Define your generation here. Generation What

فيلم «الأم المخيفة».. الكتابة كوحش مهدِّد لمجتمع مكبوت

في رواية «المسخ»، الصادرة عام 1915 لفرانز كافكا، يستيقظ جريجور سامسا من نومه في منزل عائلته، ليكتشف تحولّه إلى حشرةٍ مهولة، وحش مرعب، يثير فزع عائلته، التي تتجنّبه، لتتركه يتعفن ويموت.

 وفي فيلمها الجديد «Scary mother» أو«الأم المخيفة» 2017، تختار المُخرجة أنا أروشادزي؛ معالجة قصتها بمقاربة شبيهة لكافكا، حيثُ تواجه بطلة الفيلم، الأم وربة المنزل مانانا؛ طوفان غضب من عائلتها، بعد اكتشافهم أنها تقوم بتأليف رواية «إباحية» عنهم.

 في أحد مشاهد الفيلم الملحمّية، وبحضور أولادها المراهقين، يُرغِمها زوجها على قراءة أوراقها بصوتٍ عال،. تقرأ مانانا مبهورة الأنفاس فقرة من كتاباتها، تحكي عن اغترابها وتقززها من أفراد أسرتها.  يشبه أسلوب مانانا الأدبي، أسلوب كافكا، حيثُ اللغة الحيّة المفعمة بالصور والمجازات الأدبية غير المألوفة . يُدرك أفراد الأسرة، أنهم المعنيون بكلامها، فيتهمونها بفقدان الرُشد.

تقف مانانا بمفردها في مواجهة عائلتها، فحتى والدها المترجم المجتهِد و المولَع بكتابتها، يحذّرها من تخطي عتبات ومنحدرات النفس المعقّدة والمخيفة، لأن من يفعل ذلك لا يمكنه الرجوع للبرّ سالمًا. هكذا، لا تحظى مانانا إلا  بمساندة وحيدة من جارها، الوكيل الأدبي، الذي يصِف كتابتها بأنها مستقبل جورجيا في الأدب، ويسعى لنشر كتابها.

من مذكّرات كافكا نعلم أنه عانى الكثير أثناء عملية الكتابة، حيثُ أمضى ساعاتٍ طويلة وحيدة يؤلّف أدبًا غير مفهوم لمعظم قرائه المعاصِرين. بدورها تقود الكتابة مانانا للهلاك، عندما تُشرع عائلتها في كبت موهبتها الرهيفة، ويقومون بحرق روايتها الغير مكتملة في دلو بالشرفة، بما يُذكّر بأيام الاتحاد السوفييتي الديكتاتوري، الذي كانت جورجيا عضوًا فيه.

بخلاف تشابه أجواء الفيلم العامة مع الأجواء الروائية لكافكا،  تقترب رحلة مانانا الشخصية ككاتبة إلى حدٍ كبير من رحلة كافكا، فكما ظلّت معظم أعماله غير منشورة حتى وفاته، تتفق دور النشر في فيلم «الأم المخيفة» على رفض روايتها، ناعِتين كتابتها بالغرابة والفِسق. وكما أرَّقت كافكا علاقته المتوتّرة بوالده، تعاني مانانا من أزمة متعلقة بوالدتها. أيضًا يشترك الاثنان في انخراطهما في نوبات ضحك كبيرة عندما يقرآن من أعمالهما التي لا يفهمها المستمِع ويعجز عن مشاطرتهما الضحك.

تتسم رؤية المخرجة أروشادزي بأنها مُقبِضَة، وبأجواء تصويرية معتِمة، وينعكس ذلك على اختيارها لأماكن التصوير. فمثلًا بيت مانانا لا يمكن الوصول له إلا من خلال جسر يشبه جسور العصور الوسطى، ما يعزّز إحساس الانعزال. كما أن شوارع المدينة تبليسي، موحِشَة وخالية ورمادية، ما يُشعر أبطال الفيلم  بالبرودة والاغتراب طول الوقت. في النقاش الذي دار بعد عرض الفيلم بالدورة الجارية لمهرجان الجونة السينمائي، قالت أروشادزي أنها اعتمدت فقط على حدسها في اختيار الأماكن المناسبة للتصوير، وفي كتابة السيناريو. ورغم اعترافها بولعها بكافكا، إلا أنها لم تفكّر في التشابهات الكثيرة أثناء إعداد الفيلم.

في عملها الروائي الأوّل، حقّقت أروشادزي (27 عامًا)، عملًا فنيًا رائقًا؛ بطىء الإيقاع ويحتاج لطول بال من المشاهِد، لكنّه استثنائي ومميز. لذلك لم يكن مستغربًا أن يصبح فيلمها ترشيح جورجيا الرسمي لمسابقة الأوسكار 2018، على خطى والدها المخرج زازا أروشادزي الذي وصل فيلمه« اليوسفي» للقائمة القصيرة لجوائز مسابقة الأوسكار للفيلم الأجنبي عام 2013.

لفيلم «الأم المخيفة» منحى نسوي هام، لا يمكن إغفاله، فبطلته تسعى لتحقيق نفسها في مجتمع محافظ ومنغلق على نفسه، تشهد شوارعه وبناياته القاتمة والمتهالكة على التصدّع والكآبة التي وَصمت فترة حُكم الاتحاد السوفيتي. وككل مجتمع ذكوري أوتوقراطي تجمّدت عاداته وتقاليده، يُجهِض أي محاولة للخروج عن وعيه الجماعي المفترَض. تحاول مانانا التمرُّد على تلك الحالة من اللامبالاة والخمول العام، إلا أنها سرعان ما تفقد سيطرتها على طموحها، الذي ما يلبث أن يشكل خطرًا وشيكًا على نفسها وعلى من حولها.

فبعدما تكتشف أن أبطال روايتها وعائلتها متماثلين، تبدأ بعقد التجارب عليهم لاستغلالهم لروايتها، غير آبهة لأي مانع أخلاقي، ولا مكترثة باحتمالية دفعهم للانتحار، كرد فعل على تعريتهم وكشف نقاط ضعفهم في كتابتها.

نقطة الاختلاف بين فيلم أروشادزي ورواية كافكا، هو أن فكرة «التحول لوحش» تستلزم وقتًا في الفيلم، فبينما يستيقط جريجور ليفاجأ بنفسه مسخًا، تتحول مانانا «مجازيًا» إلى وحش ينمو باضطراد على مدار الفيلم. وكمصاص الدماء «مانانجال» بطل القصة الخُرافية التي كانت تخيفها وهي طفلة، والذي يتغذى على دماء البشر، تقتات مانانا على مشاعر الآخرين لتثري كتباتها بأفكار بدائية ومتوحشة، و تتعامل مع جسدها كحائط تسجل عليه كتابتها، مدوّنة جملًا طويلة ورؤى مجنونة، عندما تجتمع بوالدها أو عائلتها. تؤذي مانانا الأشخاص الحقيقيين في حياتها، عندما يجدوا أنفسهم مكشوفين في كتابتها، مشوّهين ومشلولين. وبسبب بلاغتها الفارهة، تجعلهم مانانا بدورها كحشرة كافكا، مذنبين ومدانين وعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم، لا يستطيعون تعديل ما كتبته عنهم.

فيلم «الأم المخيفة» يؤكّد أن صوت الفرد يشكّل تهديدًا مخيفًا لكل آلة كبت، تفرض على رعاياها دِعاية تسلطية، تحوّلهم لنماذج أكثر إثارة للخوف من وحوش مانانا الخياليين.

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد