Define your generation here. Generation What
«رقص التواصل الارتجالي»: أن يكتشف الجسد نفسه
 
 
المصدر: Marie Angele Baffin
 

ما هي الحدود التي يمكن للجسد الذهاب إليها، إذا ما تُركت له أبواب اللاوعي مشرَعة؟ ماذا سيحدث إذا استبعدنا مؤثرات الثقافة السائدة بصورها الذهنية الثابتة، وحتى موسيقى العرض الأدائي، وتركنا له المساحة ليعبر عن نفسه من الداخل للخارج، غير مجبر على مطابقة سيناريو مُسبق، أو رؤية معينة لمخرج العرض.

طرح هذا السؤال، الراقص الأمريكي، ستيف باكستون (78 عامًا) في سبعينيات القرن الماضي، واضعًا مع آخرين عدة تعريفات لرقص «ارتجال التواصل الجسدي»، اتفقت كلها  على غياب التحكم، بينما لم تُجمِع على تعريف وحيد ثابت للمفهوم.

يُولي رقص ارتجال التواصل؛ أهمية للحركة اليومية المعتادة وغير الفريدة. وحسب هذا المفهوم؛ يمكن لأي شخص دون خبرة سابقة وبتمرينات أساسية بسيطة أن يصير راقصًا. عليه فقط أن يعرف كيف يترك لنفسه العنان في التواصل مع ظروف العرض المحيطة من مكان وزمان، وكيف يثق ويتعاون مع زميله لإخراج الرقصة.

في تعامله مع مفهوم الجنوسة، يؤمن رقص الارتجال التواصلي، كسائر مدارس الرقص الحديث في أوروبا، بمبدأ التجريب، فلا يشترِط أن تكون الرقصة بين رجل وامرأة، أو بين مجموعة من الرجال، أو مجموعة من النساء فقط. يمكن أن يقدمها أي عدد من أي نوع اجتماعي، أو مجموعات تتداخل مع بعضها البعض.

في المحاضرة التي عُقدت بالمعهد الفرنسي بالقاهرة يوم 25 سبتمبر الماضي، لتدشين برنامج عروض رقص ارتجال التواصل، التي ينظّمها المعهد ضمن برنامج «منا» المدعوم من الاتحاد الأوروبي، وبالتعاون مع السفارة البلجيكية، ألقت باتريشيا كيبورز، المدربة ومصممة الرقص، مداخلة أرّخت فيها لبدايات هذا النوع من الرقص، وروافده من ممارسات اليوجا والتأمل والفلسفات الشرقية كالبوذية تحديدًا. كما شرحت كيف كان لاختراع الفيديو واستخدامه في تسجيل وإعادة اكتشاف ما جرى على المسرح بين الراقصين، أثرًا في التفكير في الاحتمالات الكثيرة للحركة غير المرتّبة، ما يولّد أسئلة تتجدد باستمرار، ويفسّر عدم أفول طابعه التجريبي.

«النعومة والقوة» هو المبدأ الأساسي لرقص الارتجال التواصلي، كما تقول كيبورز. لا يجب افتعال أي شيء. فما يتدرب عليه الراقص لفترة طويلة، هو كيفية تحرير جسده، وتسليمه ليد الميتافيزيقا. كيف يسقط و كيف ينهض؟ كيف يحمي جسده دون بالضرورة أن يضمن حماية الشريك.

بالتسليم لإرادة الرقصة، التي تكتب نفسها بنفسها دون تدخّل أي سلطة؛ تنتهي الأدوار القديمة المحددة سلفًا للراقصين في الثقافات السائدة. لا مكان للمُسَلَّمات على خشبة المسرح. يمكن مثلًا لشابة ضئيلة الجسد رفع رَجُل أثقل منها باعتماد وضعية معيّنة. فرقص ارتجال التواصل يحاول اكتشاف قدرة الجسد غير الملموسة في حال تعاونه مع الأجساد الأخرى.

في مقطع فيديو عُرض في المحاضرة، يستخدم باكستون، مجسدات زجاجية، حرَّك عليها جسد الراقص العاري، الذي استرخت عضلاته كما لو أنه يسبح أو يطير، مستسلمًا لأن يكون جسده هو مسرح العرض. وفي تجربة أخرى، صوَّر باكستون نفسه وهو ينحني ويميل ملاعبًا الجاذبية الأرضية، كأنه يريد أن يعرف: ماذا يحدث للّحم والعضلات حين لا يكون الجسد في حركة؟

محاولة تخيّل حركة الجسد في حال عزله عن مؤثرات التنشئة والمحيط، هي من لب تفكير مصممي رقص الارتجال التواصلي. ولأن تنحية الثقافة السائدة من الرأس أمر شبه مستحيل، عزَل باكستون نفسه بعيدًا عن الحياة الأمريكية، فعاش كالرهبان لا ينخرط إلا أثناء العروض، كما لو أنه يُفرِّغ نفسه من المجتمع. لهذا السبب أيضًا يصّر راقصي الارتجال التواصلي، على الاستغناء عن المقاطع الموسيقية، لأنها توجّه الراقصين لحركات معينة، ما يُفسِد الارتجال.

بعد مداخلتها، أدّت باتريشيا كيبورز ، رقصة مع الفرنسي فرانك بوبوا، مدرب الرقص الملازم لها منذ عشرين عامًا في عروضها التي تقدمها حول العالم. لم تستخدم كويبرز موسيقى، بل اعتمدت على شريط صوت سجّلته سلفًا تصف فيه الرقصة المعروضة.

احتوى العرض الذي امتد زمنيًا لنصف الساعة تقريبًا، على حركات للراقصين، تحاكي أفعال الفرد العادي في حياته اليومية. تمددات الجسد أثناء النوم، وتقلباته، ونهوضه المفاجئ أو المتدرّج. فكل حركة وفقًا لكويبرز، تعدُّ رقصة، بما في ذلك غسيل الصحون. ليست هناك أفعال أقل أهمية من أخرى، أو أفعال لا تحتوي على الرقص.

في القسم التالي من العرض، تفاعل الشريكان، فقدّما تمريرات ناعمة للجسدين بجوار بعضهما؛ استدارات للذراعين أو القدمين، سقطات أو تزحلقات لا يفلت فيها الواحد يد رفيقه. حركات تؤلم المتفرّج وأخرى خفيفة الظل تدفعه للضحك. كمشاهدين، ووسط هذا المهرجان من الاحتفاء بالتواصل وبالارتجال وبحرية الحركة، لم يكن أمام أجسادنا سوى أن تبتهج بنفسها، لاكتشافها قدرات لم يحدث أن تعرّفت عليها من قبل.

في مداخلته في نهاية المحاضرة، أكد بوبوا بدوره، على شغف راقصي الارتجال التواصلي باقتحام مناطق غير مألوفة في التعامل مع الجسد، ما دفعهم مثلاً  لتطوير أساليب لمساعدة غير المبصرين على الرقص. وأضاف أن باكستون نفسه، قد أجرى تجارب لتخفيف التوتّر عن مرضى الإيدز، بشكل قد يحسن حالتهم المعنوية وبالتالي الصحية.

هكذا باكتشافه مساحات جديدة ومتغيّرة للحركة، وبطرحه الأسئلة على الواقع المقيّد، يحافظ رقص الارتجال التواصلي على طزاجته. فالوعي بالجسد هو بالضبط الهدف الذي يسعى إليه، وهو ما كان باكستون مهووسًا باكتشافه.

اعلان