هل يمكن الاعتماد على «الأموال الساخنة» في دفع الاقتصاد وسط مخاطر الاضطرابات الاجتماعية؟
 
 

قفزت الاستثمارات الأجنبية في أوراق الدين التي تطرحها الحكومة المصرية بعد تعويم الجنيه، بما يزيد على 17  مليار دولار  في أقل من عام واحد، وهو ما أشاد به صندوق النقد الدولي في سبتمبر الماضي، واعتبره دليلًا على ثقة المستثمرين في الاقتصاد. بينما يرى عدد من الاقتصاديين أن تراجع قيمة العملة وارتفاع سعر الفائدة هما السبب في جذب تلك الأموال، وأنها بطبيعتها «أموال ساخنة» تخرج من السوق في أي لحظة، وبالتالي قد تمثل خطرًا على النمو والاستقرار الاقتصادي.

وحققت مصر صافي تدفق للداخل في استثمارات محفظة الأوراق المالية، التي تشمل شراء الأجانب ﻷوراق مالية حكومية مثل أذون الخزانة والسندات أو أسهم مطروحة في البورصة، بنحو 16 مليار دولار خلال العام المالي 2016/17، المنتهي في يونيو الماضي، والذي شهد تعويم الجنيه.

وتعد الاستثمارات في أذون الخزانة، من أوائل الاستثمارات التي تدخل دولة ما بعد قيامها بإجراءات تتوافق مع اقتصاد السوق الحر. والأذون أوراق مالية تطرحها الحكومة بالجنيه المصري لتستدين مبالغ محددة لفترة لا تزيد على عام واحد.

وارتفع إقبال المستثمرين الأجانب على أذون الخزانة بشكل كبير بعد أن حررت مصر سعر صرف عملتها، في نوفمبر الماضي، وهو القرار الذي كان أحد أعمدة اتفاقها مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار خلال ثلاث سنوات.

وحذر اقتصاديون تحدثوا إلى «مدى مصر» من مخاطر ذلك النوع من الاستثمارات الذي لا يتسم بالاستمرارية، كما يرتبط بشكل وثيق باستقرار الوضع الأمني والسياسي والاجتماعي، وذلك في ظل اتخاذ الحكومة لإجراءات اقتصادية من شأنها أن ترفع من مخاطر الاضطرابات الاجتماعية، بحسب ما أكده صندوق النقد نفسه في في مراجعته الأولى ﻷداء الاقتصاد المصري ومدى التزام مصر بالبرنامج المتفق عليه بين الطرفين، والمنشورة في 26 سبتمبر الماضي.

أرباح سريعة للمستثمر الأجنبي

وتندرج استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية تحت مُسمى «الأموال الساخنة» لأنها استثمارات قصيرة الأجل تتحرك بحثًا عن أكبر عائد ممكن في أقل فترة زمنية ممكنة، ويضمن البنك المركزي المصري للمستثمرين بحسب القانون استرجاع قيمة استثماراتهم، مضافًا إليها الفوائد بالدولار.

ورفعت مصر أسعار الفائدة عدة مرات منذ إبرام الاتفاق، في نوفمبر 2016، ليبلغ إجمالي الزيادة 700 نقطة أساس، وذلك لكبح الآثار التضخمية للسياسات الاقتصادية المصاحبة للقرض والتي تضمنت رفع الدعم عن الطاقة، وهو ما انعكس على الأوراق المالية التي تطرحها الحكومة وزاد من العائد عليها وبالتالي من جاذبيتها للمستثمرين.

وتؤثر هذه النوعية من الاستثمارات على سعر الصرف وميزان المدفوعات، ويؤكد الاقتصاديون الذين تحدثوا لـ «مدى مصر» أن تحرير سعر الصرف ورفع معدلات الفائدة جعلا الاستثمار في أذون الخزانة المصرية أرخص مقارنة بالدول الأخرى في ظل مخاطر أقل نسبيًا من تلك الدول، والتي  تعرض معدل فائدة أقل.

ويؤكد الباحث الاقتصادي، محمد سلطان، لـ «مدى مصر»، على أنه بالنظر إلى المؤشرات الاقتصادية يوجد طلب شديد على الديون قصيرة الأجل وبالتالي العائد عليها يزيد.

ويوضح أن ميزان المدفوعات للعام المالي 2016/17، وهو العام الذي بدأت فيه الحكومة برنامجها الاقتصادي المقترن بقرض صندوق النقد، حققت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية صافى مشتريات بلغ نحو 10.0 مليار دولار، فيما بلغ صافى مشتريات اﻷجانب بالبورصة المصرية 497.3 مليون دولار فقط.

ويقول نعمان خالد، محلل الاقتصاد الكلي بشركة «سي آي لإدارة الأصول»، لـ «مدى مصر»، إن «الأموال الساخنة عامة تأتي عندما  تكون هناك دولة بها أسعار فائدة أعلى كثيرًا عن تلك في بلد آخر، وهو الوضع الذي ينطبق حاليًا على مصر مقارنة بأوروبا وأمريكا. وتنخفض أسعار الفائدة في أوروبا والولايات المتحدة بنسب كبيرة مقارنة بمصر وبعض الدول الأخرى في أفريقيا وأمريكا اللاتينية». ويضيف خالد أنه في تلك الحالة يشتري المستثمر الأجنبي بالعملة المحلية للدولة التي تطرح أسعار فائدة مرتفعة من خلال شراء أذون الخزانة أو أدوات الدين الخاصة بها.

الجدير بالذكر، أن المستثمرين الأجانب ضخوا أموالهم في العملة المصرية في الفترة التي اعتقدوا فيها أن هذا «أرخص سعر للعملة ممكن أن تصل إليه» بحسب خالد، لذلك أتت الاستثمارات «عندما تراوح سعر الجنيه ما بين 18 و19 مقابل الدولار، وكانت التوقعات تشير إلى أن سعر الصرف سوف يرتفع بعدها  إلى حوالي 16 جنيه مقابل الدولار».

فيما يشير سلطان إلى أنه عندما يستبدل المستثمرون الأجانب عملاتهم بالجنيه، من خلال البنك المركزي، ليشتروا بها أذون خزانة، فهم مطمئنون إلى قدرتهم على استرجاع العملة الأجنبية عند تحقيق الأرباح بنهاية مدة أدوات الدين بما في ذلك مقابل الأرباح المحققة، بحسب قانون المركزي. بينما يوضح سلطان أن «فكرة مخاطرة الاستثمار في سوق المال المصري بالنسبة لكثير من المستثمرين لم تصل إلى مناطق حرجة، خاصة بسبب لجوء مصر إلى قرض صندوق النقد الدولي»، الذي يقدم نوع من الضمانة لالتزام مصر بسياسة اقتصادية مناسبة لهم، أما «المشكلة الأساسية في مصر حاليًا فهي مؤشرات زيادة أسعار المستهلكين (والتي تخفض من القدرة الشرائية للجنيه)، وهذه مسألة لا يعاني منها المستثمر الأجنبي لأنه يدخل بالدولار ويخرج به». أما عن موقف المستثمر الأجنبي من مخاطر ارتفاع نسبة الديون الحكومية، فيشير سلطان إلى أن «مؤشرات الدين المصري بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، تعتبر قريبة من منطقة اليورو، حيث تعد نسبة الدين المحلي من الناتج القومي الإجمالي في مصر أصغر من مثيلتها في اليونان، وأسبانيا فيما تتعدى الفائدة في مصر مثيلتها في تلك البلاد».

لكن سلطان يرى أن احتمالات مخاطر التعثر في سداد الديون ترتفع على المدى البعيد وهو ما يفسر تركيز الاستثمارات الأجنبية على أدوات الدين قصيرة المدى.

جدل في مؤتمر لمجتمع الأعمال

 

ومن المتعارف عليه أن الاعتماد على تلك النوعية من الاستثمارات كمصدر للعملة الصعبة له مخاطر على الاقتصاد، لذلك كان تصريح رئيس البورصة خلال افتتاح مؤتمر لمجتمع الأعمال المصري الشهر الماضي، بأن الأموال الساخنة لها «دور إيجابي» في الاقتصاد مثارًا للجدل.

وقال رئيس البورصة المصرية، محمد فريد صلاح، خلال افتتاح مؤتمر «اليوروموني» السنوي في مصر، الذي أقيم في سبتمبر الماضي، إن «الأموال الساخنة لها دور في الاقتصاد، هي أموال، أود أن أقول، أنها تمول جزء من المشتريات في البورصة، وتمول أذون الخزانة والسندات الحكومية، بنهاية الأمر ذلك يقلل من العبء على القطاع المالي لتمويل عجز الموازنة».

ولعبت البنوك المحلية دورًا أساسيًا في شراء أدوات الدين الحكومية على مدى سنوات، ووصل صافي المطلوبات من الحكومة لدى القطاع المصرفي بالعملة المحلية إلى 1.5 تريليون جنيه مصري بنهاية يونيو 2017، فيما تقدر إجمالي الودائع البنكية بـ 3 تريليون جنيه مصري بنهاية يونيو 2017 أيضًا، وذلك بحسب البنك المركزي المصري.

وخلال جلسات المؤتمر اللاحقة لهذا التصريح، طرح البعض تعليقات حول أن تلك الأموال يمكن أن تتحوّل لاحقًا إلى استثمارات مباشرة، بينما عَبّر آخرون عن تخوفهم من تخارج استثمارات أذون الخزانة سريعًا قبل إيجاد بدائل للعملة الصعبة التي تسحبها بخروجها، ما قد يؤثر سلبًا على سعر الصرف والاحتياطي النقدي.

وتأييدًا لموقف رئيس البورصة، قال حازم بدران، نائب رئيس مجموعة «سى آى كابيتال» إن «المستثمرين يختبرون المنظومة من خلال الأموال الساخنة.. أنا أحاول أن أنظر للموضوع من الناحية الجيدة، وهي أن المستثمرين يختبرون السوق.. سوق العملة، والقدرة على استرجاع الأموال، أعتقد أن الأمر تطوّر بشكل جيد.. وأنهم سوف يحولون أموالهم إلى أسهم، لكننا نحتاج إلى فرص. أحد أهم التحديات حاليًا هي إيجاد فرص استثمار أكثر».

فيما يرى شريف الخولي، مدير عام شركة «أكتيس» في مصر، أن عملية تراجع الاستثمارات في أذون الخزانة أو خروج الأموال سريعًا بما يؤدي لصدمة للاقتصاد، ترتبط باستقرار الوضع في مصر، مؤكدًا على أن ذلك الاستقرار لن يأتي إلا من خلال كبح التضخم.

كما يحذر أحمد بدر الدين، الشريك الرئيسي في مجموعة «أبراج» ، من أن التوقعات ببدء تخفيض معدل الفائدة العام المقبل، على إثر تباطؤ معدلات التضخم الشهري، قد يؤدي إلى تراجع في «الأموال الساخنة» التي أتت من الأصل بحثًا عن الفائدة المرتفعة، مما قد يدخل الاقتصاد في دائرة مفرغة، ويضيف: «أعتقد أننا سوف نرى سعر الصرف يقفز إلى 19 أو 20 جنيه للدولار، وتلك هي المجازفة، ويتبع ذلك تسارع التضخم مجددًا، ورفع معدلات الفائدة، وندخل في دائرة بلا نهاية».

وتوقع تقرير صندوق النقد الدولي أن تكون السنة المالية المنتهية في يونيو الماضي، والتي شهدت تحرير سعر الصرف ورفع معدلات الفائدة، هي أكثر السنوات جذبًا للاستثمار، وذلك حسبما جاء في مراجعته الأولى ﻷداء الاقتصاد المصري ومدى التزام مصر بالبرنامج المتفق عليه بين الطرفين. وتقدر المراجعة أن يبلغ صافي استثمارات المحفظة المالية 12 مليار دولار في تلك السنة، بينما تنخفض إلى 5 مليارات دولار سنويًا في السنوات اللاحقة.

وفي نفس الوقت خفَضَ الصندوق توقعاته لصافي الاستثمار الأجنبي المباشر (وهو استثمار الاقتصاد الإنتاجي وليس المالي)، وراجع تقديراته لعام 2017/18 إلى 9.4 مليار دولار بدلًا من 10.4 مليار لنفس العام قبل المراجعة. وهذا النوع من الاستثمار له آثار إيجابية واضحة على معدلات البطالة والإنتاج.

مصير مجهول للتدفقات الأجنبية

يعتمد تأثير «الأموال الساخنة» بشكل رئيسي على كيفية استخدام تلك الأموال من جانب البنك المركزي، حسبما يقول نعمان خالد لـ «مدى مصر»، وهو الأمر الذي لم يُعلن حتى الآن.

ويوضح خالد أن الخطورة الرئيسية تكمن في مدى اعتماد القطاع البنكي أو البنك المركزي على «الأموال الساخنة» كمصدر رئيسي للعملة الصعبة لتمويل الاستيراد، مشيرًا إلى أنه في حالة الاكتفاء بفتح حساب تودع فيه تلك الأموال دون ضخها في القطاع البنكي أو إضافتها إلى الاحتياطي النقدي فإن المخاطر تنخفض، وإن كان ذلك يأتي على حساب الكفاءة في استغلال موارد دولارية متاحة.

ورغم عدم إعلان البنك المركزي كيفية استخدامه لتلك الأموال إلا أن تقرير صندوق النقد الدولي أشار إلى أن المركزي لم يضخ استثمارات المحفظة في سوق العملة في الشهور الأولى التي لحقت التعويم، والتي دخل فيها جزء كبير من تلك الاستثمارات. لكنه من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان المركزي سيستمر في عدم ضخ الدولارات في سوق العملة من خلال بيعها إلى البنوك في الشهور اللاحقة، خاصة أن بعض التصريحات اللاحقة أشارت إلى أنه ربما تمّ ذلك بالفعل. ومن تلك التصريحات، تعليق، غير واضح تمامًا، من طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، لتلفزيون «بلومبرج»، في 18 سبتمبر الماضي، حول  مدى تعرض مصر لتقلبات السوق العالمية، حيث قال إن مصر ليست معرضة بشكل كبير للتأثر بتلك التقلبات. وأضاف أنه «لا يمكن أن تقيد نفسك بما تعطيه لك أذون الخزانة. ذلك اقتصاد كبير، إنه متنوع. لقد تحملنا الجزء الصعب، ووضعناه [الاقتصاد المصري] على الطريق السليم».

لكن في إشارة مختلفة، وإن كانت بنفس الغموض، قال رامي أبو النجا، وكيل محافظ البنك المركزي، في حوار مع جريدة «المصري اليوم»، في أغسطس الماضي، ردًا على ما إذا كان الاحتياطي الأجنبي يحتوي على استثمارات الأجانب في أذون الخزانة، إن «البنك المركزي لا يعمل فى معزل عن المؤسسات العالمية، ويتبع كافة المعايير الدولية فى إدارة الاحتياطى النقدى، ويتضمن الاحتياطى المصرى من الذهب والاستثمارات الأجنبية بالإضافة إلى إجمالي المساهمات المالية السائلة فى الخارج، كما أن استثمارات الأجانب فى أدوات الدين قصيرة الأجل تتمّ بشكل دورى، وليس هناك تخوف من الالتزامات الخارجية فى ظل قوة الاحتياطي والذي من المتوقع أن يرتفع مدعومًا بتحسن الموارد الدولارية للبلاد الفترة المقبلة ويجب التأكيد (على) أن الاحتياطى النقدى المعلن من البنك المركزى متوافق مع المعايير الدولية».

ويقول نعمان خالد لـ «مدى مصر»، إن المركزي كان أمام ثلاثة اختيارات فيما يتعلق بكيفية التصرف في تلك الأموال. الاختيار الأول، وهو الأقل خطورة، وإن كان الأقل كفاءة من حيث استغلال الموارد الدولارية المتاحة، ويوضح: « يُقال إنه ذلك كان الاختيار الفعلي في البدء، وهو اختيار وضع تلك الاستثمارات في حساب منفصل عن الاحتياطي وعن استخدامات الدولار الخاصة به، وسبب رئيسي لذلك أنه لم يكن من الواضح بعد ما إذا سوف تتواصل الاستثمارات لذلك كان من الأضمن وضعها في حساب منفصل حتى تكون الدولارات متاحة في حالة أراد المستثمر التخارج». ويضيف خالد أن «الاختيار الثاني وهو الأكثر خطورة، هو إضافة جزء من تلك الأموال على الاحتياطي، أما الاختيار الثالث هو دفع مديونيات بتلك الأموال أو دفع فاتورة استيراد الحكومة، وهو وضع مشابه لضخ الأموال في البنوك».

ويعتقد خالد أن المؤشرات تقول إنه تمّ استخدام بعض من تلك الأموال في تغطية فاتورة استيراد الحكومة، مما يعني أنه إذا لم يتمّ تجديد استثمارات الأجانب في أذون الخزانة سوف يصعب رَدّ الدولارات للمستثمرين الذين حققوا الأرباح ويسعوا إلى التخارج، وذلك إذا استمر الوضع الحالي في غياب مصادر دولارية بنفس الحجم.

مخاطر مرتقبة

كانت الذاكرة القريبة لثورة 2011 والأحداث المرتبطة بها حاضرة سواء خلال الجدل في مؤتمر «اليوروموني»، وفي حديث كل من محمد سلطان وخالد نعمان لـ «مدى مصر» كذلك. وتحوّلت المخاوف من المخاطر المترتبة على الاعتماد على «الأموال الساخنة» إلى حقيقة، حينما تسببت الاحتجاجات والهزات السياسية والأمنية قبل ستة أعوام إلى عدم تجدّد استثمارات الأجانب في أذون الخزانة، وبالتالي تسديد قيمتها كلها دفعة واحدة.

ويأتي التهديد الحقيقي؛ فيما يتعلق باستثمارات أذون الخزانة من عدم تجديدها، حسبما يقول سلطان، ﻷن تجديد الاستثمار في تلك الأوراق يسهم في أن يصبح عند المركزي دخلًا دولاريًا جديدًا لتسديد الاستحقاق الدولاري المنتهي.

وكان المركزي يضخ استثمارات الأجانب في أذون الخزانة في البنوك قبيل اندلاع الثورة المصرية عام 2011، وذلك بحسب خالد، الذي أشار إلى أنه عندما حدثت توترات سياسية توقفت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة وأصبح على البنوك رَدّ تلك الدولارات لسد الأذون مستحقة الدفع، كلها في الوقت نفسه، وهو ما لم تتمكن منه، مما أدى إلى أن يسددها المركزي من الاحتياطي الأجنبي لينخفض من 36 مليار دولار عام 2010، إلى أقل من 17 مليار دولار في بضعة شهور.

فيما يوضح سلطان أن «الاحتياطي انخفض بسبب انسحاب استثمارات محفظة الأوراق المالية ليس في أذون الخزانة فقط، وإنما في البورصة». من جانبه يرى نعمان خالد أن خطورة الاعتماد على الأموال الساخنة يظهر في حالة عدم قدرة مصر على جذب دولارات من مصادر أخرى، عندها إذا عَزَف الأجانب عن العودة إلى السوق المصري، سوف يكون التسديد على حساب الاحتياطي النقدي كما حدث عام 2011.

ويعتقد خالد أن «الموضوع يتلخص في ميزان المدفوعات، إذا لم تأت إيرادات دولارية أخرى من سياحة أو من استثمارات مباشرة تسمح أن تعمل كبديل للاستثمارات التي تتخارج من أدوات الدين، في تلك الحالة خروج أي استثمارات يتسبب في انخفاض قيمة العملة أمام الدولار مما يعيدنا إلى خلق موجة أخرى من ارتفاعات الأسعار».

ويوضح ميزان المدفوعات للعام المالي 2016/17، الذي شهد تحرير سعر الصرف، أن معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة التي تدهورت بشكل حاد على إثر الأزمات التي لحقت 2011، وأن التحسن مازال محدودًا، فوصلت إيرادات السياحة إلى 4.4 مليار دولار مقابل 11.6 مليار دولار في العام المالي 2009/2010 أي قبل الثورة. كما وصل صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 7.9 مليار دولار، نصفها في قطاع البترول.

ويرى خالد أن الزيادة في الاستثمار الأجنبي المباشر غير معبرة عن اتجاه الاستثمار في مصر لأن أغلبها في قطاع البترول لأنها غير مرتبطة بالسياق السياسي والاقتصادي.

ويعتبر سلطان أن مخاوف تكرار أزمة 2011 مازالت قائمة، مضيفًا أن «المهدد الأكبر هو مهدد سياسي، وذلك بأن تحدث احتجاجات شعبية وانتفاضات تؤدي إلى أن كل الاستثمارات الأجنبية في مصر تتوقف تمامًا، ذلك قد يؤدي إلى سيناريو أعنف من 2011، الأثر ليس فقط وفقًا لقوة الحدث لكن أيضًا إلى موقعك أثناء حدوثه. نحن الآن في موقع أسوأ كثيرًا من 2010 من ناحية معدلات الدين الداخلي والخارجي، من ناحية معدل النمو الاقتصادي، ومعدلات البطالة والتضخم حاليا».

وأقرّ فريق صندوق النقد الدولي، في مراجعته الأولى ﻷداء الاقتصاد المصري ومدى التزام مصر بالبرنامج المتفق عليه بين الطرفين بشأن المراجعة الأولى للاقتصاد المصري، بأن من أهم المخاطر أمام استمرار البرنامج الاقتصادي هو احتمالية تزايد الاضطرابات الاجتماعية نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وكبح زيادة أجور الموظفين. وأضاف الصندوق أن أي تدهور في الوضع الأمني، سوف ينتج عنه تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد وبيئة الأعمال.

اعلان