي وجودها».

لكن رغم الهندسة الشديدة للصورة في كادرات ماهر أبي سمرا، فإن الحوارات لم تكن على هذا القدر من التنميق، وإنما ترك الفيلم للمشاركين مساحات يتحدثون فيها كما يتراءى لهم، لتبدو اللغة أشبه بنشرة أخبار عشوائية، تفرض بدورها حصارًا آخر، معنويًا، حول المشاهد، كما كان الحال في فيلمه السابق «دوار شاتيلا».

الزمن كعامل أساسي في «مخدومين»

رغم انشغال الفيلم بمفهوم التأطير، إلا أنه لا يمنحنا إطارًا زمنيًا واضحًا؛ نحن محاصرون في مربعات ضيقة متتالية ندور في فراغها تزيد من قلقنا بسبب عدم وجود خط زمني محدد، نستدل به على مرور الأحداث. لكننا نشعر بوطأته الشديدة، في الفيلم بشكل عام، وفي مشهد شرح آليات استجلاب العاملات والتحليل التفصيلي لديناميكية عمل زين بشكل خاص، بسبب إطالة المخرج المتعمّدة لهذه المشهد، ليوظف فكرة الزمن لحصار المُشاهد.

بدا هذا المشهد طويلًا ومملًا وكأن المشاهد يجلس في محاضرة يخاطب فيها المحاضر سبورته، حيث، بدلًا من السبورة، خاطب زين نافذته المربعة، كما لو كان يشرح لجمهور غير مرئي من  الطلاب بأسلوب مدرسي عقيم.

رغم إحساس الملل، إلا أني أعتقد أن الإطالة هنا لَعبت دورًا إنسانيًا في تسليط الضوء علي جانب من شخصية زين، حيث نرى فيه مجرد شخص مخلص لعمله المطلوب في «سوق» يتوحش حوله، ويتصادف أنه مارسه بالفعل في سن صغيرة، فحوّل ما أجاده كحيلة للبقاء، إلى تجارة لا يعرف شيئًا سواها، ويجد المشاهد نفسه يتعاطف معه وينزع عنه صفة «الشر المطلق» أو أي وصم أخلاقي آخر.

 

لم يقع الفيلم في فخ تناول قضية العمالة المنزلية تحت مظلة فضائحية، ذلك الإغواء الذي يستدر تعاطفًا مؤقتًا لكنه لا يلبث أن يتبخّر بمجرد الخروج من قاعة العرض.

من ناحية أخرى، لا يستهدف الفيلم كذلك تحقيق انتصار يُشيطَن من خلاله المخدومون، بل على النقيض من ذلك يجعلهم الفيلم عالقين ومحاصرين أيضًا. رغم ما لديهم من امتيازات طبقية، إلا أن احتياجهم للعاملات بالمنزل يُعرّي بعدًا آخر من طبقتهم الهشة. يدفعنا الفيلم نحو مساءلة كيان أكبر، أيًا يكن، يمارس حصارًا ممنهجًا علي كافة الأطراف، كلٍ على حسب خارطة امتيازاته.

يتجلى ذلك في مشهد ثابت وغاية في التكثيف، للوحة إعلانية تطل عليها نافذة مكتب زين، وتظهر فيها فتاة شقراء بمقاييس الجمال المصطنعة، وبحجم يماثل الحجم الطبيعي للإنسان. وفي نفس الكادر نرى زين واقفًا ومتصدرًا قلب الشاشة، وكأنه يستكمل سلالة العمالقة، في حين يظهر بجانب اللوحة الإعلانية ظلُ رجلٍ بلا ملامح، متكورًا علي ذاته وقابعًا في زاوية اللوحة، بالتزامن مع دخول عاملة سوداء بشرة لا يظهر منها سوى يدها. كل ذلك في نفس المستطيل الضيق لنفس المكان، فكأنهم جميعًا، ورغم اختلاف ماهياتهم ومواقعهم، تروس في دائرة التورط والحصار.

عن كاميرا ماهر أبي سمرا

في فيلم «مخدومين» يعيد ماهر ما سبق وقدمه في «دوار شاتيلا»، فنحن أمام كاميرا لا تتلصص أو تقتحم المكان عنوة، وإنما هي فرد يعبر الشارع رافعًا رأسه ومنصتًا لما يدور خلف النوافذ دون استراق النظر، ثم يجد نفسه بداخل أحد المنازل ليصبح صديقًا حقيقيًا للعائلة.

يتجلى مفهوم «أنسنة الكاميرا» لدى ماهر أبي سمرا في مشاهد تعبر فيها الكاميرا بخفة بين نوافذ مفتوحة على مصاريعها وأخرى مسدلة الستائر، أو شرفة كبيرة يلتف فيها أفراد العائلة حول تلفاز يتحاورون، لتصبح الكاميرا فردًا من العائلة دون إقحام أو تطفل.

لهذا، لا نشعر بارتباك أي من المشاركين الواقفين أمام الكاميرا، أو باصطناع أحدهم مثلًا في ردوده؛ هم فقط يواصلون عملهم غير مكترثين بالكاميرا، والتي تلعب مجددًا في المشهد دور الفرد الحميمي، وكأنها صانع القهوة الذي يعلم كل أسرار العمل، فلا يفشيها ولا يدين بالولاء والثقة إلا لرب عمله.

*هذا النص نتاج ورشة أدارها الناقد التونسي طاهر الشيخاوي، على هامش فعاليات مهرجان أيام القاهرة السينمائية (مايو 2017) ومدى مصر ينشره بمناسبة إعادة عرض الفيلم في سيماتيك مركز الفيلم البديل في 10 أكتوبر 2017

 

اعلان
 
 
ريهام عزيز الدين