Define your generation here. Generation What

عن علاء.. ذكّر فإن الذكرى تنفع عمومًا

أيقظونا ذات صباح مبكرًا؛ حركة غير عادية وأصوات كلاب تنبح في السجن، والسجان يزعق بصوت عالٍ في العنبر: «تفتيش.. تفتيش.. كله يلبس الميري ويجهز».

قمت أنا وعلاء، وبدأنا روتين الإخفاء. علاء كان يحاول إنقاذ الراديو حتى لا يصادروه، رغم موافقة رئيس المباحث على إدخاله، أما أنا فاهتممت بمحاولة إخفاء «كنكة» القهوة، وحشر الكراس الذي أكتب فيه يومياتي وسط أظرف وأوراق الخطابات.

لم يكن لدينا علم مسبق بيوم التفتيش، لذا كانت الحركة في العنبر مضطربة؛ لم يستعد أحد. في يوم التفتيش تأتي لجنة من مصلحة السجون، وتستلم السجن ومفاتيحه منذ الصباح، بصحبة جحافل من عساكر الأمن المركزي ومخبري المباحث والكلاب البوليسية وأجهزة الكشف عن المعادن. تفتش الحملة على إدارة السجن وأوراقه، وتفتش العنابر للتأكد من عدم وجود أي مخالفات أو ممنوعات هناك، بداية من الأكواب الزجاجية، مرورًا بالأجهزة الإلكترونية، الملاعق والشوك المعدنية، الموبايلات، وحتى الحبوب المخدرة أو المخدرات من أي نوع، بالإضافة لأي أوراق مريبة يجدونها.

في تفتيشهم هذا، صادروا كل الحلل والأواني التي كنا نطبخ ونسخن فيها الطعام، وتركوا لستين سجينًا، في عنبر واحد، حلتين وطاسة معدنية واحدة.

ارتدينا ملابس السجن الرسمية، فتشونا ثم صفّونا في طابور في الشمس لحوالي خمس ساعات، لحين الانتهاء من تفتيش العنبر وقلب كل شيء على الأرض، من الملابس للطعام للزبالة، قلبوا كل شيء فوق بعضه البعض.

مرت ساعتان ونحن واقفون. سمحوا لنا بالاستناد على الجدار، ثم نادوا على علاء في الداخل. غاب معهم حوالي ثلث الساعة ثم خرج وهو يضحك. سألته عن الوضع في الداخل، فقال إنهم يفتشون كل ورقة في مصلبنا.

– لماذا استدعوك إذن؟

كان لدى علاء كراس صغير يحمل صورة لينين، وجرت العادة أن يسجّل فيه بعض الأرقام الاقتصادية التي تنشرها جريدة «الأهرام»، كأرقام الدين والفجوة التمويلية وتفاصيل أخرى تخص الوضع الاقتصادي. كان هذا التدريب واحدًا من التدريبات التي يمارسها للحفاظ على نشاطه الذهني وعلى علاقة ما بالعالم الخارجي، حتى لا ينسى العالم، وحتى لا ينساه العالم.

يتعلق تدريب الأرقام الاقتصادية بتدوين ما يُنشر في «الأهرام»، ورصد كيفية تغير هذه الأرقام. يبني علاء على هذه الأرقام تحليله الخاص للوضع الاقتصادي، بعيدًا عن المواد الدعائية الإيجابية التي تغرق الجرائد الرسمية التي تصلنا في السجن.

اضطرب المفتشون حينما رأوا كل هذه الأرقام، وبحسهم الأمني اليقظ اشتبهوا أن تكون الأرقام شفرة أو أرقام تليفونات يتواصل من خلالها علاء مع العالم، لذا استدعوه حيث أخذ يشرح بالتفصيل كل رقم ومعناه. وقفوا عاجزين عن اتخاذ قرار، خصوصًا وأن الأرقام تُنشر في «الأهرام» التي يسمحون بدخولها. وفي النهاية تدخل قائد التفتيش وسمح بالدفتر، ولكن بعد مصادرة جهاز الراديو.

«نسيان العالم» هو الكابوس الذي كنا نفكر فيه بكثرة أنا وعلاء. كمبرمج وتقني، كان كابوسه الأكبر حينما يخرج هو: كيف سيندمج مع التطورات التكنولوجية التي دارت في مجاله؟ هل سيستطيع العودة للعمل؟ عالم الإنترنت يتبدل ويتحوّر في أسابيع معدودة، فما بالنا بسنوات كاملة ضائعة!؟

كنا نتذكر دائمًا حكاية المدوّن الإيراني الذي سُجن لخمس سنوات بسبب بعض تدويناته، وحينما خرج من السجن وجد عصر المدونات قد انتهى وأصبح الجميع في أسر الشبكات الاجتماعية، فأصيب بما يشبه الصدمة النفسية، وظل يهاجم الشبكات الاجتماعية وينادي بالعودة للمدونات، عاجزًا عن الاندماج مع الحاضر.

بعد كل جلسة كان علاء ينزلها ضمن قضية إهانة القضاء، كان يعود بعشرات الحكايات وأحاديث النميمة الخرافية التي يسمعها من قادة الإخوان المتهمين معه في ذات القضية. تدور الحكايات دائمًا عن انقلاب وشيك، وعن تدخل قوى كونية لإنقاذهم؛ أحاديث اليأس والهزيمة التي ترفض الاعتراف بانكسارها. كنت أنتظره بعد كل جلسة لنسمع آخر هذه الأساطير، وبعد تبادل الضحك والإفيهات كنا نصمت، خوفًا على أنفسنا من ذات المصير يومًا.

لكن ما الذي نعرفه حقًا عن العالم؟ ومتى إذن سنتحول لنصبح مثلهم؟

ينتظر علاء اليوم الحكم في قضية إهانة القضاء، وهو الحكم الذي قد يضاعف مدة حبسه وعزلته عن العالم.

غير صحيح أن «السجن عمره ما غيّر فكرة». إذا خرجت من السجن ولم تتغير فكرتك، فقد فقدت عقلك يا صديقي. يجب أن نتغير داخل السجن أو خارجه. كانت المراجعات وإعادة مناقشة خلافاتنا القديمة هي خبزنا اليومي، والقراءة هي الهواء النقي الذي نتنفسه، أو كما كان ضابط المباحث يقول لي وهو يمنحني كتابًا واحدًا من الكتب التي طلبتها: «خد الأفيون بتاعتك».

ينتظر علاء أيضًا الحكم في القضية التي رفعها ضد إدارة السجن للسماح له بإدخال الكتب، حيث البحث عن كتب جديدة كان محور صراعنا اليومي في السجن.

أحياناً ما كنت اقترح على علاء التقدم لدراسة الماجستير أو أي شهادة أخرى، لا من أجل الشهادة ذاتها، بل لتنشيط خبرته المهنية، وكان يجيبني بأنه يفكر بالأمر، لكن حينها سيبدو وكأنه يستسلم لوضعه، كما أنه لا يريد أن يمنحهم نقطة قوة يستخدمونها ضده. «ماذا لو تقدمت للماجستير، ثم لم يسمحوا لي في النهاية بالذهاب للامتحان، أو منعوا دخول الكتب الدراسية؟» كان هذا رده على اقتراحي.

تزداد قائمة المظلومين كل يوم، آخرها انضمام ضحايا مذبحة الدفاع الجوي الذين نالوا أحكامًا بالمؤبد والسجن لمجرد أنهم لم يموتوا في مذبحة الاستاد. آخرون ظروفهم الصحية متدهورة لا يتلقون العلاج وبعضهم مسجون منذ عامين ولم تُوجَّه له اتهامات بعد. ومع ازدياد القائمة يزداد إحباطنا ويأسنا. تسأل نفسك: ما فائدة ما نكتبه، ما فائدة مطالبنا، لماذا ندوّن تحت الهاشتاج، وهل لجهودنا تلك أي أثر؟

أقول لكم إنه لا شيء أهم من التذكر، من الريتويت، ليشغلا تفكيرنا. السجن هو عزلٌ للمسجون عن العالم، وكذلك عزلٌ للعالم عن المسجون وعن معرفة أخباره. في حالة علاء،  فالأهم للسلطة من محاولة كسره وعزله عن العالم، هو عزل العالم عنه؛ أن ننساه وننسى كل من في السجون.

أي تذكر نفعله، أي تويتة أو ريتويتة، حتى ولو لم تؤثر مباشرة على وضع المسجون الآن، فأقول لكم إنها تصل.. الأمنيات الطيبة تصل. وحينما يهمس الأهل للمسجون بأن فلانًا كتب عنك أو تحدث عنك، يشرق وجهه لأن أحدهم خارج السجن تذكره، لأن ذكر اسمه يعني أنه حيٌ خارج السجن، في عقول وقلوب من يحبونه، أو من يشاركونه رفقة الدرب. وحينما يخرج المسجون – ويومًا ما سيخرج كل المساجين –  فاكتشافه لكل هذه الرسائل والكلمات التي لم تصله وهو في السجن، يكون أهم عامل يساعده على اندماجه من جديد في الحياة، وعلى تخفيف تلك الغصة والغضب على أيامه وسنواته التي ضاعت في السجن.

تذكروا علاء.. تذكروا كل المساجين. إذا كنا لا نستطيع كسر قيودهم، فلا تكونوا بصمتكم سببًا في ترسيخ عزلتهم. لا تمنحوا السجان، بيأسكم أو بنسيانكم، انتصارًا آخر.

اعلان