Define your generation here. Generation What

إسقاط الجنسية المصرية: ما يستهدف الإرهابيين قد يُطبق على الجميع

في بيان رسمي لها، أشارت الحكومة المصرية لموافقتها بتاريخ 20/9/2017 على مشروع قانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 26 لسنة 1975 بشأن الجنسية المصرية.

قيل في البيان إن التعديل يتضمن إضافة حالة جديدة لسحب الجنسية المصرية تتعلق بكل من اكتسبها عن طريق الغش أو بناء على أقوال كاذبة، أو صدور حكم قضائي يثبت انضمامه إلى أي جماعة، أو جمعية، أو جهة، أو منظمة، أو عصابة، أو أي كيان، أيًا كانت طبيعته أو شكله القانوني أو الفعلي، سواء كان مقره داخل البلاد أو خارجها، ويهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها، بالقوة أو بأية وسيلة من الوسائل غير المشروعة.

كما ينص التعديل على زيادة المدة التي يجوز خلالها سحب الجنسية المصرية من الأجنبي الذي اكتسبها بالتجنس أو بالزواج لتكون عشر سنوات بدلًا من خمس، وزيادة المدة التي يكتسبه بعدها الأجنبي للجنسية المصرية تبعًا لوالدته لتكون سنتين بدلاً من سنة، وحذف اكتساب الأولاد البالغين للجنسية تبعًا لذلك والاكتفاء بالأبناء القصر. كما يشمل التعديل إضافة حالة جديدة لحالات إسقاط الجنسية تتعلق بصدور أحكام بالإدانة في جريمة مضرة بأمن الدولة، من جهة بالخارج أو الداخل.

ويتضح من البيان أن التعديلات تهدف لأمرين:

الأول زيادة سلطة جهة الإدارة في سحب الجنسية من مكتسبها عن طريق التجنس، في حالة اكتسبها عن طريق الغش، أو في حالة صدور حكم قضائي يثبت انضمامه لجماعة أو جهة تمارس أنشطة تمس ما أسماه التعديل بـ«النظام العام للدولة»، أو تقوّض نظامها الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، أو صدور حكم قضائي بالإدانة في جريمة مضرة بأمن الدولة.

أما الثاني فهو زيادة المدة المسموح فيها لجهة الإدارة بسحب الجنسية بعد اكتسابها، لتكون عشر سنوات بدلًا من خمسة، وزيادة المدة التي تسمح باكتساب الجنسية تبعا للوالدة لتكون سنتين بدلًا من سنة.

هل إعادة تنظيم شئون الجنسية المكتسبة هو المقصود؟

للوهلة الأولي يبدو هذا التعديل مجرد إعادة تنظيم لشؤون منح الجنسية للأجانب، أي أنه لا يتحدث إلا عن حالات تنظيم الجنسية المكتسبة وليس عن الجنسية الأصلية للمواطنين المصريين. ولكن مع مراجعة الصياغات الملتبسة للبيان الصادر من مجلس الوزراء، يصعب التأكد من هذا، فبعد حديث البيان عن حالات سحب الجنسية من مكتسبيها وتعديل المدد التي يحق فيها سحب الجنسية المكتسبة، أضاف في عبارة مقتضبة:

«كما يشمل التعديل إضافة حالة جديدة لحالات إسقاط الجنسية تتعلق بصدور حكم بالإدانة في جريمة مضرة بأمن الدولة من جهة بالخارج أو الداخل»، ما يشير إلى احتواء المشروع المطروح من قبل الحكومة على حالات لسحب الجنسية من مواطنين صدرت ضدهم أحكام قضائية في قضايا تمس أمن الدولة من الداخل أو الخارج، وليس فقط الانتماء لمنظمة إرهابية في حالات مكتسبي الجنسية.

يفتح هذا الباب أمام إسقاط الجنسية للخصوم السياسيين، والذين تُوجّه لهم اتهامات بـ«الإضرار بأمن البلد من الداخل والخارج»، وهي جريمة غير محددة المعايير ويُحاكَم بناء عليها مئات السياسيين السابقين، ومن بينهم وزراء ومسؤولون، بل ورئيس جمهورية أسبق، كما يتهم بها الآن عشرات المصريين، ومن بينهم سياسيون وقضاة ونشطاء مجتمع مدني.

برلمان على خطي الحكومة أم حكومة على خطي البرلمان؟

يتزامن توقيت طرح هذا المشروع مع قرب دور الانعقاد الثالث للبرلمان المصري، والمقرر في الخميس الأول من شهر أكتوبر، وما صحبه من إعلان عدد من النواب عن أجندتهم التشريعية للدور الجديد، ومن ضمنها مقترح للنائبة سوزي ناشد، عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، يهدف لإسقاط الجنسية عن الإرهابيين، على حد قولها، حيث أوضحت أن مشروعها عبارة عن تعديل في قانون الجنسية لكنه سيكون قانونًا قائمًا بذاته، وبناء عليه ستُضاف مادة «إسقاط الجنسية عن الإرهابيين»، لافتة إلى أنه من ضمن مواد القانون أن يكون الحكم الصادر ضد الشخص من المحكمة باتًا ونهائيًا، وفى هذه الحالة تسقط الجنسية عنه، وأشارت إلى أنه من ضمن المواد أيضًا أن يثبت الحكم القضائي البات أن هذا الشخص ينتمي لكيان إرهابي ومتورط في حوادث إرهابية متكررة، موضحة أن من يرتكب الجرائم الإرهابية ليس لديه ولاء لبلده ووطنه، وأن الجنسية المصرية شرف، لا يستحق أن يحمله من يرتكب جرائم.

وسبق محاولات ناشد تقديم مشروع قانون آخر بنفس الهدف، وتقدم به كل من النائبين مصطفي بكري ومارجريت عازر، والتي صرحت سابقًا بأن أحد أهداف القانون إسقاط جميع حقوق الإرهابي من مختلف مظاهر الدعم الذي تقدمه الدولة للمواطنين، سواء في السلع التموينية أو التعليم والصحة والإسكان، كما أنه في حال وجوده خارج البلاد يمنع من دخوله مصر.

ما يحدث الآن من تزامن موافقة الحكومة على مشروع قانون، مع طرح أعضاء البرلمان مشروعًا آخر عن ذات الموضوع، يذكّر بسيناريو قانون «الجمعيات الأهلية»، حين عمد النظام لتمرير أسوأ نسخة من نسخ القانون المقترح آنذاك، عن طريق تبني عدد من أعضاء البرلمان لها، وتقديمها كمقترح منهم ثم دفاعهم عنها تاليًا، وبالتالي يُرفع بذلك الحرج عن الحكومة أمام المعارضة والمجتمع الدولي، وكأن لسان حال النظام السياسي يقول هنا إن هذه القوانين القمعية الرجعية هي نتاج اختيار الشعب لممثليه بالبرلمان، وليس لنا بها صلة ما، وحينها يصبح الاعتراض على هذه القوانين اعتراضًا على إرادة الناخبين أنفسهم.

هل يعد سحب الجنسية عقابًا مزدوجًا؟!

في واقع الأمر، فالإشكاليات التي ستترتب على إقرار هذا المشروع لا تتعلق فقط بتعقب الخصوم السياسيين وإنزال عقاب بهم لممارستهم حقهم الدستوري في الاختلاف مع الحكومة، ولكنه سيكون أيضًا، وفي حال تطبيقه على من ثبتت بحقهم جرائم إرهابية، بمثابة العقاب للمرة الثانية عن نفس الفعل. فمشاريع القوانين ذات الصلة، والمقدمة من الحكومة أو من أعضاء البرلمان، رتّبت إسقاط الجنسية على صدور حكم نهائي من القضاء يثبت ارتكاب جرائم إرهابية أو جرائم تمس أمن البلاد من الداخل والخارج.

يعني هذا أن إسقاط الجنسية سيكون بمثابة عقاب ثان بعد توقيع العقوبة الجنائية عن الجريمة الإرهابية المرتكبة. وهو ما يتعارض مع مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد، المبدأ الذي أرسته المحكمة الدستورية العليا في أحكامها حين قالت: «وحيث أنه متى كان ما تقدم، وكان مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد، من المبادئ التي رددتها النظم القانونية على اختلافها، ويعتبر جزءًا من الحقوق الأساسية التي تضمنها الاتفاقيات الدولية لكل إنسان، ويخل إهداره بالحرية الشخصية التي يعتبر صونها من العدوان، ضمانة جوهرية لآدمية الفرد ولحقه في الحياة.»

ماذا بعد إسقاط الجنسية عن المواطنين؟ 

يثير الأثر المترتب على عقوبة إسقاط الجنسية بسبب ارتكاب بعض الجرائم الجنائية العديد من الأسئلة حول طريقة تعامل الدولة مع من ستسقط عنهم الجنسية أثناء تأدية العقوبة وبعدها.

هل سيكون إسقاط العقوبة مثلًا بأثر فوري أم بأثر رجعي، ما يؤثر على أبناء المحكوم عليه وأسرته؟! وكيف سيجري التعامل مع المحكوم عليه، والمسقطة جنسيته، داخل البلاد بعد قضاء فترة عقوبته؟ وكيف ستُثبت شخصيته بعد سحب الجنسية وما يترتب عليها من سحب كافة الأوراق الثبوتية؟

يثير هذا القانون أيضًا أسئلة أخرى عن تحمل الدولة لدورها في مواجهه جرائم مواطنيها، فمع ازدياد عدد الجرائم الإرهابية حول العالم، واتخاذ الحكومات هذا الطريق في إسقاط الجنسية عن مواطنيها من مرتكبي الجرائم، هل سيساهم ذلك في الحرب على الإرهاب؟

وهل يهم الإرهابي الذي حصد الأرواح وروّع الآمنين إسقاط الجنسية عنه، أم أن كل ما يُطرح هو فقط لمواجهة المعارضة السياسية، وتكميم أفواهها، لا سيما وأن جرائم تهديد أمن وسلامة البلاد من الداخل والخارج قد عُدّلت في القانون الشهير بـ«قانون الأشياء الأخرى»، الذي يحبس أي شخص بسبب تلقيه أي شيء من أي جهة، والمسلط على رقاب نشطاء المجتمع المدني، ومُنع بسببه العديد منهم من السفر وجرى التحفظ على أموالهم.

اعلان
 
 
محمد عادل سليمان